- وقف الإليزيه على قدم واحدة؛ وزراء يذرعون القاعات جيئة وذهاباً، وكتبة يحررون وثائق «الأمن القومي الثقافي»، ورئيسٌ يتقلب على جمر قلقه؛ ليس لأن مجاعة تطرق أبواب باريس، ولا لأن ملشياتٍ تعبث بأطراف فالي: بل لأن طفلاً فرنسياً دون الخامسة عشرة ربما ينظر في شاشة هاتف محمول أثناء درس التاريخ!، يا لرقّة الفؤاد الفرنسي، ويا لجمال هذه الرعاية التي تحفّ العقول الغرّة في عاصمة النور! لقد استبدّ الهلع بفرنسا العظيمة، وأعلنت المتحدثة باسم حكومتها مود بريجون، بسحنة يكللها الحزم وأناقة البيان، أن الحكومة ستمضي قدماً في فرض حظر الهواتف المحمولة بالمدارس الثانوية مع استهلال العام الدراسي الجديد، وتأملوا معي هذا المشهد الإغريقي: البرلمان يُشرّع بثبات، والمجلس الدستوري يسدد ضربة قاضية لشق القانون المتعلق بمنع الصغار من وسائل التواصل، ورغم هذه النكسة التشريعية، يرفض إيمانويل ماكرون الهزيمة! إنه يخوض معركة شريفة لحماية عقول صبيانه من غوائل «تيك توك»، موكلاً إلى رئيس وزراء بلاده مهمة صياغة نص جديد بحلول الربيع المقبل؛ كي تحظى الأجيال بإطار قانوني مستقر، موحد وملزم، يحميهم من شياطين الإشعاع والافتراض، يا للروعة! تبارك العقل الذي يحمِّل رعيته هذا القدر من الرفاهية الدستورية!، وعلى الجانب الآخر من كوكبنا، حيث تتثاءب حكومات الشرق الأوسط وتغطّ حكومات أفريقيا في نومها الأبدي —وعلى رأسها حكومة موطني المكلوم السودان— تبدو هذه الملحمة الفرنسية أقرب إلى نكتة باردة يرويها شبعان لجائع، في ديارنا، لا تشغل الحكومات بالها بالهواتف في المدارس، لا حظراً ولا إباحة؛ لأن «المدرسة» نفسها أصبحت فكرة افتراضية منسية! في السودان، يسعى أولياء الأمور إلى البحث عن شبر آمن تحته سقف لا تتهاوى عليه القذائف، أو عن سبورة لم تلتهمها النيران، حكوماتنا الميمونة لا تخشى على أطفالنا من «تيك توك»، بل تخشى أن يجد التلميذ مقعداً يجلس عليه دون أن يبلله المطر أو تباغته الفوضى، إن ساسة بلادنا يسهرون بالفعل على أمننا الديجيتالي، ولكن بطريقتهم الخاصة: إنهم يقطعون شبكات الاتصالات عن الإقليم بأكمله لأسباب أمنية مقدسة، محققين حظراً شاملاً وكاملاً وعادلاً للهواتف الذكية والغبية على حد سواء، ودون الحاجة لسن قوانين في البرلمان أو صدام مع مجالس دستورية!، بينما يقاتل ماكرون ليمنع الفتية من التلهي بالهواتف في الفسحة المدرسية، يقاتل أبناؤنا ليروا أضواء الكهرباء تنير كشاكيلهم قبل أن تنقضي ليلتهم على ضوء الشموع، يا لغبطتي بالحكومة الفرنسية التي تجد الوقت والجهد والترف القانوني لتجلس وتحسب كم دقيقة قضاها «جون» أو «بيير» في تصفح الفيديو، بينما يقف المسكوب على أمره في بلادنا عاجزاً عن توفير كتاب مدرسي لم تمزقه الصراعات!، إنه الذهول المحبب، أو ربما هي السخرية المرة من عالم يصارع فيه البعض لرفاهية «النقاء الذهني»، بينما نُصارع نحن لتسجيل أسمائنا في سجلات الأزندة التي لم تزل قادرة على البقاء!، هنيئاً للتلاميذ هناك بدولة تخاف على عقولهم من الشاشات، ورفقاً بأطفالنا هنا، فلعل حكوماتنا تمنّ عليهم يوماً بمدارس أولاً، ثم نتفرغ بعد ذلك لمعركة «تيك توك».. هنا تحضرني طرفة فليسمح لي القارئ الحصيف بأن أوجزها في هذه المساحة وبهذه العجالة وهي:- انتصف الليل، وسكن الوجود من طفشة البشر وضجيج الحياة، لتبدأ طقوسي المقدسة التي واظبت عليها لسنوات؛ غرق تام بين دفتين، ومطارق تنقر قلمي على سفندان الورق، أنا رجل لا تزهر أفكاري إلا في ساعات السيل العرم من ظلمات الهزيع الأخير، حيث يتخلل الصمت همس الحبر وهو ينهمر على صفحاتي، وفجأة، شق هذا السكون الرهيب صرير نغمة "الواتساب"، نظرت إلى الشاشة، فإذا به اسم قريب لي يقطن في إحدى دول المهجر، تربطني به علاقة أستطيع أن أصفها بدقة متناهية بأنها "ليست جيدة بالرغم من أنها ليست سيئة" أي أنها تقع في منطقة دافئة من الحياد الأقرب للعدم، فتحت الرسالة بلهفة الفضولي متسائلاً: ما الذي يهز مضجع هذا البعيد في هذا الوقت المتأخر؟، فتحت المحادثة، فإذا بالحقيقة الصادمة: رمز تعبيري فردي! مجرد "إيموجي" يتيم يحدق في وجهي بوقاحة، لم أتمالك نفسي، وسارعت إلى تسجيل رسالة صوتية نضح منها فيض من الدبلوماسية والنبل، شكرته فيها بعبارات طنانة على تذكره إياي وإتحافي بهذا التواصل الثمين، غير أن عقلي الباطن كان يصرخ: "هيا يا رجل، هات ما عندك، ما هي المأساة التي دفعتك لإرسال هذا الوجه الضاحك؟"، لم يتأخر الرد، وصلني مقطع صوتي منه، وبعد جولة عاصفة من مجاملات الأناقة والمودّة، جاءت الفاجعة، إذ أقسم لي بأغلظ الأيمان أن هاتفه كان أسر في يد طفلته الصغيرة، تلك العبقرية القادمة التي تستعد لإطفاء شمعتها الثانية بعد أسابيع معدودات، وأنها هي الفاعلة الحقيقية!، بطبيعة الحال، أخذت قسمه التليد بمحمل السخرية ولم أصدق حبكة عذره المقنع، لكن ذكرياتي هربت بي لمتاهة من الذهول، أيعقل؟ طفلة لم تنطق الكلمة التامة بعد، ترفع هاتفاً يزن نصف وزنها، وتفك شفرته السرية، وتتصفح قائمة الأسماء المزدحمة لتبحث عن اسمي تحديداً، ثم تنقر بالخطأ المتناهي الدقة على رمز تعبيري وترسله؟ يا للروعة! إذا كانت هذه معجزات ابنة الثلاثة وعشرين شهراً، فما الذي ستفعله حين تطأ أقدامها عتبة الثلاثة وعشرين عاماً؟ هل ستدير منظمة الطاقة الذرية بنقرة إبهام؟ غير أن أوهامي العظيمة تلاشت بغتة كعاصفة رملية، وقع بصري على الأوراق المبعثرة أمامي على الطاولة، وعدت للواقع بصفعة حارقة، تذكرت أن هذه الطفلة وجيلها العتيد لن يكونوا أبطالاً لأكاديميات ولا حتى امتداداً لجيل "زد" الفذ، هذا الجيل الأخير الذي أتقن شق طريقه بين المنصات الرقمية وخوازميات الذكاء الاصطناعي، لكنه يقف عاجزاً أبتماً أمام خط حرف واحد من اسمه بيده!، كيف لهم أن يعرفوا القراءة والكتابة، وكيف للأجيال أن تنمو بين دفتر وقلم، ووطننا السودان يخوض حرباً ضروساً منذ ذلك اليوم الشؤوم في الخامس عشر من أبريل 2023؟ حرب طاحنة تدور رحاها بلا رحمة بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع المتمردة، أتت على الأخضر واليابس، وأحالت المدارس إلى ركام، وحولت الطباشير إلى شظايا، حرب قتلت الآلاف من الأبرياء، وشردت الملايين في أشتات الأرض، لتبقي مستقبل هؤلاء الأطفال معلقاً على هواتف آبائهم، يمارسون العبقرية المبكرة في اللعب بالرموز التعبيرية، بينما يبتلع الجهل والخراب كل حلم بالورقة والقلم. The war reduced schools to rubble and chalk to shrapnel. It killed thousands of innocent people and displaced millions across the globe, leaving the future of these children dependent on their parents' phones, practicing their precocious genius by playing with emojis, while ignorance and devastation swallow up every dream of pen and paper وعلى قول جدتي:؛ "دقي يا مزيكا!!". خروج:- (كهف «الولي الفقية» وأحفاد «إريتريا»: عندما تخاف الشاشة من الظل ..!!؟؟) ففي مملكة الخوف الحديثة، لم تعد الجيوش تُقاس بعدد الدبابات، بل بعدد «البكسلات» التي يُسمح لرعاياها برؤيتها، في زمن الحرب، يكتشف الحكام الإلهيون فجأة أن الكاميرا أشد ك كمعة من الصاروخ، وأن الصحفي يحمل في حقيبته عبوة ناسفة تُسمى «الواقع»، في طهران، يجلس الملالي وهم يعتصرون عقولهم خوفاً من «التغلغل الأجنبي»، ذلك الشبح الفضفاض الذي يبرر كل شيء، لم يكتفِ البرلمان الإيراني بالتفكير، بل شمر عن ساعديه التشريعيين ليخرج لنا بتحفة جديدة: قانون يُجرّم التواصل مع وسائل الإعلام الأجنبية «المعادية»، إنها فلسفة بسيطة ولاذعة: إذا تحدثت إلى قناة أجنبية دون إذن، فستحظى بضيافة مجانية في السجن تمتد من ستة أشهر إلى عامين! تمنيت لو أنهم أضافوا بنوداً تمنع المواطنين من التفكير باللغات الأجنبية أيضاً، خشية أن تكون الأفكار مترجمة من «الموساد»، وعلى بعد مئات الكيلومترات، في صنعاء السليبة، يقف التلميذ الحوثي مصفقاً لأستاذه الإيراني، ومطبقاً النظرية بلمسة ميدانية أكثر جهلاً وسريالية، لا داعي للقوانين والمعاملات الورقية؛ فالكاميرا جريمة مشهودة، والالتقاطة بحاجة إلى موافقة «المشرف»، وحرية الصحافة تقتصر على الحق الكامل في التسبحة باسم الجماعة! الحوثي لا يكتفي بمنعك من الحديث، بل يقرر عنك ما الذي يُسمح لعينيك بأن تبصراه، إننا أمام مدرسة فريدة في إدارة الخوف، وكأن هؤلاء القوم يغارون شديد الغيرة من تجربة «إريتريا» العظيمة! تلك الدولة التي حسمت أمرها مبكراً وقررت حظر شبكات «الإنترنت الجوال» برمتها، لتعيش في كبسولة زمنية مقطوعة عن العالم، حيث أعلى درجات التكنولوجيا هي الرسائل النصية التي تخضع للرقابة! يبدو أن طهران وصنعاء ينظران إلى أسمرة بحسد شديد، ويتحسران: «لماذا لم نطفئ الفيشة منذ البداية ونسترح؟»، لكن السخرية تكمن في هذا الذعر؛ فالنظام الذي يرى في كل صحفي عميلاً، وفي كل صورة قصف عملية تجسس، وفي كل شهادة لمواطن مكلوم حرباً نفسية، ليس نظاماً قوياً، بل هو هيكل من قش يخشى أي نسمة حقيقة، الرقابة الشاملة لا تلغي الحقيقة، بل تشوه عقل السلطة نفسه، وتجعل الجمهور يفر إلى الإشاعات، عندما تُجرم السؤال، وتخاف من الشاشة، وتجعل الحقيقة مشتبهاً فيه الأول، فأنت لا تحمي أمنك القومي، بل تعلن للجميع أن روايتك أوهن من بيت العنكبوت. #أوقفوا_الحرب ولن أزيد،، والسلام ختام. dro.elwajeeh@gmail.com - @Drosmanelwajeeh
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة