استكمالاً لا مصادمة قراءة في مقال «السودان يُقتل ببطء: أيُّ انتصار هذا الذي لا يبقى معه وطن؟»للكاتب: كمال حامد
د. على عبدالله الخليفة طه
مدخل
يطرح الكاتب كمال حامد سؤالاً أخلاقياً حاداً وصادقاً: أيُّ معنى لانتصار عسكري إذا كان ثمنه وطناً مكسوراً؟ هذا التشخيص الوجداني للمأساة السودانية لا يحتاج إلى مصادمة، فهو يلامس جوهر ما تحاول ميثاق النجاة وبناء الدولة معالجته: أن الحرب لا تُدار بمنطق الغلبة، وأن السلطة المنتزعة بالقوة لا تصنع دولة. غير أن المقال، بحكم طبيعته كبيان أخلاقي-وجداني، يقف عند حدود التشخيص ولا يقدّم الآلية التي تُترجم هذا الرفض الأخلاقي إلى مسار مؤسسي قابل للتنفيذ. هذا بالتحديد هو الفراغ الذي تأتي الميثاق لتستكمله، عبر ست نقاط تفصيلية.
أولاً: من رفض «تدوير الأزمة» إلى الشرعية الوظيفية الصاعدة
«لا يحتاج إلى أن تنتقل السلطة من يد جنرال إلى يد جنرال آخر، ثم يُطلب من الشعب أن يصفق لبداية جديدة» هذا النقد دقيق في تشخيصه لكنه يتوقف عند حدود الرفض. المشكلة، كما يشخصها الكاتب نفسه، ليست في اسم الجالس على الكرسي بل في النظام الذي يجعل الكرسي أهم من الدولة. والسؤال الذي يترتب منطقياً هو: كيف تُبنى شرعية لا تتوقف على شخص الحاكم؟ هنا تقدّم آلية الشرعية الوظيفية الصاعدة إجابة عملية: شرعية تُبنى من القاعدة إلى المركز عبر تمثيل وظيفي لا فردي، بحيث لا تتركز السلطة في يد حاكم واحد بصرف النظر عمن يكون. وتكمّلها الركيزة الرابعة بتمثيل إقليمي موزون عبر ست مناطق وظيفية، بما يضمن أن التوازن لا يُبنى على تفاهمات النخبة المتحاربة بل على معادلة تمثيلية ثابتة لا يملك أي طرف عسكري إعادة كتابتها بعد انتصاره.
ثانياً: من مطلب المحاسبة إلى العدالة الانتقالية الثلاثية المسار
«فلا سلام بلا عدالة، ولا عدالة بلا قانون... ثم محاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات وفق القانون» المطلب صحيح تماماً، لكنه معلّق بلا مسار إجرائي: أي قانون؟ وأي جهة؟ وبأي تسلسل تُدار المحاسبة دون أن تتحول هي نفسها إلى أداة انتقام تُعيد إنتاج دائرة الحرب؟ تجيب الميثاق بمسار ثلاثي متدرج: مجالس مصالحة محلية تُعالج الجراح الاجتماعية المباشرة في المجتمعات المتضررة، ثم لجنة حقيقة وتعويضات توثّق الانتهاكات وتُنصف الضحايا مادياً ومعنوياً، ثم غرفة قضائية مختصة بالجرائم الكبرى دون عفو عام. هذا التدرج يمنح المحاسبة قابلية للتنفيذ الفعلي بدل أن تبقى شعاراً معلقاً كما هي في نص المقال، ويمنع في الوقت نفسه تحول العدالة الانتقالية إلى تصفية حسابات سياسية بين المنتصر والمهزوم الذي يحذر الكاتب نفسه من إنتاجه.
ثالثاً: من أمنية «الجيش الآمن» إلى الجدار المؤسسي
«يحتاج إلى دولة لا يخاف فيها المواطن من جيشها، ولا يخشى فيها الجيش من دولة القانون» هذه الصياغة تعبّر عن أمنية مشروعة، لكنها تبقى وصفاً لحال مرغوبة دون بنية تحققها. لماذا يخاف المواطن من جيشه أصلاً في التجربة السودانية المتكررة؟ لأن الحدود بين الطبقة السياسية-الحركية والطبقة المدنية-التنفيذية للدولة تتداخل باستمرار، فيتحول من يملك السلاح إلى صاحب القرار السياسي المباشر. الجدار المؤسسي يعالج هذا الخلل بنيوياً: فصل صارم بين طبقة الحركة السياسية وطبقة الإدارة المدنية-التنفيذية للدولة، بحيث لا يُترجم الانتصار العسكري تلقائياً إلى سلطة حكم، ولا تتحول مؤسسة الدولة إلى امتداد لأي طرف مسلح منتصر كان أو مهزوماً.
رابعاً: الفاعل الخفي الغائب عن المقال — اقتصاد البوابات
يصف المقال الانهيار الاقتصادي بوصفه نتيجة تراكمية للحرب: مدن مدمرة، اقتصاد منهك، مجتمع فقد الثقة في ذاته. لكنه لا يلتفت إلى أن هناك اقتصاداً موازياً ينشأ من الحرب نفسها ويغذّيها ذاتياً: اقتصاد البوابات، أي شبكة الجباية على نقاط التفتيش المسلحة التي تحولت إلى مصدر دخل مستقل قائم بذاته لبعض الأطراف. هذه الفجوة جوهرية لأنها تعني أن نداء الكاتب بـ«إسكات الرصاص» كخطوة أولى، مهما كان صادقاً، لن يصمد ما لم يُعالَج الحافز الاقتصادي الذي يجعل استمرار السلاح مربحاً لأصحابه بمعزل عن أي حسابات سياسية أو حتى عسكرية بحتة.
خامساً: من «إسكات الرصاص أولاً» إلى منطق التسلسل في مبادرة الجسر الانتقالي
«السلام يبدأ بإسكات الرصاص... لا يمكن أن يكون هناك حوار جاد بينما الطائرات تحلق فوق رؤوس المدنيين» المطلب مُحق، لكنه يترك سؤال التسلسل مفتوحاً: من يضمن ثبات وقف إطلاق النار، وبأي منطق يُعاد ترتيب العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة الأمنية بعده؟ التجارب السودانية المتكررة أظهرت أن قفز الحوار مباشرة إلى إعادة هيكلة الأمن دون تثبيت شرعية سياسية توافقية أولاً، يُنتج انهياراً جديداً للمسار الانتقالي. مبادرة الجسر الانتقالي تحل هذا التسلسل بوضوح: الشرعية السياسية التوافقية تسبق إعادة الهيكلة الأمنية، ويكون الجيش شريكاً موقّعاً على الإجماع التأسيسي لا طرفاً تُفرض عليه شروط من خارج معادلة القوة، وهو ما يمنح وقف إطلاق النار الذي يطالب به المقال قابلية للاستمرار بدل أن يكون هدنة مؤقتة تنهار عند أول اختبار.
سادساً: من الرفض الشعبي الوجداني إلى النفير الوطني الكبير
«ماذا ستفعلون بالانتصار بعد أن تخسروا الوطن؟» الأسئلة البلاغية المتكررة في المقال موجهة إلى النخبة المتحاربة وحدها، وتفترض ضمنياً أن الشعب متلقٍّ لنتائج الحرب لا فاعل فيها. لكن أي مسار سلام لا يقوم على قاعدة شعبية منظمة يبقى رهينة لإرادة من يحملون السلاح. آلية النفير الوطني الكبير تجيب على هذا الفراغ بتحويل الرفض الشعبي الوجداني الذي يعبّر عنه المقال ببلاغة، من شعور عابر إلى تنظيم فعلي، عبر ثلاثة مستويات تنظيمية وخمس مراحل تنفيذية، بحيث يصبح الشعب طرفاً ضاغطاً حقيقياً في معادلة السلام لا مجرد ضحية تنتظر قرار الجنرالات.
خاتمة
مقال كمال حامد يطرح السؤال الصحيح بصدق وبلاغة نادرين: أيُّ انتصار هذا الذي لا يبقى معه وطن؟ وميثاق النجاة وبناء الدولة لا تختلف معه في السؤال، بل تحاول أن تجيب عليه بأدوات مؤسسية قابلة للتطبيق: شرعية لا تتوقف على شخص الحاكم، عدالة لا تتحول إلى انتقام، جدار يفصل السلاح عن الحكم، معالجة للحافز الاقتصادي وراء استمرار القتال، تسلسل يحمي وقف إطلاق النار من الانهيار، وتنظيم شعبي يحوّل الرفض إلى قوة ضاغطة. فالفارق بين البيان الأخلاقي والمشروع السياسي القابل للتنفيذ ليس في صدق النية، بل في وجود الآلية. وهذا بالضبط معنى أن نستكمل لا أن نصادم.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة