أديس أبابا… حين تُصبح النهضةُ مشروعاً للإنسان كتبه عاطِف عبدالله قسم السيد

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 08-31-2026, 07:57 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
08-27-2026, 02:12 PM

عاطِف عبدالله قسم السيد
<aعاطِف عبدالله قسم السيد
تاريخ التسجيل: 09-13-2022
مجموع المشاركات: 109

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
أديس أبابا… حين تُصبح النهضةُ مشروعاً للإنسان كتبه عاطِف عبدالله قسم السيد

    02:12 PM August, 27 2026

    سودانيز اون لاين
    عاطِف عبدالله قسم السيد-UAE
    مكتبتى
    رابط مختصر








    فيما مضى، استخدم العرب اسم "الحبشة" للإشارة إلى رقعة واسعة من شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، ارتبطت في الذاكرة العربية بالسودان وإثيوبيا وإريتريا ومناطق شاسعة تمتد نحو منابع النيل والبحر الأحمر. ولم تكن العلاقة بين شعوب هذه المنطقة مجرد علاقة جوار جغرافي، بل كانت صلات دم وثقافة وتاريخ ومصير مشترك.

    وعلى الرغم من كثرة أسفاري وتجوالي في أنحاء عديدة من العالم، أدركت أنني ظلمت نفسي كثيراً حين تأخرت في التوجه شرقاً، نحو الهضبة الإثيوبية، وزيارة شعب يُعدّ من أقرب شعوب الأرض إلينا نحن السودانيين؛ سحنةً ووجداناً وثقافةً وملامح مشتركة.

    ربما كان حاجز اللغة أحد الأسباب التي أخّرت هذه الزيارة، مع أن تجربة السودان نفسها تؤكد أن تعدد الألسن واللغات لا ينتقص من وحدة الشعوب ولا يلغي هويتها الجامعة؛ ففي بلادنا عشرات اللغات واللهجات، ومع ذلك ظل السودان وطناً يتسع، في جوهره، لكل هذا التنوع.

    وفي أغسطس الماجد، تحققت لي أخيراً زيارة إثيوبيا للمرة الأولى، والفضل والشكر لمنصة القوى السودانية المناهضة للحرب، التي دعتني للمشاركة في اجتماعها بالعاصمة أديس أبابا. كانت الرحلة سياسية في دوافعها، لكنها تحولت سريعاً إلى تجربة إنسانية وبصرية عميقة، دفعتني إلى مراجعة كثير من التصورات المسبقة عن هذا البلد.

    كنت أحمل صورة محدودة عن أديس أبابا، باعتبارها عاصمة أفريقية من دول العالم الثالث، تعاني نقص الخدمات والفقر ومشكلات البنية التحتية، كما توحي بعض المقاطع المصورة والانطباعات المتداولة. لكنني، ما إن وصلت إليها، حتى وجدت نفسي أمام مدينة تعيش تحولاً عمرانياً واسعاً، يعيد تشكيل هويتها البصرية والإنشائية، وينقلها بخطى واضحة من صورتها التقليدية إلى عاصمة أفريقية حديثة تتطلع إلى العالمية.

    لم تكن النهضة التي شاهدتها مجرد أبراج زجاجية أو طرق واسعة أو مجمعات سكنية فخمة، بل بدت مشروعاً متكاملاً لإعادة تنظيم المدينة وتحسين حياة الإنسان فيها. فقد شملت مشروعات تطوير الممرات الحضرية توسعة الطرق، وإنشاء مسارات للدراجات الهوائية، وممرات واسعة وآمنة للمشاة، وتحديث شبكات تصريف المياه، وزيادة المساحات الخضراء، إلى جانب تطوير الواجهات العامة والساحات والمتنزهات ومرافق الخدمات.

    وفي عدد من المواقع، تحولت الضفاف والمناطق المهملة إلى فضاءات عامة مفتوحة، وأعيد تأهيل واجهات المباني وإضاءتها بصورة عصرية، مع إنشاء مواقف للسيارات ومرافق تجارية وترفيهية حديثة. وهذا كله يعكس فهماً جديداً للمدينة؛ لا بوصفها كتلة من الإسمنت، وإنما فضاءً منظماً للحياة والعمل، والتنقل، والراحة، والجمال.

    أما منطقة بولي، الممتدة من المطار نحو قلب العاصمة، فتقدم واحدة من أبرز صور أديس الحديثة. شوارع واسعة، وفنادق عالمية، ومراكز تسوق، ومبانٍ سكنية وتجارية شاهقة، ومطاعم ومقار شركات وبعثات دبلوماسية، إلى جانب حركة نشطة لا تهدأ ليلاً أو نهاراً. إنها واجهة حضرية تقول للقادم منذ اللحظة الأولى إن المدينة تتغير، وإن وراء هذا التغيير إرادة تسابق الزمن.

    غير أن أكثر ما أثار إعجابي لم يكن العمران وحده، بل الإنسان الإثيوبي نفسه. فالمدن لا تنهض بالإسمنت والحديد فقط، وإنما بأخلاق أهلها وانضباطهم، واحترامهم للقانون، والمكان، والآخرين. وقد لمست في تعامل الناس قدراً كبيراً من اللطف والتهذيب والكرامة، لا ابتزاز للسائح، ولا إلحاح طلباً للإكرامية، بل تعامل راقٍ يقوم على الاحترام المتبادل.

    لفت نظري أيضاً احترام قواعد المرور، والنظافة العامة، والعناية بالخضرة التي تنتشر على امتداد الشوارع. ويأتي المطر ليلاً كأنه يغسل المدينة ويسقي أشجارها وحدائقها، ثم تستيقظ أديس في الصباح أكثر نضارة وحيوية. أما طقسها المعتدل، فهو نعمة أخرى تضفي على الإقامة فيها سحراً خاصاً، وتجعل التجول بين شوارعها متعة لا تخلو من الدهشة.

    إن ما شاهدته في أديس أبابا يؤكد أن النهضة الحقيقية ليست مشروعاً عمرانياً فحسب، بل مشروع إنسان ودولة ورؤية للمستقبل. فالأبراج يمكن تشييدها، والطرق يمكن رصفها، لكن الأصعب هو بناء ثقافة عامة تحترم النظام، وتصون كرامة الإنسان، وتُشعر المواطن بأن مدينته ملك له، وأن الحفاظ عليها جزء من مسؤوليته اليومية.

    ومن الطبيعي أن تكون لكل تجربة تحدياتها وكلفتها ومشكلاتها، وأن يظل الحكم الكامل عليها محتاجاً إلى وقت ومعرفة أعمق. لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن إثيوبيا تتحرك، وأن أديس أبابا تشهد تحولاً واضحاً وطموحاً، وأن ثمة إرادة حقيقية لإعادة بناء العاصمة على أسس حديثة ومستدامة.

    وأنا أتجول في شوارع أديس، لم أستطع منع نفسي من التفكير في السودان، وفي مدنه التي أنهكتها الحرب ودمّرت بنيتها التحتية وشردت سكانها. تساءلت بحسرة: لماذا لا نحذو حذو جيراننا؟ لماذا نهدر مواردنا وطاقات شبابنا في الحروب، بينما تتجه الشعوب من حولنا إلى تشييد الطرق والجسور والمساكن والمدارس والمستشفيات والمدن الذكية؟

    إن السودان لا تنقصه الموارد، ولا العقول، ولا الكفاءات، ولا القدرة على النهوض. ما ينقصه هو السلام، والإرادة السياسية، والدولة التي تجعل حياة الإنسان وكرامته ورفاهيته في مقدمة أولوياتها. فالأموال التي تُنفق على السلاح كفيلة ببناء مدن كاملة، والطاقات التي تُهدر في القتال تستطيع إعادة إعمار الخرطوم ومدني ونيالا والفاشر والجنينة والأبيض وبورتسودان، وتحويلها إلى مدن حديثة خضراء وآمنة.

    ليتنا نتعلم من التجربة الإثيوبية أن بناء الوطن لا يتحقق بالشعارات ولا بفوهات البنادق، وإنما بالعمل والتخطيط والانضباط واحترام الإنسان. وليتنا نوقف هذه الحرب العبثية، ونطوي صفحة الدم والخراب، ونتجه جميعاً إلى معركة أخرى جديرة بأن نخوضها: معركة السلام وإعادة الإعمار والتنمية.

    خرجت من زيارتي الأولى لأديس أبابا بإعجاب عميق، وبأمنية أكبر: أن يأتي يوم قريب يستقبل فيه السودان زواره بمدن حديثة وذكية، وطرق خضراء، وخدمات متطورة، وإنسان آمن في وطنه؛ وأن يصبح التنافس بيننا وبين جيراننا في تشييد المدارس والمستشفيات والجامعات، لا في حشد الجيوش وتكديس السلاح.

    أديس أبابا لم تُرني فقط ما أنجزته إثيوبيا، بل جعلتني أرى بوضوح أكبر ما يمكن أن يكون عليه السودان، إذا أوقفنا الحرب، وتصالحنا مع أنفسنا، وقررنا أن نبني الحياة بدلاً من أن نتفنن في صناعة الموت.

    _______________________________________________
    عاطِف عبدالله قسم السيد Atif Abdalla Gassime El-Siyd























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de