الحرب كأداة للشرعية: سلوك الحركة الإسلامية في السودان نموذجا:
منذ استيلائها على السلطة عبر انقلاب عام 1989، شكّلت الحركة الإسلامية في السودان نموذجاً سياسياً قائماً على توظيف الصراع كوسيلة لإنتاج الشرعية واستدامة الحكم. جاء الانقلاب في لحظة كانت البلاد فيها تقترب من تسوية تاريخية للحرب الأهلية، عبر اتفاق بين زعيم الحركة الشعبية د. جون قرنق والسيد محمد عثمان الميرغني، زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي. قطع الطريق أمام مبادرة السلام تلك لم يكن مجرد نتيجة عرضية، بل خياراً سياسياً دفع بخط مسار الدولة السودانية منذ تلك اللحظة الى المجهول. أحد أبرز المؤشرات المبكرة على هذا التحول تمثل في موقف السلطة الجديدة من قضية وحدة السودان، حيث أبدت استعداداً غير مسبوق لقبول انفصال الجنوب (أعلن قائد الانقلاب في أيامه الأولى أن الحكم الجديد لا يمانع في فصل الجنوب، إن اتفق اهله على ذلك). هذا الموقف يمكن قراءته كتحلل من الالتزامات الوطنية التقليدية، وكمحاولة لإعادة تعريف الدولة وفق أولويات أيديولوجية وسياسية، بدلاً من الحفاظ على تماسكها الجغرافي والاجتماعي.
لاحقاً، أعادت السلطة صياغة الحرب الأهلية في الجنوب ضمن إطار ديني، محولة إياها إلى حرب جهادية. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الخطاب، بل كان أداة تعبئة شاملة، استهدفت إعادة تشكيل الوعي الجمعي عبر الإعلام والمناهج التعليمية، بما يخدم ترسيخ النظام الجديد وغرس اقدامه عميقا في تربة السلطة، وتحييد ونزع الشرعية عن كل معارضة تنشأ ضده . غير أن هذه الاستراتيجية حملت في طياتها تناقضاً بنيوياً، إذ أدت إلى تعميق الانقسامات، وقادت الى النتيجة الحتمية: انفصال الجنوب. توسيع نطاق الحرب ليشمل مناطق جبال النوبة ثم دارفور يكشف عن نمط متكرر في إدارة الأزمات، حيث يتم اللجوء إلى العنف كخيار أول، وليس أخير. ووفق هذا المنظور، تصبح الحرب وسيلة لإعادة إنتاج السيطرة، وخلق واقع أمني يبرر استمرار القبضة السلطوية. داخلياً، أخذ نفس نهج الحرب شكلا مختلفا بتفكيك مؤسسات الدولة المدنية، عبر الإقصاء المنهجي للكوادر المهنية المؤهلة واستبدالها بعناصر موالية. هذه السياسة أضعفت الجهاز الإداري، وفتحت المجال أمام غول الفساد الذي خرج من عباءة التمكين ليخرج عن دائرة اية سيطرة ويبتلع الدولة كلها، نتيجة غياب الكفاءة وتآكل آليات الرقابة والمساءلة. وفي الوقت ذاته، تم استخدام أدوات القمع، من اعتقالات وتعذيب، لإسكات المعارضة ومنع تشكل بدائل سياسية أو نقابية، لدفع الناس للعودة لتبني خيار القبيلة . يمكن القول إن الحركة الإسلامية اعتمدت على "اقتصاد سياسي للحرب"، حيث تتيح حالة الصراع المستمر إعادة توزيع الموارد والسلطة داخل شبكة الولاءات، وتمنح النظام مبرراً دائماً لتأجيل الاستحقاقات الديمقراطية، وفي هذا السياق، تصبح الحرب ليس فقط أداة أمنية، بل أيضاً آلية حكم. تعكس الحرب الدائرة حاليا أحد أبرز تجليات سلوك الحركة الإسلامية في سعيها المستمر للحفاظ على السلطة والثروة ، باستثمار الحروب وعدم الاستقرار، فاستمرار الحرب بات للحركة مسألة حياة أو موت. فعلى الرغم من الكلفة الإنسانية الباهظة وما تسببه من معاناة غير مسبوقة لملايين السودانيين، تحرص الحركة على عرقلة أي جهود جادة لوقف النزاع، في سياق يعزز فرضية مسؤوليتها عن اندلاع الحرب وإطالة أمدها. في هذا الإطار، تغدو الحرب وسيلة لإعادة إنتاج الاستبداد، عبر توظيفها ذريعة لقمع أي امتداد لروح ثورة ديسمبر المجيدة، (تعرّض كل الثوار الذين حاولوا احياء ذكرى ثورة ديسمبر في الفترة الماضية للاعتقال والتعذيب وتلفيق التهم( مثل الثائر منيب الذي تم اعتقاله وتقديمه لمحاكمة بسبب مخاطبة في ذكرى الثورة) كما تتيح في الوقت ذاته بيئة مواتية لتوسيع شبكات الفساد وخلق قنوات جديدة للاستفادة الاقتصادية. وعليه، فإن إطالة أمد الصراع يبقى الخيار المفضل للحركة، يخدم إعادة تموضعها في مركز السلطة. دونما اعتبار لمعاناة المدنيين وموت العشرات يوميا بسبب هجمات المسيرات والقصف العشوائي. في المحصلة، يكشف مسار العقود الماضية عن علاقة عضوية بين السلطة والصراع في التجربة السودانية تحت حكم الحركة الإسلامية. وهي علاقة أسهمت في إضعاف الدولة، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وخلق أزمات متراكمة تهدد مستقبل البلاد. يبقى التحدي الأساسي أمام السودان اليوم هو كسر هذه الحلقة، والانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق بناء الدولة، وهو تحول يتطلب إعادة تأسيس الشرعية على أسس السلام، والمواطنة، والمؤسسات، بدلاً من الحرب.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة