وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل عام وأنتم بخير
في البدء، أتقدّم بخالص الشكر والتقدير لكل الأصدقاء والفاعلين في الفضاء السياسي الذين أولوني هذه الثقة، وكلفوني بهذه المهمة لا أتعامل مع هذا التكليف بوصفه ردًا عابرًا، بل باعتباره مساهمة في نقاش عام يزداد احتقانًا، ويحتاح أكثر من أي وقت مضى إلى قدر من الانضباط السياسي والمنهجي كما أقدّر الثقة التي وُضعت في طرحي، بوصفه سعيًا للحفاظ على مسافة نقدية متوازنة بين مختلف الفاعلين، دون الانزلاق إلى الاصطفاف أو التبسيط وهي مسافة، للأسف، أصبحت نادرة في النقاشات الدائرة بين الكتّاب السودانيين في ظل هذا الاستقطاب الحاد هذا الرد لا يستهدف الأشخاص، بل يفكك منهجًا في التفكير، بات يميل إلى استبدال التحليل بالتوصيف، وتعويض التعقيد السياسي بأحكام جاهزة
مقدمة حين يتحول النقد إلى مساواة يأتي مقال الأستاذ طارق بشري في لحظة سياسية بالغة التعقيد، حيث تتقاطع الحرب مع الانقسام السياسي، وتتراجع القدرة على إنتاج خطاب دقيق لصالح أحكام كلية من نوع كلهم سواء لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في النقد، بل في تحويل النقد إلى أداة لمحو الفروق الجوهرية ففرضية التطابق بين الحركة الإسلامية وتحالف “صمود” ليست مجرد قراءة، بل هي إعادة صياغة للمشهد السياسي نفسه بطريقة تُفرغه من تناقضاته الحقيقية هذا الطرح لا يكتفي بوصف الواقع، بل يخلق واقعًا موازياً، تكون نتيجته -إضعاف أي أفق لبناء بديل مدني وإعادة إنتاج حالة العدمية السياسية وترك المجال خاليًا لصالح قوى الأمر الواقع أولاً: خلل المنهج حين تختلط مستويات التحليل القول بوجود تطابق بين الكيزان و صمود يقوم على خلط جوهري بين مستويين مختلفين هما -نظام حكم شمولي امتلك الدولة وأعاد تشكيلها وفق مصالحه وتحالف مدني هشّ نشأ في سياق انتقالي مضطرب، ولم يمتلك أدوات السيطرة الحركة الإسلامية حكمت لثلاثة عقود وسيطرت على الاقتصاد والأمن ووأعادت هندسة الدولة والمجتمع
أما صمود ككيان سياسي مدني -فلم يمتلك سلطة الدولة , ولم ينجح حتى في بناء تماسك داخلي كافٍ وتجلت أزمته أساسًا في ضعف التنظيم والتقدير السياسي
المساواة بين الطرفين ليست مجرد مبالغة، بل إلغاء للفروق التي يقوم عليها أي تحليل سياسي جاد ثانياً حين يُستدعى التحليل الطبقي ثم يُهمَل المفارقة أن المقال يستند إلى مرجعيات ماركسية، لكنه لا يطبّقها فوفق التحليل الطبقي تمثل الحركة الإسلامية رأسمالية طفيلية معسكرة بينما تمثل قوى “صمود”—رغم تناقضاتها—فضاءً مدنيًا من طبقات وسطى ومهنية التناقض بين الطرفين ليس تفصيلاً، بل هو تناقض بنيوي في المصالح والموقع من الدولة استبدال هذا التناقض بفكرة “التطابق” لا يبسط الواقع فقط، بل يفرغ المنهج الماركسي نفسه من مضمونه
ثالثاً التجربة الانتقالية بين الفشل والتوصيف المتعسف نقد الفترة الانتقالية واجب لكن تحويلها إلى دليل على “التطابق” هو قفز فوق الوقائع
ميزان القوة كان مختلاً لصالح العسكر القوى المدنية كانت مفككة الضغوط الإقليمية والدولية دفعت نحو التسوية بالتالي، ما حدث يمكن قراءته كـضعف سياسي وسوء تقدير، لا كتواطؤ أو تطابق الخلط بين هذه المستويات يقود إلى نتيجة خطيرة أي تجربة مدنية غير مكتملة تُدان باعتبارها امتدادًا للنظام القديم لكن الخطورة لا تكمن فقط في قراءة الماضي، بل في ما تفعله هذه القراءة بالحاضر
رابعا لجنة التفكيك بين نقد الآليات وشيطنة الفكرة قرار إعادة تفعيل لجنة التفكيك يمكن—بل يجب—نقده من حيث التوقيت الشفافية آليات العمل لكن تحويله إلى دليل على التطابق يتجاهل حقيقة واضحة , أي مساس ببنية النظام القديم يضر مباشرة بمصالحه فكيف يصبح الفعل الذي يهدد تلك المصالح دليلاً على التماهي معها؟ هذا ليس خلافًا سياسيًا، بل تناقض في منطق الاستدلال نفسه خامساً خطاب التطابق الطريق الأقصر إلى إلغاء السياسة الأثر الأخطر لهذا الطرح هو نتائجه العملية تفريغ المجال المدني من شرعيته تعميم اليأس السياسي وتعزيز سردية لا بديل وهنا يتحول الخطاب، دون أن يقصد ربما، إلى غطاء موضوعي لاستمرار ميزان القوة القائم بين الراديكالية الخطابية والمسؤولية السياسية ليس كل خطاب حادّ هو خطاب عميق، وليس كل استخدام للمفاهيم دليلًا على صحة التحليل هناك فارق حاسم بين تحليل يفتح أفقًا للعمل السياسي وخطاب يُغلق هذا الأفق بالكامل وخطاب “التطابق” ينتمي—بوضوح—إلى النوع الثاني المطلوب اليوم ليس تصعيد اللغة، بل ترقية أدوات الفهم، والانتقال من التعميم إلى التمييز الاتهام إلى التحليل والانفعال إلى المسؤولية لأن السودان، في هذه اللحظة الحرجة، لا يحتاج إلى خطابات تبدو ثورية في ظاهرها، لكنها تنتهي عمليًا إلى إعادة إنتاج العجز السياسي في النهاية اشكر صديقي طارق بشري لما طرح لكي يقدم شهادة للفضاء السياسي كانت بالفعل كلمات نقدية ضرورية.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة