المسيرة المتعثرة نحو بناء الدولة السودانية بقلم:كموكى شالوكا (إدريس النور شالو)

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 09-22-2020, 08:22 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
09-14-2020, 08:56 PM

ادريس النور شالو
<aادريس النور شالو
تاريخ التسجيل: 01-12-2016
مجموع المشاركات: 6

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
المسيرة المتعثرة نحو بناء الدولة السودانية بقلم:كموكى شالوكا (إدريس النور شالو)

    08:56 PM September, 14 2020

    سودانيز اون لاين
    ادريس النور شالو-الخرطوم-السودان
    مكتبتى
    رابط مختصر





    السودان فى العهد التركى والحكم الثنائى (1-8)
    يتميز السودان بالتنوع والتعدد، ومنذ أزمان سحيقة تكونت البلاد من شعوب شتى وشهدت قيام دول وممالك عدة، فقامت ممالك قديمة قبل الميلاد فى نبته ومروى ثم الممالك المسيحية فى نوباتيا، المقرة وعلوة وبعد ذلك جاءت السلطنات والممالك الاسلامية كسلطنة الفور، السلطنة السوداء (الزرقاء)، مملكة تقلى ومملكة المسبعات. لم تمر كل هذه الشعوب بنفس المرحلة من التطور الاقتصادى و الإجتماعى وكانت متفاوتة بدرجة كبيرة ففى الوقت الذى وصل فيه بعضها فى تنظيمه الإقتصادى و الإجتماعى الى مرحلة الدولة، ظلّ البعض الأخر فى مرحلة المشاعية القبلية.
    قام الإستعمار الحديث الذى بدأ بالحكم التركى عام 1821 بتأسيس دولة مركزية وجمع شعوب السودان المختلفة ثقافياً و المتفاوتة تاريخياً داخل هذا الشكل المركزى للدولة وبذلك عوّق مسارات تطوّرها الطبيعية ممّا أدّى الى تكوين البنية الاجتماعية التاريخية المشوهة للدولة السودانية الحديثة والتى ظلّت قائمة حتى اليوم.
    خلف الحكم التركى الإستعمار الإنجليزى المصرى والذى إنتهج سياسات عدة لتوطيد حكمه مثل سياسية "فرق تسد" وخلق أعوان وكيانات تعينه على حكم البلاد، إبتدعت إدارة الحكم الثنائى بما سمى سياسة الجنوب، تم بموجبه بناء سلسلة من الوحدات العرقية أو القبلية التى تأسست على ذات الهياكل والتنظيم القائم على عادات هذه الشعوب والسكان الأصليين ، إستخدام الغات المحلية والمعتقدات التقليدية وغيرها .وقد صدر في عام 1922 قانون الجوازات والأذونات والذى عرف بقانون المناطق المقفولة و ينص علي علي حظر السفر الى الجنوب ومناطق جبال النوبة والنيل الازرق ودارفور إلاّ بإذن من مدير المديرية أو السكرتير الاداري وكان الهدف من ذلك منع المصريين والسودانيين من شمال القطر والأجانب من دخول الجنوب. جاء ذلك نتيجة للتطورات التاريخية غير المتكافئة في السودان، حاول البريطانيون التخفيف من العلاقات غير المتناسقة بين الشمال والجنوب من خلال إتخاذ هذه السياسة في الجنوب ومناطق أخرى فى السودان والتي يعتقدون أنها في مصلحتهم، وقد ساهمت هذه السياسة فى الحفاظ على ثقافة ولغات الأغلبية غير العربية في السودان خاصة في الجنوب وجبال النوبة وغيرها.
    "سياسة الجنوب" ربما ساهمت فى توطيد الفوارق فيما بين إنسان الشمال وإنسان الجنوب، لكنها لم تخلق تلك الفوارق، كما أن هذه السياسة لا تتحمل كل اللوم عن الحروب الأهلية التى أعقبت إعلان الإستقلال.
    فيما بين 12-13 يونيو عام 1947 عقد مؤتمر جوبا وقد حضره مندوبون من بريطانيا وسودانيون في مدينة جوبا عاصمة اقليم جنوب السودان، ترأس المؤتمر جيمس روبرتسون آخر سكرتير إداري بريطاني بالسودان، وسبعة عشر جنوبيا من زعماء القبائل والمثقفين، نذكر منهم فيلمون ماجوك / كلمنت امبورو / حسن فرتاك / جيمس طمبرة / شير ريحان / سريسيو ايرو، ومن الزعماء القبليين لويث اجاك ، ولوليك لادو. وشارك ستة من الشماليين منهم أبراهيم بدري، حسن حمد عثمان، محمد صالح الشنقيطي، سرور محمد رملي . كان الهدف من المؤتمر معرفة أراء الجنوبيين في الإنضمام للشمال والإشتراك في الجمعية التشريعية . جاء مؤتمر جوبا كنتيجة للتطورات التي صاحبت إعلان السياسة البريطانية الجديدة تجاه السودان والتي تدعو إلى استبدال "سياسة الجنوب" بسياسة جديدة تهدف إلى توحيد طرفي القطر.
    يشير الكثيرون من الكتاب والمثقفين الشماليين إلى أن الجنوبيين قد وافقوا من خلال مؤتمر جوبا 1947 على الوحدة مع الشمال، وبالمقابل درج الكثيرون من الكتاب والمثفقين الجنوبيين على نفي ذلك بالتشكيك في نزاهة إجراءات وأعمال المؤتمر، وذلك بسبب أساليب إفساد الساسة الجنوبيين بواسطة الشماليين عن طريق بذل العطايا والمزايا بما فيها الرشوة، ولعب القاضى محمد صالح الشنقيطى دوراً رئيسياً فى الافساد وبيع الذمم.
    وفى هذا الصدد يقول مولانا / أبيل ألير في كتابه قضايا الحرب والسلام في جنوب السودان ترجمة هنري رياض 1993 ( ... لقد قرر السكرتير الإداري أن تكون هناك وحدة بين الجنوب والشمال قبل التفكير فى إنعقاد المؤتمر. ويقول أيضاً: (والرأي القائل أن أغلبية الجنوبيين في المؤتمر كانت تريد إنشاء جمعية تشريعية واحدة، يتعذر أيضاً إستخلاصه مما ورد في المداولات)، أما في كتابه جنوب السودان - التمادي في نقض العهود والمواثيق _ ترجمة بشير محمد سعيد(2005) فهو يقول: (ومنذ أن أتخذ ذلك القرار – يقصد قرار ربط الجنوب بالشمال الذي أتخذ في المؤتمر الإداري – لُقّن ممثلي الجنوب في مؤتمر جوبا عام 1947 تلقيناً.
    وعن المؤتمر يقول الدكتور فرانسيس دينق في كتابه صراع الرؤى ترجمة د.حسن عوض(1999) :(كان محمد صالح الشنقيطي – الذي كان قاضياً للمحكمة العليا، ثم رئيساً لمجلس النواب (البرلمان)، وأكثر الشخصيات نفوذاً ، كان المحرك الأساسي وراء " ليلة العمل الكاملة " الشيء الذي استعدى الإداريين البريطانيين المتعاطفين مع الجنوب والشك العام الذي تولد بسبب الأساليب اللاحقة لعمليات إفساد الساسة الجنوبيين بواسطة الشماليين عن طريق بذل العطايا والمزايا بما فيها الرشوة المباشرة الفجة، تمّثل في أن الشخصيات من ذوي النفوذ من أعضاء الفريق الجنوبي قد أخضعوا لضغوط غير عادية من جانب ممثلي الشمال الأكثر حنكة وفطنة ومكراً، إما عن طريق الحجج النبيلة الداعية إلى الوحدة، أو عن طريق بذل الوعود لتحسين أوضاع الجنوبيين. ويورد فرانسيس دينق ما كتبه نائب حاكم بحر الغزال ريتشارد أوين من أن تغيير وجهة النظر للأعضاء المتعلمين الجنوبيين (من غير زعماء القبائل)، الذين غيروا آراءهم لاحقاَ نتيجة "دردشة" مع سعادة (القاضي الشنقيطي) ، كان تعبيراً صادقاً من الدرجة الأولى يدعو للشفقة والرثاء لعدم قدرتهم الدفاع عن أنفسهم ضد الإحتيال الماكر. ويرى الدكتور فرانسيس أن العديد من العوامل قد تدخلت في توجيه نظرة الجنوبيين في المؤتمر وبخاصة المتعلمين، ويرى أنه(ربما كان العامل الحاسم هو عدم التمثيل الجنوبي العادل وعدم فهم القضايا الحقيقية المطروحة، كان واضحاً بأن الممثلين الجنوبيين لم يكونوا في مستوى الشماليين والإداريين البريطانيين في التعليم، الخبرة والحنكة. كانوا في وضع ضعيف، وسهل إقناعهم ليؤيدوا الأجندة المشتركة للشماليين والبريطانيين وكان ذلك هو السبب – وليس إلتقاء العقول – الذي يفسر التأييد الجنوبي للوحدة الوطنية). وعن زعماء القبائل الأقل تعليماً وإلماما،ً فيقول إنهم ( قد حافظوا على مواقفهم السابقة وإمتنعوا عن تأييد التكامل المباشر مع الشمال).
    هكذا نرى أن فشل الاباء المؤسسون للدولة السودانية فى إرساء الأسس السليمة لبناء دولة قابلة للحياة، وبدلاً عن ذلك قاموا بممارسة الفهلوة و التشاطر على الأخرين وإتباع أساليب المراوغة و التحايل والتخفى وراء النصوص الغامضة والتلاعب بالألفاظ مما فوّت فرصة التوافق على دستور دائم. كان الدافع الرئيسى لذلك رغبة من جماعة تستمسك بإمتياز تاريخى غير مشروع والحفاظ عليها بحسبانها حقوقا مكتسبة . مسئؤلية هذا الفشل الذى تطاول سنيناً عددا طوال ما يزيد ستة عقود تقع على عاتق النخبة فى الشمال فى المقام الاول بإفتراضها أن مقوماتها الثقافية والدينية والعرقية يجب ان تكون المقوّم الوحيد للهوية الوطنية لكل السودان، لذلك أصبح عامل الهوية هذا عنصراً من بين عناصر أخرى عاملاً جوهرياً للصراع والإحتراب .
    ............... يتبع



    البداية الخاطئة - استقلال السودان ومطلب الفيدرالية
    خلف الاستعمار الثنائى عند خروجه استقلالاً زائفاً كان عبارة عن إستبدال الاستعمار الخارجى باستعمار داخلى تسنم فيها أمر البلاد نخبة انتهازية وعنصرية اكثر سوءاً من الاستعمار الخارجى، هى التى قامت بتأسيس المركزية الاسلاموعروبية والتى تشكلت بصورة رئيسية من حقل الثقافة العربية الاسلامية
    لقد رسم اتفاق الحكم الانجليزى المصرى لعام 1953 الطريقة التى يمارس بها السودانيون تقرير المصير . فقد نصت الاتفاقية ان يصدر البرلمان السودانى قراراً عن رغبة أعضائه فى الشروع فى ترتيبات تقرير المصير و ذلك بالإحتكام للشعب ليقرر مصيره بإرادته الحرة ، أمّا بإختيار الإستقلال أو الإتحاد مع مصر، بعد ذلك يخطر الحاكم العام الحكومتين الإنجليزية والمصرية بالقرار ثم تقوم حكومة السودان القائمة فى ذلك الوقت بصياغة مشروع قانون لإنتخاب جمعية تأسيسية تقرر مصير السودان فى موعد أقصاه يوم 31 ديسمبر 1955 . والجمعية التأسيسية هذه ليست برلمان الحكم الذاتى الذى قرر إسماعيل الأزهرى الإستقلال من داخله لأن هذا الحق لم تمنحه اياه الاتفاقية . لقد قرر اسماعيل الازهرى فى 19 ديسمبر 1955 الإلتفاف على الشروط والاجراءات التى نصت عليها الاتفاقية عن كيفية ممارسة حق تقرير المصير فى مخالفة صارخة لبنوده و قام بإعلان الإستقلال من داخل البرلمان .
    مع بنود الاتفاقية الواضحة فأن برلمان الحكم الذاتى لا يملك أن يقرر مصير السودان، إلا أن البرلمان قرر بالإجماع فى 29 أغسطس 1955 أن رغبات الشعب السودانى ستتحقق بصورة أفضل من خلال إجراء إستفتاء على خيارى الوحدة مع مصر أو الاستقلال وليس عبر جمعية تأسيسية فى تعارض صريح مع بنود الاتفاقية. لكن فى تغيير مفاجئ قام نفس البرلمان فى 15 ديسمبر 1955 بإلغاء قرار الاستفتاء الذى سبق أن وافق عليه بالإجماع وإستبداله بقرار أخر بالإجماع أيضاً يقضى بأن تتم ممارسة حق تقرير المصير عبر برلمان الحكم الذاتى نفسه. الإجماع على القرارين يعنى تواطؤ جميع الاحزاب على نقض الاتفاقية ، بل تكشف عن قدر كبير من الاستهانة بموضوع خطير وذى أهمية لكل الشعب السودانى. و بكل أسى أصبحت تلك الاستهانة سمة ملازمة للسياسة السودانية ونموذجاً سارت عليه السياسة فى السودان.
