في الحروب لا تُدمَّر المدن وحدها، بل تتصدع أيضًا العلاقة بين الإنسان والزمن. يصبح الحاضر مكانًا لا يُطاق، ويغدو المستقبل غامضًا إلى الحد الذي يتردد معه الناس في إيداعه أحلامهم. عندئذٍ يحدث شيء أكثر خفاءً من الخراب نفسه؛ إذ تبدأ المخيلة في الانسحاب من الغد، لتبحث عن مأوى في الأمس.
لعل هذا هو أكثر ما استوقفني في الحياة الثقافية السودانية منذ اندلاع الحرب. لم يكن الأمر مجرد عودة الأغنيات القديمة إلى الواجهة، أو ازدياد تداول التسجيلات النادرة، أو امتلاء المجالس بأحاديث “الزمن الجميل”. فكل الشعوب تستدعي ذاكرتها في أوقات المحن. غير أن ما بدا لافتًا هو أن الماضي لم يعد مجرد عزاء مؤقت، بل أخذ يتحول، شيئًا فشيئًا، إلى المصدر شبه الوحيد للإلهام، وكأن المخيلة السودانية، وقد فقدت ثقتها بالغد، قررت أن تستقر في الأمس.
في إحدى أمسيات سبتمبر بالقاهرة، صعدت فرقة من الفنانين السودانيين المنفيين إلى المسرح أمام جمهور يكاد يكون كله من اللاجئين. كان المشهد، في ظاهره، أمسية غنائية عادية، لكنه بدا لي أشبه بمسرح تتجسد عليه رؤيتان مختلفتان لمعنى الفن بعد الكارثة.
كانت كوثر عثمان، التي تغني مع الفرقة منذ أواخر التسعينيات، تؤدي الأغنيات التي تتغنى بالنيل والقرى والحنين. كانت تغنيها كما لو أنها تتمسك بخيط أخير يصلها بالسودان الذي عرفته قبل الحرب. وكلما ردّد الجمهور كلمات تلك الأغنيات، بدا وكأن القاعة بأسرها تستعيد، ولو لساعة واحدة، وطنًا لم يعد موجودًا إلا في الذاكرة.
وعلى بعد خطوات منها كانت تقف فاطمة فريد، الفنانة الشابة القادمة من كردفان، وقد فقدت خالتها في قصف طال منزل الأسرة عام 2023. لكن الحرب دفعتها إلى سؤال مختلف. لم تعد تفكر فقط في كيفية الغناء، وإنما في معنى ما تغنيه، وفي الرسالة التي ينبغي أن يخرج بها الفن من قلب المأساة. كانت تنظر إلى الماضي بعينين دامعتين، لكنها كانت تحاول أن ترى من خلاله مستقبلًا لم يولد بعد.
لم تكن إحداهما على صواب والأخرى على خطأ. فكلتاهما كانت تحاول إنقاذ شيء من الوطن. غير أن كوثر كانت تنقذ ذاكرته، بينما كانت فاطمة تبحث عن لغته المقبلة. ولعل هذه المفارقة الصغيرة على خشبة مسرح في المنفى تختصر، بصورة رمزية، المأزق الذي تعيشه الثقافة السودانية اليوم.
قد يبدو السؤال، للوهلة الأولى، بسيطًا: لماذا يكثر الحنين في الثقافة السودانية؟ لكن هذا السؤال الوصفي لا يلبث أن يقودنا إلى سؤال آخر أكثر عمقًا: ماذا يحدث لمخيلة أمة فقدت ثقتها بالمستقبل؟ فالقضية، في نهاية المطاف، لا تتعلق بالموسيقى وحدها، ولا بالشعر أو الرواية وحدهما، وإنما بالطريقة التي يعيد بها مجتمع كامل ترتيب علاقته بالزمن عندما يجد نفسه في مواجهة كارثة تهدد وجوده.
ولعل الباحثة سفيتلانا بويم كانت من أكثر من أضاء هذا الجانب حين ميزت بين نمطين من الحنين: الحنين الترميمي والحنين التأملي. فالحنين الترميمي لا يرى نفسه حنينًا أصلًا، بل يتعامل مع الماضي بوصفه الحقيقة التي ينبغي استعادتها. إنه لا يتذكر الماضي بقدر ما يسعى إلى إعادة بنائه، ويتعامل معه باعتباره زمنًا مكتملًا، أكثر صفاءً وعدلًا وانسجامًا من الحاضر. ولذلك فهو لا يحتمل الشكوك ولا يحب الأسئلة؛ إذ يكفيه أن يعيد إنتاج الصورة القديمة بكل ما فيها من طمأنينة.
أما الحنين التأملي، فيسلك طريقًا مختلفًا تمامًا. فهو لا ينكر الفقد، ولا يحاول القفز فوقه، لكنه يدرك أن العودة مستحيلة، ولذلك لا يحول الذاكرة إلى سجن، بل إلى مادة خام لإبداع جديد. إنه لا يسأل: كيف نستعيد الوطن الذي ضاع؟ وإنما يسأل: كيف نبني وطنًا جديدًا يحمل ذاكرة ما ضاع، دون أن يبقى أسيرًا له؟
ومن هذه الزاوية، تبدو الحياة الثقافية السودانية وكأنها تتحرك بين هذين القطبين. فالتيار الغالب ما يزال أقرب إلى الحنين الترميمي؛ نراه في العودة الكثيفة إلى أغنيات الحقيبة، وفي استعادة أصوات الكاشف ووردي وعثمان حسين ومصطفى سيد أحمد، وفي الاحتفاء المتجدد بصور الخرطوم القديمة، وبالقصائد التي تمجد زمنًا يبدو أكثر نقاءً مما نعيشه اليوم. وليس في ذلك ما يدعو إلى السخرية أو الإدانة، فالإنسان المقتلع من أرضه يحتاج إلى ذاكرة يتكئ عليها، كما يحتاج الجريح إلى عصا يستند إليها وهو يحاول الوقوف.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول العصا إلى إقامة دائمة، ويصبح الماضي ليس مصدرًا للمعنى فحسب، بل البديل الوحيد عن المستقبل. عندئذ لا يعود الحنين مجرد عاطفة إنسانية نبيلة، وإنما يصبح طريقة كاملة لرؤية العالم، وتبدأ المخيلة، بهدوء لا يكاد يُلحظ، في الانسحاب من الغد.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة