تبلغ بك الدهشة منتهاها حين تسمع من يقول إن على البرهان أن يستعين بإسرائيل، وأن يستفيد من تطورها التكنولوجي في الحرب الدائرة، بحجة أن حميدتي يرتمي في أحضانها. وتزداد الدهشة حين يصدر مثل هذا الطرح عن كُتاب رأي وإعلاميين يُفترض أن يكونوا أكثر وعياً بحساسية المواقف التي يطرحونها، وبالآثار التي يمكن أن تترتب عليها.
وواهم من يظن أن مثل هذه الدعوات تندرج تحت مسمى "البراغماتية السياسية" . فالاسم الأقرب إليها هو الانتهازية، لأنها ببساطة تقوم على مبدأ: إذا استعان خصمي بالخارج، فمن حقي أن أفعل الشيء نفسه، بغض النظر عن طبيعة الجهة التي أستعين بها أو الثمن الذي قد يدفعه الوطن لاحقاً.
تذكرني هذه العقلية بأيام الطفولة، حين كان أحدنا يرتكب تصرفاً يستوجب العقاب، فيسارع إلى القول: "فلان فعل ذلك، فلماذا لم يُعاقب؟". وكأن خطأ الآخر يمنحنا الحق في ارتكاب الخطأ نفسه أو خطأ أقل منه.
الحرب في أصلها شر، وهي بطبيعتها تفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية، وتحول البلاد إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية. ولذلك، عندما كنا ندعو منذ الساعات الأولى لهذه الحرب إلى توحد السودانيين من أجل إيقافها، لم يكن ذلك بدافع كره طرف وحب طرف آخر، ولا انحيازاً إلى هذا المعسكر أو ذاك، وإنما كان موقفاً وطنياً واضحاً، تحكمه قناعة بأن استمرار الحرب سيمنح الآخرين مزيداً من الفرص للتدخل في شؤون بلادنا وإطالة أمد الصراع.
وليس معنى أن يرتمي أحد أطراف الحرب في أحضان جهات خارجية أن ندعو الطرف الآخر إلى الاستعانة بألد أعداء الإنسانية، بحجة واهية ومبرر فطير، وبذريعة تُختصر في عبارة "المحافظة على الوطن" . فأي وطن هذا الذي يمكن أن تعيننا إسرائيل في المحافظة عليه؟
وإذا كانت إسرائيل، كما يفترض أصحاب هذا الطرح، يمكن أن تساعد البلدان الضعيفة مثل السودان في المحافظة على وحدتها واستقرارها، فكيف نفسر قبولها بأن يرتمي أحد أطراف حربنا في أحضانها؟ أليس في ذلك تناقض صارخ مع المنطق الذي يحاولون تسويقه؟
المشكلة أن مأساتنا لا تكمن في السياسيين وحدهم، وإنما تمتد إلى قطاعات من المبدعين والإعلاميين والأكاديميين الذين يعانون، في أحيان كثيرة، من قصر النظر السياسي والأخلاقي. ويزداد الأمر سوءاً حين تحجب المصالح الشخصية عن الإنسان القدرة على رؤية الأشياء كما هي، فيبدأ في تقديم مبررات تبدو أوهن من خيط العنكبوت، دفاعاً عن موقف أو جهة أو مصلحة.
ومعلوم لهؤلاء الكُتاب أن الاستعانة بالخارج من جانب أطراف سودانية مختلفة لم تبدأ مع هذه الحرب، بل سبقتها بسنوات. فمنذ أيام اعتصام القيادة العامة، كنا ندعو إلى سد المنافذ أمام التدخلات الخارجية حتى لا تُقوض أعظم ثورات السودانيين. وعندما بدأ بعض السياسيين السودانيين زيارة دول أجنبية بدعوات منها، شجبنا ذلك وقلنا بوضوح إن مثل هذه الدعوات كان ينبغي أن تُقابل بالاعتذار، لأن السودان في تلك اللحظة كان أحوج ما يكون إلى حماية قراره الوطني من أي وصاية أو تدخل.
وأثناء مفاوضات سلام جوبا المزعوم، رأينا كذلك مشاركة أطراف خارجية عديدة، وبموافقة الأطراف السودانية نفسها. ورفضنا ذلك في حينه، وطالبنا قادة قحت برفض ما كان يجري، كما ناشدنا الثوار الخروج في مليونية ترفض تلك المفاوضات بالشكل الذي بدأت به، خشية أن تقود البلاد إلى نتائج لا تُحمد عقباها. لكن، للأسف، لم تجد تلك الدعوات الاستجابة المطلوبة، وحدث ما حدث.
ويعلم كُتاب الرأي الانتهازيون أيضاً من بدأ بالتواصل مع إسرائيل خلال فترة حكومة حمدوك القصيرة. ولذلك فإن محاولة تقديم التطبيع أو الاستعانة بإسرائيل اليوم باعتبارها مجرد "أداة" في صراع عسكري لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والأخلاقي الأوسع.
وهنا لا بد من التفريق بين أمرين: أن يتواصل زعيم أو قائد أو سياسي مع طرف خارجي، فهذا قرار سياسي يمكن تقييمه ومحاسبته وفق نتائجه؛ أما أن يتحول الإعلاميون إلى دعاة لمثل هذه التدخلات، فذلك شأن آخر تماماً. الإعلامي المحترم يفترض أن يدعو إلى ما يراه فضيلة، وأن يلتزم بالقيم والأخلاق والمصلحة الوطنية فيما يكتب ويقول، سواء وافق القادة والساسة على ذلك أم خالفوه.
لكن إحدى أكبر أزماتنا في السودان هي اصطفاف كثير من الإعلاميين مع أطراف الصراع، حتى فقد بعضهم استقلاليته، وتخلوا عن الأمانة والنزاهة التي يفترض أن تكون أساساً لمهنتهم.
وأي بلد يحيد فيه الإعلاميون عن قول الحقيقة، أو يخشون قولها، أو يجاملون بعضهم بعضاً على حسابها، يصعب عليه أن يتقدم خطوة إلى الأمام أو أن يسلم من الشرور.
ولهذا ظللنا، كسودانيين، نكثر من الشعارات التي لا نجد لها تطبيقاً على أرض الواقع. فمن يحدثك عن أن الصحافة يجب أن تكون "سلطة رابعة" ، وأن عليها كشف الفساد ومناهضته، قد تجده هو نفسه من المستفيدين من منظومة الفساد، لكنه لا يجد غضاضة في كشف فساد شخص أو مجموعة تتعارض مصالحها مع مصالح من يساندونه أو يفيدونه.
وقد يهاجم صفقة أو ممارسة فاسدة، بينما يتجنب الاقتراب من صفقات وممارسات أخرى ربما تفوقها فساداً بعشرات المرات، فقط لأن أصحابها لا يتعارضون مع مصالحه أو علاقاته.
ولو كان هؤلاء الإعلاميون غير النزيهين وطنيين حقاً، كما يزعمون، لرفضوا هذه الحرب منذ يومها الأول، لا أن ينتظروا اتساع رقعتها ثم يبحثوا عن مبررات لتدخل الخارج. فالرفض المبكر للحرب كان، ولا يزال، واحداً من أهم السبل لسد ثغرات التدخل الخارجي، ومنع المزيد من الفساد والعبث في إدارة الدولة.
لكنهم، بدلاً من ذلك، يتبنون مواقف زائفة يثيرون بها عاطفة بعض السذج، بينما يعملون، في نهاية المطاف، ضد مصلحة الوطن والمواطن.
والمفارقة أن هذه المواقف لا تختلف كثيراً عن مواقف بعض الأكاديميين والإعلاميين الذين تشكلت منهم مؤخراً لجنة الحوار السوداني ـ السوداني.
وهنا يبرز سؤال بسيط لا يحتاج إلى كثير من التنظير: كيف يمكن أن يكون الحوار جاداً ومثمراً إذا كان المشاركون فيه يمثلون طرفاً واحداً من أطراف الصراع؟
الدعم السريع ليس ممثلاً في هذا الحوار، والقوى المدنية الرافضة للحرب لن تشارك فيه، فمع من سيكون الحوار إذن؟ وهل يمكن أن يسمى حواراً سودانياً ـ سودانياً إذا غاب عنه سودانيون يمثلون مواقف رئيسية في المشهد؟
نحن لا نحتاج إلى مسميات براقة بقدر حاجتنا إلى مبادرات جادة، وإلى أشخاص يتجردون من مصالحهم وانحيازاتهم، ويضعون مصلحة السودان فوق مصلحة الأطراف والأفراد.
البلد تحتاج إلى جهود مخلصة، وإلى تجرد تام، وإلى أصوات تقول الحقيقة حتى عندما تكون مؤلمة، وإلى إعلام لا يتحول إلى بوق لهذا الطرف أو ذاك.
السودان يقف أمام مأزق تاريخي وغير مسبوق، والخروج منه لن يكون بالانتهازية، ولا باستدعاء الخارج، ولا بتبرير تدخلاته، ولا بحوارات ناقصة التمثيل.
نحتاج إلى حوار حقيقي، وإلى إرادة وطنية حقيقية، وإلى من يضع السودان أولاً. أما "حوار الطرشان" ، فلن يزيد الأزمة إلا تعقيداً.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة