في مشهد سريالي يعكس حجم المأساة السودانية وعمق الانفصام القيادي الذي تعيشه مؤسسات الدولة، تتسلط أضواء الكاميرات، وتُستنفر المواكب الرئاسية، وتتحرك طائرات الدولة ومسؤولوها رفيعو المستوى، لا لشيء سوى أداء واجب عزاء اجتماعي في ولاية الخرطوم وولايات أخرى في الشمال والوسط والشرق. وفي المقابل، وعلى بعد مئات الكيلومترات، تتناثر أشلاء السودانيين في ولايات كردفان ودارفور بفعل المسيرات العشوائية وقذائف الموت، فلا تجد تلك الدماء الزكية من قائد الجيش السوداني التفاتة، ولا دمعة، ولا حتى دقيقة صمت ليواسي بها المكلومين. إن الزيارة التي قام بها رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، عبد الفتاح البرهان، لتقديم واجب العزاء في وفاة الخليفة الطيب الجد بمسيد "أم ضواً بان"، تفتح الباب واسعا أمام تساؤلات مريرة وموجعة حول ماهية القيادة في السودان، ومعايير المواطنة، وجغرافية التعاطف الرئاسي، وتطرح سؤالا جوهريا حول استحقاق هذه القيادة لاحترام الشعب السوداني وتقديره. عزيزي القارئ.. ليس من المعيب بطبيعة الحال أن يؤدي رئيس مجلس السيادة، واجب العزاء في شخصية دينية واجتماعية بارزة كالخليفة الطيب الجد، فالرجل له مكانته التاريخية والدينية المعتبرة، ولكن المعيب والمخزي، والذي يندى له جبين الوطنية، هو هذه الانتقائية الفجة في توزيع المشاعر الرئاسية. لقد بات من الواضح والمفضوح لكل سوداني يراقب المشهد السياسي، أن اهتمامات البرهان الاجتماعية محصورة جغرافيا في شريط ضيق يشمل الولايات الشمالية، والوسطى، والشرقية. إن المتابع لمسار تحركات رئيس مجلس السيادة يلحظ بوضوح أنه إذا حدثت حالة وفاة لأحد أعيان هذه المناطق المحددة، تجده في مقدمة المعزين، وإذا تزوج ابن أحد المسؤولين أو الوجهاء هناك، تراه حاضرا يوزع الابتسامات ويلتقط الصور، وحتى إذا تمت ترقية ضابط من أبناء تلك الحواضن، تجده هو الراعي والمحتفي الأول. ولكن في المقابل، عندما تحترق الأرض تحت أقدام المدنيين العزل في الفاشر، والأبيض، ونيالا، والأبيض، وعندما تسقط المسيرات العشوائية على رؤوس الأمهات والأطفال في أسواق كردفان ودارفور وتحيلهم إلى أشلاء متفحمة، يختفي عبد الفتاح البرهان تماما عن المشهد، وتُصاب بوصلة تعاطفه بالشلل التام بمجرد أن تتجه غربا، وكأن من يموتون هناك ينتمون لكوكب آخر، أو كأن دماءهم لا تحمل الفصيلة السودانية التي تستوجب الحداد الرئاسي. قراءة في دلالات العزاء.. خطابات الوحدة وممارسات التمزيق!! نعزي الشعب السوداني في هذا الفقد الجلل، مسيده كان بيتا من بيوت الرحمة والتراحم ونشر الفضيلة، والخليفة الراحل كان يسعى دائماً للم شمل أهل السودان وتوحيد كلمتهم.. (من تصريحات البرهان في أم ضوابان). بالتأمل في هذا التصريح الرسمي، يبرز تساؤل مشروع، وهو عن أي شعب سوداني يتحدث البرهان، هل الشعب السوداني في نظره، يقيم فقط في الخرطوم والشمالية ونهر النيل والجزيرة، وأليس ضحايا القصف العشوائي في كردفان ودارفور جزءا أصيلا من هذا الشعب الذي يدعي تمثيله وقيادته؟ إن التراحم الذي يتحدث عنه البرهان في مسيد أم ضوابان كان الأجدر أن ينعكس في سياساته كقائد عام، بأن يرحم أمهات الضحايا في الغرب، ولو بزيارة تفقدية ليلية، ولو بتصريح يندد فيه باستهداف المدنيين، ولو ببيان يتيم، يعترف فيه بأن دماء أبنائهن ليست رخيصة إلى هذا الحد. إن الإشادة بمساعي الراحل في لم شمل أهل السودان، تبدو مفارقة مبكية حين تصدر من قائد عسكري تساهم سياساته وتجاهله المتعمد لقطاع واسع من شعبه في تمزيق هذا الشمل. كيف يمكن لقائد أن يتحدث عن الوحدة، وهو يمارس التمييز المناطقي حتى في طقوس الموت ومراسيم العزاء؟ أشلاء خارج تغطية عبدالفتاح البرهان والمفارقة الأخلاقية!! لعل المفارقة الأكثر إيلاما، تتجلى في تفاصيل المشهدين المتناقضين، فبينما كان مدير هيئة الاستخبارات العسكرية يرافق البرهان بكامل طاقمه العسكري وبروتوكولاته الرسمية لتقديم العزاء في وفاة طبيعية لرجل طاعن في السن، كانت هنالك أمهات في كردفان ودارفور يجمعن بقايا أجساد أبنائهن في أكياس بلاستيكية بعد غارات طائشة بمسيرات عمياء. في المركز والشمال، يحضر القائد بطائرته ووفوده لتأدية واجب العزاء وتوجيه الرسائل السياسية، وتُفرش السجادات الحمراء وتُلقى خطب الرثاء، أما في الغرب، فالموت لا يأتي عبر علة مرضية، بل يأتي ممزقا للأجساد، ومحرقا للبيوت، ومدمرا للأسواق، ورغم كوارثية المشهد، يُقابل بتجاهل رئاسي تام وصمت مريب وغياب لأي تمثيل سيادي يواسي المكلومين، وهذه المفارقة تخلق رسالة سياسية شديدة الخطورة مفادها أن الدولة المركزية تقول لبعض مواطنيها، نحن معكم، نحن جزء من نسيجكم الاجتماعي، بينما تقول للبعض الآخر في الغرب، أنتم خارج حساباتنا، وموتكم لا يعنينا. استرخاص الدماء والهروب من استحقاقات القيادة!! إن العجز عن إيجاد دقيقة واحدة لتقديم العزاء لأسر ضحايا المسيرات العشوائية في كردفان ودارفور، ليس مجرد خطأ بروتوكولي، بل هو انعكاس لعقلية متجذرة تدير الدولة السودانية، عقلية لا تزال تصنف المواطنين درجات، وتستند إلى استرخاص دماء أبناء الهامش باعتبارها أضراراً جانبية، لا تستحق التوقف عندها أو تعطيل جدول الأعمال الرئاسي من أجلها. أضف إلى ذلك، أن هذا التجاهل يعكس هروبا نفسيا وسياسيا من المسؤولية، فزيارة أسر ضحايا المسيرات في مناطق النزاع، تعني الوقوف وجها لوجه أمام فشل المؤسسة العسكرية في حماية المدنيين. البرهان يفضل زيارة بيوت العزاء الآمنة التي تُقدم فيها عبارات الثناء والتبجيل، على أن يقف أمام أم مكلومة في دارفور تسأله بوضوح وقسوة عن دور جيشه عندما كان أبناؤها يُقتلون. إن غيابه عن مسارح الموت الحقيقية يثبت افتقاره للشجاعة الأخلاقية التي تتطلبها القيادة في أوقات المحن. عزيزي القارئ.. نعود إلى السؤال الجوهري، وهو، أي قائد هذا، ولماذا لا يستحق أن يحترمه السودانيون ويقدروه؟ الإجابة تتجلى بوضوح في ممارساته اليومية التي جردت المنصب القومي من هيبته ومعناه، لقد حوّل البرهان موقع رئيس مجلس السيادة من رمزية قومية جامعة إلى واجهة مناطقية ضيقة، وتخلى عن عباءة القائد العام الذي يحمي جميع السودانيين، ليرتدي عباءة الزعيم العشائري الذي لا يهتم إلا بحاضنته الاجتماعية ومصالحه الضيقة. إن الاحترام لا يُفرض بالبزة العسكرية والنياشين، ولا بالمراسيم والقرارات الفوقية، بل يُكتسب عندما يشعر المواطن العادي، في أقصى أقاصي الجنينة أو كادوقلي أو الأبيض، أن روحه غالية عند رئيسه، وأن دمه مصون ومحترم. القائد الذي يفتقر للرؤية الوطنية القومية، والذي يستثمر في الدين والرموز الصوفية لأغراض سياسية ومحاولات رخيصة للتزلف العاطفي وكسب ولاءات جهوية، في وقت يحتاج فيه السودان إلى قرارات توقف حمام الدم الحقيقي، هو قائد فقد مبرر وجوده الأخلاقي والسياسي. ***************** في الختام.. ليست القضية في السودان اليوم قضية بروتوكول عزاء، ولا مجرد جدل حول زيارة أو غياب زيارة، بل هي قضية معنى الدولة نفسها، لمن تنحاز، ومن ترى، ومن تعتبره جديرا بأن يُبكى عليه علنا، فالدول الحقيقية لا تُقاس بعدد الطائرات التي تقلع لنقل المسؤولين إلى بيوت العزاء الآمنة، بل تُقاس بقدرتها على حماية حياة أبسط مواطنيها في أطراف البلاد، حيث لا كاميرات ولا سجادات حمراء ولا خطب رسمية. إن المأساة السودانية لم تعد فقط في سقوط الضحايا، بل في ذلك الصمت البارد الذي يحيط بدمائهم، فحين تتحول المآسي في دارفور وكردفان وجبال النوبة إلى مجرد أرقام هامشية في نشرات الأخبار، بينما تُحاط مناسبات اجتماعية محددة بكل هذا الاهتمام الرسمي، فإن الرسالة التي تصل إلى الناس هناك قاسية وواضحة، وهي أن الدولة التي يفترض أن تحميهم لا تراهم أصلا. والأخطر من ذلك أن هذا السلوك لا يمر مرور الكرام في ذاكرة الشعوب، فالشعوب قد تصبر على الفقر، وقد تتحمل الفوضى، لكنها لا تنسى الإحساس بالتمييز حين يتعلق الأمر بالدم والكرامة. عندما يشعر جزء من الوطن أن آلامه غير مرئية، وأن مأساته لا تستحق حتى لفتة رمزية من رأس الدولة، فإن الشرخ لا يكون سياسيا فقط، بل أخلاقيا وإنسانيا. القيادة الحقيقية لا تُختبر في المناسبات المريحة، بل في اللحظات القاسية، فالقائد الذي يريد احترام شعبه لا يختار الأماكن الآمنة فقط، بل يذهب إلى حيث الألم الحقيقي، إلى حيث الأمهات اللواتي لم يجدن وقتا للبكاء لأنهن ما زلن يبحثن بين الركام عن بقايا أبنائهن، وهناك، فقط، تُقاس شجاعة القادة، وهناك تُكتب شرعية الحكم أو نهايته. إن السودان اليوم لا يحتاج إلى خطب رثاء منمقة، ولا إلى استعراضات سياسية حول قيم التراحم والوحدة، بل يحتاج إلى أفعال تعيد الاعتبار لفكرة أن حياة كل سوداني متساوية في القيمة، سواء كان في قلب الخرطوم أو في أقصى قرية في دارفور، فالوطن لا يُبنى بالخطاب، بل بالموقف، ولا تُحفظ وحدته بالشعارات، بل بالعدل في الإحساس بدم أبنائه. ولهذا، فإن السؤال الذي سيظل مطروحا في ضمير هذا البلد، ليس فقط أين كان القائد حين سالت الدماء، بل ماذا كان يعني له ذلك الدم أصلا، لأن التاريخ لا يسجل عدد المواكب الرسمية، ولا أسماء الضيوف في بيوت العزاء، بل يسجل موقف السلطة عندما كان شعبها يُقتل. وعندما تُفتح صفحات هذا التاريخ يوما، لن يُسأل من حضر مجلس عزاء هنا أو هناك، بل سيُسأل سؤال أبسط وأقسى، وهو، أين كانت الدولة عندما كانت أشلاء أبنائها تتناثر في الأسواق والطرقات، ومن لم يكن قادرا على الإجابة عن هذا السؤال اليوم، لن يستطيع الهروب منه غداً، لأن ذاكرة الشعوب أطول من عمر أي سلطة، وأقسى من كل خطاباتها.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة