يبدو أن السودان بلدٌ لا يحب تغيير السيناريوهات؛ فقط يغيّر أسماء المدن! البرهان في الدمازين اليوم، والذاكرة السودانية تقول: انتبهوا... فقد شاهدنا هذا الفيلم في ود مدني! في مدني كانت هناك تطمينات وبيانات عن صد الهجوم، حتى احتفل الناس بالنصر، ثم جاء الصباح بما لا يشبه بيانات الأمس: انسحاب الجيش وسقوط المدينة. وبعدها ظهرت لجنة التحقيق، ومعها الوعيد بمحاسبة كل متخاذل ومتهاون. ومنذ ذلك اليوم، يبدو أن اللجنة نفسها دخلت في برنامج «اختفاء قسري»! لكن الحكاية لا تقف عند مدني. فحين كانت الخرطوم مخنوقة بالحرب، انتقل ثقل المعارك إلى الجزيرة، وظهر في قلب المشهد أبوعاقلة كيكل. الرجل الذي أسس قوات درع السودان في سياق سياسي وعسكري سابق، وارتبط اسمه بعلاقات وتنسيق مع الجيش، أصبح لاحقاً قائداً للدعم السريع في الجزيرة. ثم حدثت المعجزة السودانية الكبرى: كيكل من الدعم السريع إلى الجيش... ومن قائد في الدعم السريع إلى لواء في الجيش... ومن الاتهامات إلى العفو! بل إن الرجل نفسه تحدث عن تنسيق سابق مع الجيش. وهنا لا يحتاج المواطن إلى أن يكون خبيراً في الاستخبارات حتى يسأل: هل كان كيكل مجرد مقاتل غيّر موقفه، أم أن قصة «الاختراق» أقدم بكثير مما نتصور؟ السؤال ليس بلا سياق. فقد طرحت الصحافة السودانية نفسها سؤالاً صريحاً حول ما إذا كان كيكل قد خان الدعم السريع أم كان يتبع لاستخبارات الجيش. ثم جاءت المفارقة الأكثر إيلاماً: ضحايا الجزيرة ومجازرها لم يحصلوا على محاكمة كيكل، بينما حصل كيكل على العفو ورتبة اللواء! ولجان مقاومة مدني قالت يومها ما لم تستطع كل البيانات العسكرية قوله: «لن يذهب القاتل من حيث أتى... شهداء ودماء وأرواح وممتلكات الجزيرة لن تُنسى». وهنا يصبح السؤال أكبر من كيكل: هل كانت «تنفيسة الخرطوم» مجرد نتيجة عسكرية، أم كانت جزءاً من خطة لنقل ضغط الحرب جنوباً؟ وهل كان كيكل أحد أدوات تلك الخطة؟ لا نملك وثيقة مختومة تقول: «هذه هي المؤامرة». لكننا نملك شيئاً أكثر إزعاجاً للسلطة: وقائع متتابعة وأسئلة لم تجد إجابات مقنعة. والآن البرهان في الدمازين. لا نقول إن الدمازين هي مدني، ولا نقول إن السيناريو يتكرر حرفياً. لكن المواطن السوداني أصبح يعرف قواعد اللعبة جيداً: طمأنة... بيان نصر... احتفال... انسحاب مفاجئ... لجنة تحقيق... ثم صمت! ولذلك، إذا خرجت علينا غداً بيانات تقول إن الهجوم قد تم صدّه وإن الأمور «تحت السيطرة»، فليس من حق أحد أن يغضب من المواطن إذا سأل: واللجنة؟ نجهز لها من الآن أم ننتظر سقوط المدينة؟! فقد تعلم السودانيون من ود مدني أن أخطر شيء في الحرب ليس فقط سقوط المدينة... بل أن تسقط المدينة، ثم تسقط الحقيقة معها، وتبقى اللجنة وحدها واقفة على أطلالها... تبحث عن الطريق إلى أدراج الرياح!
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة