الحزب الشيوعي السوداني لا يتآكل سياسيًا لأنه متمسك بمبادئه، بل لأنه عجز عن تحويل هذه المبادئ إلى سياسة. هذه ليست ملاحظة سطحية، بل مفتاح لفهم كل ما يفعله الحزب اليوم. فالمشكلة لم تعد في صلابة الفكرة، بل في عجزها عن إنتاج فعل داخل واقع يتغير بوتيرة متسارعة تتجاوز قدرة أدواته. كثير من النخب ما زالوا يرونه آخر ما تبقى من الصرامة الفكرية، لكن هذه الصورة لم تعد تفسر سلوكه بقدر ما تخفي أزمته. الحزب لم يعد صلبًا، بل متخشب، ولم يعد مبدئيًا، بل عاجزًا عن مراجعة أدواته، ولم يعد ثوريًا، بل أسيرًا لصورة قديمة عن نفسه.
هذه الأزمة لا تظهر في الخطاب العام فقط، بل تتجسد عمليًا في موقفه من عودة لجنة تفكيك التمكين، وهو الملف الذي يكشف حدود قدرته على التعامل مع الواقع. في لحظة ينتظر فيها الشارع أي أداة تحاصر اقتصاد الحرب وتخنق مصادر تمويله، يختار الحزب تعطيل عودة اللجنة، لا لأنه يرفض التفكيك، بل لأن الأداة المتاحة لا تطابق نموذجه النظري الكامل. هنا لا يدافع الحزب عن استعادة الشركات والموارد والشبكات المالية المرتبطة بالنظام السابق، بل يعرقل هذا المسار. فهذا الملف في جوهره ليس إجراءً إداريًا، بل معركة مباشرة على موارد تغذي الحرب داخل ميزان قوة مختل. وفي هذا السياق، فإن رفض الأداة بحجة عدم مثاليتها ليس موقفًا مبدئيًا، بل تنازل عملي عن العدالة.
الأخطر أن هذا الموقف لا يظل نظريًا، بل يفتح فراغًا سياسيًا واقتصاديًا مباشرًا. تفكيك التمكين ليس شعارًا، بل صراع على موارد وشركات وذهب وشبكات مالية تغذي الحرب نفسها. حين يُعطّل هذا المسار دون بديل عملي، لا تبقى الأموال في مكانها، بل يُعاد تدويرها داخل اقتصاد الحرب وتتحول إلى وقود إضافي للصراع. هنا يتحول الموقف المبدئي، في محصلته، إلى مساهمة غير مباشرة في إطالة أمد الحرب. ليس لأن الحزب يريد ذلك، بل لأنه يتجاهل حقيقة أن الفراغ في السياسة لا يبقى فارغًا.
هذا هو جوهر الخلل، الحزب لا يرى السياسة كإدارة للممكن، بل كبحث دائم عن نموذج كامل. يرفع سقف الموقف إلى مستوى يستحيل تحقيقه، ثم يعتبر كل ما دونه انحرافًا. بهذه الطريقة يتحول المبدأ من أداة توجيه إلى أداة تعطيل. لا يفاوض، لا يختبر، لا يتدرج، بل ينتظر لحظة كاملة لن تأتي. وفي هذا الانتظار تتحرك كل القوى الأخرى.
هذا النمط مرتبط مباشرة بطريقة أعمق في فهم الواقع. الحزب ما زال يقرأ السودان بأدوات زمن لم يعد موجودًا. يتحدث بلغة صراع سياسي كلاسيكي يقوم على ثنائية حكومة/ ومعارضة، بينما البلاد تحولت إلى مسرح تتداخل فيه جيوش وميليشيات ورعاة إقليميون واقتصاد ظل يتجاوز الحدود وتتحكم فيه شبكات إقليمية. لم يعد هناك مركز واحد يمكن الضغط عليه، ولا معادلة واحدة يمكن كسرها بشعار. لكن الحزب لم يحدّث عدسته، فصار يقرأ ذاكرته عن السودان بدل أن يقرأ السودان كما هو.
من داخل هذا الانفصال يظهر التناقض الذي يضرب صدقيته. في الداخل خطاب سيادة ورفض للتدخل، وفي الخارج مخاطبة مباشرة للبرلمانات والمنظمات الدولية طلبًا للضغط. المشكلة ليست في استخدام الخارج، فكل الفاعلين يفعلون ذلك بدرجات مختلفة، بل في إنكار ذلك. الحزب يتعامل مع نظام دولي يفرض شروطه، يستخدم أدواته، ثم يواصل الحديث وكأنه خارجها. هذه ليست براغماتية قوة تعرف ما تفعل، بل براغماتية ضعف تخجل من نفسها.
وفي هذا السياق، مواقف الحزب لا تضعفه فقط، بل تخدم خصوم الثورة مباشرة. سلوكه يمنحهم ما يريدون، معسكر مدني مفكك وسردية جاهزة تقول إن قوى الثورة عاجزة عن الاتفاق. الحزب لا يضعفهم، بل يضعف المعسكر الذي يفترض أن يقاتلهم. لا يواجههم، بل يفتح لهم الطريق ويكرس ميزان القوة القائم.
الأثر السياسي لهذا كله واضح وقاسٍ. حين تتحول طاقة الحزب إلى كسر أي مسار مدني لا يطابقه، وإلى نقد كل محاولة للتجميع بحجة نقاء المسار، فإنه لا ينظف الساحة، بل يفتتها. ففي لحظة حرب، تفتيت المعسكر المدني لا ينتج فراغًا محايدًا، بل يملؤه المسلحون والدولة العميقة فورًا. فالنتيجة ليست نظرية، بل ملموسة، حيث يظهر ضعف في القدرة المدنية مقابل تماسك نسبي في معسكر السلاح.
هنا يظهر الحزب في وضعه الحقيقي، ليس كقوة تغيير، بل كقوة تعليق دائم. يشرح أخطاء الآخرين بدقة، لكنه لا ينتج قوة تنافسهم. يرفع سقف النقد، لكنه لا يبني سلطة بديلة. يحتفظ بموقع أخلاقي أعلى من الجميع، دون أن يدخل معركة القوة بشروطها القاسية. بهذا المعنى يتحول من فاعل إلى شاهد، ومن مشروع إلى موقف.
المفارقة أن الحزب لا يخسر لأنه مبدئي أكثر من اللازم، بل لأنه لم يحسم علاقته بالمبدأ نفسه. لم يحدد متى يكون المبدأ بوصلة، ومتى يتحول إلى قيد. لم يعترف بأن السياسة عمل تراكمي يقوم على إدارة النقص لا انتظار الكمال، ولم يقبل أن الاشتباك مع الواقع يعني العمل بأدوات غير مكتملة، بل وأحيانًا ملتبسة.
لهذا تبدو اللحظة الحالية لحظة حسم حقيقية. الحزب أمام خيار لا يمكن تأجيله، إما أن يظل طائفة سياسية تتغذى على نقاء الاعتراض وترتاح إلى موقع الشاهد، أو أن يعيد تعريف نفسه كقوة تدخل معركة الواقع كما هو، لا كما ينبغي أن يكون. الخيار الأول يمنحه راحة أخلاقية، لكنه يدفعه تدريجيًا إلى الهامش. الخيار الثاني مكلف ومليء بالتنازلات، لكنه الوحيد الذي يفتح باب التأثير.
السياسة لا تكافئ الأكثر نقاء، بل الأكثر قدرة. لا تنتظر أفضل تعريف نظري للعدالة، بل من ينتزع جزءًا منها داخل واقع معادٍ. الحزب الشيوعي اليوم يعرف ما يريده في المطلق، لكنه لم يثبت أنه يعرف كيف يصل إلى أي شيء في الواقع. وهذه هي أزمته.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة