أجبرت الحربُ بعضَ أساتذةِ الجامعاتِ على أن يعملوا في مجالات وأعمال بعيدة عن تخصُّصاتهم المباشرة وعن التدريس؛ كالعمل في محلات الشحن والتفريغ حَمَّالًا، أو نَقَّالًا بالدَّرَّدَاقة، أو فَرِّيشةً على الأرض كبائع خضار أو نِعال، أو عُمَّال أجرة يومية؛ لمواجهة متطلبات الأسرة الملحَّة، بعد أن نزحوا أو لجأوا، في الوقت الذي لا توجد فيه جهةٌ لرعايتهم في مثل هذه الظروف الطارئة والمهينة. هناك أمثلة كثيرة عُرِضت في وسائط التواصل الاجتماعي خلال سنوات الحرب الأربع، وأخرى عصية على البوح بها، وما زالت المُهَدِّدات ماثلة أمام كثيرين. كما أنَّ لجنة أساتذة الجامعات السودانية المنافِحة لتطبيق الهيكل الراتبي الخاص بأساتذة الجامعات، والمعروفة بـ(لاجسو)، تدخل عامها السادس، وما زالت تراوح مكانها، ويتجاهلها متخذو القرار بالتسويف والوعود الرنَّانة. نعم، الأرزاق بيد الله، ومقسَّمة منذ نُفِخت الروح في الجسد، ويتفاوت فيها الناس من شخص إلى آخر، حتى بين أهل المهنة الواحدة. يقول المثل الشعبي: "الله ما ساوى الأصابع"؛ من حيث الطول والقِصَر، والسُّمك والنحافة، والقوة والضعف، لكن كل إصبع مُكَمِّلٌ للآخر ليشكِّل كفَّ اليد التي تقوم بوظائف كثيرة ومتنوِّعة؛ والتي لا تصفق لوحدها. بمعنى أنَّ لكلٍّ مهامَهُ ومسؤولياتِهِ، وتعمل في تناغم تام، من غير تقليل من قدر أحد، وبالتكامل يكون التعاون. كذلك، أيُّ عمل مؤسسي ينجح ويتطوَّر بالتنوع والتكامل والتناغم، من غير تقليلٍ من شأن أحد. وبكل أسف، ضعف هذه الحلقة هو سبب وضعية الأستاذ. فلا تعجبْ أو تندهشْ أن يُعطِّلَ أو يُلغِيَ مسؤولٌ بجامعةٍ طلبًا أو إجراءً لزميلٍ له بحجَّة شخصية لا قيمة لها، ولا يدعمها قانوناً، ولا منطقا. فإذا كان الاختلاف الفكري يجعل الأساتذة يتنافرون، ويتناسون قيمة الاحترام والتقدير بينهم... فهذا يقلِّل من شأن ذاك، ويدسُّ أوراق أولئك، ويلغي طلب ذاك، ويشطب أسماء هؤلاء، فمن البديهي أن تُلغى حقوق الزمالة، والسمو بها. مرَّ كلُّ صُنَّاع القرار بشأن التعليم ومنسوبيه ببوابة التدريس هذه، ولم يأتوا من كوكب آخر. وبالتالي فإن مآسي الأستاذ من صنع يد الأستاذ لا بيد عمرو. كما أنَّ ما تحقَّقَ من ميزاتٍ لضباط المؤسسات الأمنية كان بفضل الضباط أنفسهم، وليس غيرهم؛ لاحترامهم زمالة المهنة، والتزامهم بالقانون المنظِّم. والمقصد النهائي من كل هذا التضييق على الأستاذ هو تسليع التعليم، وخصخصة مؤسساته الحكومية كافة. وكم كانت الشواهد واضحة للعيان والبيان!
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة