لم تعد هناك كلمات تكفي، سوى تكرار ما كتبته عن مجازر سلفت، ذلك الدين المستحق الذي لا يزال ينتظر السداد، والجرائم التي لم يُحاسب عليها أحد بالرغم من أن الجاني معلوم والضحية أيضا.
مشهد أشلاء أطفال مستشفى الضعين يصرخ في وجوه العالم، فضح صمت المتخاذلين وتواطؤهم الفاضح، وسقوط قيمهم الأخلاقية في بورصة الإنسانية، بينما الضمير الحي يقف عاجزاً أمام وحشية لا توصف. هذا ليس مجرد حدث عابر؛ إنه مرآة قبيحة لتواطؤ الجميع، صرخة تفرض علينا مواجهة الحقيقة المرة التي طال صمتها، وتذكرنا بأن الإنسانية نفسها على المحك.
أخبرتنا صور الأشلاء المؤلمة القادمة من غرف مستشفى الضعين للأطفال البائسة، ونقلت إلينا كل شيء بتفاصيله الدقيقة بما حواه إطارها المخضب بدماء البؤساء والمعذبون في الأرض، وحكت لنا ذات الصورة في صمت بليغ، وتجرد صادق عن مأساة وعذابات الإنسان في بلادنا المغتصبة بواسطة مجرمين إرهابين حثالة بشر، تافهين القيمة، متبلدي الحس الإنساني السليم تماما كالانعام لا يفقهون معنى إنسان ولا يعترفون بإنسانية، ولا توجد كلمة أمن وأمان في قواميسهم المترعة بأحرف الدماء وكلمات الغدر والخسة والدناءة والخيانة.
وحكت لنا ذات الصورة في مرارة عن الهزيمة الذاتية للإنسانية في أقصى انكساراتها حدة. حدثتنا جثة تلك الطفلة الأبنوسية التي انتبذت ركنا قصيا متوسدة سكونها الأبدي عن الذل والعار والإنكسار. عن العجز والمهانة. عن الشقاء والبؤس. عن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان في أبهى حُلل الظلم قشابة.
وحدثنا صمتها المهيب دون مواربة وبشجاعة عن مفردات الخداع والزيف والعهر كيف صاروا وفقا لمعايير خطل السياسة وقذارتها التي لا تعرف نبل الوسائل، إنما الغايات هي التي تبرر كل فعل مهما بلغت دناءة وسيلته.
ما ذنب هؤلاء الذين نرى فيهم صور أمهاتنا وأخواتنا وأخواننا وأجدادنا يهانون بهذه الطريقة المرعبة. الا يكفيهم بؤسهم وفقر حياتهم التي يعيشونها مجبرين؟ لكن فلنعلم كلنا أن الدماء ليس لها حدود، فاليوم كانت مستشفى الضعين للأطفال وغدا لا ندري أين ستكون الضربة؟ وما زالت فاتورة تكلفت الدم في ارتفاع.
أحتدم غضباً من عجز القادرين على كبح هذه المآسي المتكررة، وأحزن أكثر على نفسي، لأن كلماتي مجرد صدى خاوي لا يواسي الملهوف، ولا يمنح الأمان للخائف، ولا يروي عطش الظمآن، ولا يشبع رمق الجائع. لكِ المجد يا وطن المقهورين والغلابة، فقد طفح الألم، وانهار صبرنا تحت وطأة أنات جراحنا. تباً لحياتنا البائسة التي تصحو وتغفو على لحن الأحزان المتواصل، كأنها ترقص على رماد أحلامنا الممزقة.
تبًا لنفاق وسائل الإعلام العربية التي تُغمض أعينها عن فظائع وانتهاكات الضحايا فيها من غرب السودان، حيث يُقتل الإنسان بصمت، بينما تُضخم أحداثاً تافهة وتحوّلها إلى عناوين براقة تُسوّق ويعاد تدويرها لخدمة أجندتها القذرة، وأهدافها الدنيئة التي صار يعرفها الجميع، القاصي قبل الداني، في الوقت الذي يصرخ فيه صمت الضحايا بلا مجيب، كأن العالم بأسره تواطأ على تجاهلهم.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة