تكشف اجتماعات أديس أبابا الجارية حول المسار السياسي السوداني عن أكثر من مجرد تباينات بين قوى سياسية؛ فهي تعكس أزمة بنيوية عميقة في بنية النخبة السودانية ذاتها، حيث تبدو عاجزة حتى الآن عن إنتاج طاولة تفاوض واحدة، أو بلورة إطار جامع لإدارة خلافاتها داخل عملية سياسية موحدة. وبدلاً من ذلك، تُدار النقاشات عبر لقاءات منفصلة مع الوساطة، في صيغة تعكس تفككاً سياسياً أكثر مما تعكس مساراً تفاوضياً متماسكاً.
القوى المشاركة في أديس أبابا، رغم اختلاف مرجعياتها وتاريخها السياسي، تقدم نفسها باعتبارها ممثلاً لقطاعات واسعة من السودانيين أو لمسارات الثورة أو لمرحلة ما بعد الحرب. غير أن هذا الادعاء يصطدم بواقع فجوة واضحة بين الخطاب السياسي وشرعية التمثيل الفعلية، إذ إن معظم هذه القوى لا تستند إلى تفويض اجتماعي مباشر، بقدر ما تستند إلى حضور تفاوضي أو سياسي ظرفي. هذا الانفصال بين التمثيل والواقع يجعل العملية السياسية أقرب إلى تفاوض بين نخب سياسية متجاورة أكثر من كونها تعاقداً وطنياً شاملاً.
عدم قدرة الأطراف على الجلوس في طاولة واحدة ليس تفصيلاً تنظيمياً، بل يعكس مستوى متقدماً من انهيار الثقة السياسية. فكل طرف يتعامل مع الآخر بوصفه خصماً غير موثوق أو امتداداً لمعسكر الحرب، ما يدفع نحو نمط تفاوضي قائم على التجزئة: اجتماعات منفصلة، مواقف متباينة، وتفاهمات غير مكتملة. هذا النمط لا ينتج عملية سياسية، بل ينتج إدارة متوازية للأزمة دون مركز سياسي موحد .
تحولت المشاورات الدولية في أديس أبابا إلى ما يشبه الإطار البديل لإدارة النقاش السياسي، حيث تُستدعى القوى بشكل منفصل وتُصاغ المواقف خارج أي بنية وطنية جامعة. ورغم أهمية الوساطة في إدارة النزاعات، إلا أن الاعتماد المفرط عليها يكشف عجز الفاعلين المحليين عن إنتاج مسار تفاوضي ذاتي ومستقل.
في هذا السياق، يبرز خلل جوهري يتعلق بطبيعة التمثيل الجغرافي والسياسي داخل العملية الجارية. فغياب التمثيل العادل، كما في حالة إقليم النيل الأزرق الذي لم يُسجَّل له حضور فعلي في هذه الجولة من النقاشات، لا يمكن اختزاله في كونه نقصاً إجرائياً أو تفصيلاً تنظيمياً. بل هو مؤشر بنيوي على استمرار إعادة إنتاج مركزية القرار داخل دوائر سياسية ضيقة، تتعامل مع الأقاليم بوصفها موضوعات للنقاش لا فاعلين داخل صناعة القرار السياسي. هذا النمط من الإقصاء غير المباشر لا يضعف فقط شرعية المخرجات المحتملة، بل يعيد إنتاج نفس اختلالات الدولة التي شكلت أحد الأسباب الجوهرية لانفجار الأزمة السودانية.
تتبنى القوى السياسية المشاركة في أديس أبابا خطاباً مزدوجاً: خطاب معلن يدعو إلى وقف الحرب، وخطابات ضمنية تعكس حسابات تموضع سياسي مرتبطة بتوازنات القوة. هذا التناقض يضعف الاتساق الداخلي للعملية السياسية، ويجعلها عرضة للتفكك عند أول تغير في موازين القوى على الأرض.
الأزمة الأعمق تكمن في غياب مشروع وطني مشترك بين هذه القوى. فكل طرف يدخل العملية السياسية محملاً بتصور خاص للدولة، دون أرضية جامعة حول القضايا الجوهرية: شكل الجيش، العدالة الانتقالية، إعادة توزيع السلطة، وإعادة بناء العلاقة بين المركز والهامش.
ما يجري في أديس أبابا بجانب تعثر العملية السياسية، يكشف أزمة أعمق في بنية النخبة السودانية نفسها، التي ما تزال عاجزة عن الانتقال من منطق التفاوض المتشظي إلى منطق التعاقد الوطني. وبين تعدد الطاولات وغياب الطاولة الواحدة، تظل العملية السياسية حتى الآن إدارة للأزمة أكثر من كونها مشروعاً لإنهائها.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة