|
|
الحوار السوداني أمام السؤال الأصعب - كيف نهيئ المناخ قبل أن نطلب من السودانيين الحوار؟
|
10:50 PM September, 29 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
ل
أعلنت لجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني، في مؤتمرها الصحفي الذي عقدته الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 بالخرطوم، بدء الخطوات التنفيذية للتحضير للحوار، عبر توجيه الدعوات إلى الأحزاب والتحالفات السياسية والقوى المدنية والمكونات المجتمعية، تمهيداً للقاءات تشاورية تسبق المؤتمر العام للحوار, في الظاهر، تبدو الخطوة انتقالاً من مرحلة الحديث عن الحوار إلى مرحلة العمل الفعلي ولكنها في العمق تفتح سؤالاً أبعد من سؤال المشاركة- من سيجلس حول الطاولة؟ فالسؤال الحقيقي ليس فقط من ندعو، وإنما هل تهيأت الظروف الحقيقية التي تجعل السودانيين قادرين على الجلوس إلى طاولة واحدة، لا كرهائن لشروط الحرب والابتزاز المسلح، ولا كأطراف تتحرك تحت وطأة الخوف والملاحقة والنزوح؟ المشكلة التي واجهت فكرة الحوار منذ طرحها لم تكن في مبدأ الحوار نفسه. فلا يكاد أحد يختلف على أن السودان يحتاج إلى حوار سياسي واسع يعيد تأسيس الدولة ويحدد قواعد العيش المشترك. لكن الاعتراض الذي عبرت عنه قوى مدنية وثورية ارتبط بأولوية جوهرية جرى القفز فوقها- أن يكون وقف الحرب والانتهاكات الجسيمة ورفع المعاناة الإنسانية هو المدخل الإلزامي لأي عملية سياسية، إلى جانب إسقاط التهم والإجراءات التعسفية التي تطال القوى الحية وتوفير ضمانات قانونية وأمنية صارمة ومحمية مؤسسياً للمشاركين
وهذه ليست نقطة إجرائية يمكن تجاوزها بسهولة. إنها تتعلق بمنطق العملية السياسية نفسها , الإنسان أولاً --- الكارثة الإنسانية كشرط مسبق للحوار
كيف يمكن لمواطن يعيش تحت القصف، أو فرّ نازحاً ولاجئاً يفترش العراء، أو يواجه شبح المجاعة وانعدام الدواء، أن ينظر إلى حوار يناقش "شكل الدولة"، بينما الحرب والانتهاكات ما تزال هي واقعه اليومي المظلم؟
الحرب ليست مجرد بند إضافي يمكن وضعه على مائدة النقاش بجانب قضايا الهوية ونظام الحكم. فهناك ملايين السودانيين الذين أصبحت حياتهم معلقة بين الموت والنزوح وانهيار كامل للخدمات
ولذلك فإن حماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية الآمنة، وإخلاء الأعيان المحتلة، ليست قضايا هامشية؛ إنها الشرط الوجودي والأخلاقي الذي يمنح أي حوار معناه وجدواه
هنا تحديداً تصبح عبارة «تهيئة المناخ» أكثر من مجرد عنوان إداري أو بروتوكولي للجنة , فهي تعني تفكيك الشروط القسرية التي تجعل أي حوار تحت دوي القنابل مجرد غطاء شكلي للأزمة , والخلاف القائم ليس على مبدأ الحوار بل على ترتيب الأولويات وعلاقة المسار السياسي بمسار وقف الحرب , فهناك من يريد تدوير الأزمة عبر حوار بمعزل عن الميدان، بينما ترى قوى حية أن وقف إطلاق النار وحماية المدنيين ينبغي أن تكون مقدمة لا غنى عنها لأي عملية سياسية جادة
من يحق له الجلوس حول الطاولة؟
أعلنت اللجنة أن دعوتها ستشمل القوى السياسية والمكونات المجتمعية دون استثناء، وأنها ستتواصل حتى مع الرافضين, وهي خطوة جيدة إذا صدقت النوايا، لكن الشمول لا يُقاس بغزارة الدعوات المرسلة، بل بمدى تمثيل أصحاب المصلحة الحقيقيين
فإلى جانب النخب السياسية والأحزاب، هناك لجان المقاومة، والنقابات والكيانات المهنية والمطلبية، والشباب والنساء، والنازحون واللاجئون الذين يدفعون ثمن الحرب باهظاً , إن إقصاء هذه القطاعات أو الاكتفاء بواجهات سياسية تقليدية يعيد إنتاج ذات الأخطاء التاريخية التي جعلت الاتفاقات السابقة معلقة في الهواء ومقطوعة الصلة عن الشارع
الضمانات- هل يكفي النص القانوني لبناء الثقة؟
أكدت اللجنة أن دورها يقتصر على التهيئة، وأن المخرجات يحددها المتحاورون. لكن الثقة لا تُبنى بالتصريحات ولا بالنوايا الحسنة في بيئة سياسية شديدة الاستقطاب, طُرحت مسألة الحصانة وإسقاط البلاغات السياسية لكن قيمة الضمان القانوني لا تكمن في النص على الورق، بل في استقلال المؤسسات التي تحميه وتنفذه , فالضمانة الحقيقية هي منظومة مؤسسية وسياسية تجعل الوفاء بالعهد مكفولاً، وخرقها مكلفاً لمن يمتلكون أدوات البطش , ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام اللجنة ليس تبرير المخاوف، بل تحويلها إلى أجراءات اختبارية عملية على الأرض تكفل للمشاركين الاطمئنان إلى أن الحوار ليس مصيدة سياسية جديدة للمعارضين
الحوار السوداني في ظل الإقليم والعالم
لا يمكن بمعزل عن الواقع عزل أي حوار سوداني عن تشابكات الإقليم والخارج , حقيقة فالصراع في السودان متداخل مع تقاطعات أجندات دولية وإقليمية ودعم خارجي مستمر لأطراف القتال إن أي حوار داخلي ما لم يحصن نفسه بإرادة وطنية خالصة، سيتحول إلى منصة لصراعات الوكالة، أو وصاية سياسية مقنعة , المطلوب الان ليس التقوقع، بل صياغة علاقة ندية مع المجتمع الإقليمي والدولي تجعل الخارج مسانداً لخيارات الشعب السوداني، لا بديلاً عنها أو وصياً عليها
ملفات الجوهر- الوحدة، الهوية، واللامركزية إن طرح قضايا جوهرية مثل وحدة البلاد، الهوية، واللامركزية، والانتخابات، يتطلب مقاربة جذرية لا تكتفي بالشعارات---وحدة السودان- لا تُحمى بالتحريم والمنع القانوني للحديث عن التقسيم، بل ببناء دولة رعاية وعدالة توزع السلطة والثروة بعدالة، لتصبح الوحدة خياراً طوعياً مقنعاً لكل الأقاليم
اللامركزية- تحتاج إلى نقل حقيقي للصلاحيات والموارد للمستويات المحليابات ، لا أن تتحول إلى غطاء إداري يعيد إنتاج هيمنة المركز بصيغة جديدة
الهوية-- لا يجب أن تُفرض برواية أحادية، بل يجب أن تظهر التئام التنوع السوداني في إطار مواطنة متساوية وكرامة مصانة
الانتخابات- ليست محطة اقتراع شكلية، بل هي المحطة الأخيرة لمسار شاق من تفكيك آثار الحرب، إعادة بناء الثقة، وضمان الحريات، حتى لا تتحول إلى آلية لإعادة تدوير الأزمة
الاختبار الحقيقي للجنة لقد أُتخم السودان بالتجارب والمؤتمرات الشكلية. ولم تكن المشكلة يوماً في قلة الكراسي، بل في غياب الإرادة الصادقة لمعالجة جذور الأزمة , لذلك، فإن امتحان لجنة تهيئة الحوار اليوم لا يُقاس بعدد الحاضرين في قاعات الخرطوم بل بعدد الملايين الذين يشعرون بالأمان، وبأن أصواتهم ودمائهم أخذت طريقها إلى العدالة , السودان لا يحتاج إلى مؤتمر جديد يضاف إلى أرشيف الفشل، بل إلى مفتاح حقيقي لإنهاء الحرب، وتأسيس دولة المواطنة الديمقراطية , وحينها أيها السادة فقط، سيجد السودانيون الطريق إلى حوار يستحق الثقة والتقدير .
|
|
 
|
|
|
|