    و من وجهة النظر القانونية ، قرار اعلان الاستقلال من داخل البرلمان غير دستورى بسبب خروجه و مخالفته لأطر و بنود الاتفاق الانجليزى المصرى ، فبرلمان الحكم الذاتى لم ينتخب لممارسة حق تقرير المصير نيابة عن الشعب و انما ليصدر التشريعات و الاشراف على الحكم خلال فترة الحكم الذاتى ، فالجمعية التأسيسية هى من كانت ستقرر المصير اما الإتحاد مع مصر او الاستقلال التام عن الحكم الثنائى . فإستقلال السودان فعل تم بالخداع ثم نقض المواثيق تأكيداً لما وثقه مولانا/ أبيل أليير فى كتابه Too) many agreements dishounored) .
    الصراع بين الإستقلاليين بقيادة حزب الامة والوحدويين الذين كانوا يعتقدون ان مصر وراء عبدالرحمن المهدى الذى يعتقد انه يسعى ان يكون ملكاً للسودان ، وهزيمة حزب الامة فى الانتخابات قد ساهمت فى الاتجاه نحو إعلان الاستقلال من داخل البرلمان.
    ولكن لتهدئة مخاوف الجنوب، وتمهيد الطريق أمام الاستقلال ، تعهّدت الطبقة السياسية الشمالية بقرارٍ من البرلمان، في 22 ديسمبر 1955، بالموافقة على إضافة فقرة فى إعلان الإستقلال تتعهد فيها بأن مطلب الحكم الفيدرالى سوف تنظر فيه الجمعية التأسيسية المرتقبة بعين الاعتبار due consideration عند الاستقلال كضمان لخصوصية الجنوب. بقبول ممثلي الجنوب لذلك التعهّد، انتقل السودان إلي الاستقلال في مطلع يناير 1956، إلا أنهُ بعد مضى أسابيع قليلة، قادت الأحزاب في شمال السودان، التي أعلنت التزامها بالنظر بعين الاعتبار لمطلب الفدرالية، حملة ضارية ضد فكرة الفدرالية، بل وصفتها بأنها مخطط استعماري محض.
    وفي تبريرٍ رفض لجنة الدستور للنظام الفيدرالي أوضحت اللجنة على لسان السيد محمد أحمد محجوب أنها أولت مطالب الجنوبيين للحكم الفيدرالي اعتباراً جاداً للغاية وتوصّلت إلى أن ذلك لن يكون مجدياً للسودان.
    وقد أوضح السيد محمد أحمد محجوب أن قرار البرلمان في 19 ديسمبر عام 1955 بطلبه للجمعية التأسيسية القادمة إعطاء النظام الفيدرالي الاعتبار الكافي كان فقط لإستمالة الجنوبيين حتى يصوتوا للإستقلال، ولم يكن عن قناعة السياسيين الشماليين بالنظام الفيدرالي.
    الامر المؤلم هو وقوف قانونيين مرموقين هما محمد احمد محجوب و مبارك زروق ليقولا أمام لجنة الدستور بأن الذى أتفق عليه ليس هو منح الجنوب الفيدرالية وإنما فقط النظر بعين الاعتبار للمطلب وقالوا برفض لكل ما يقسم السودان وأن النظام الفيدرالى يمثل الخطوة الأولى نحو الإنفصال. هذان القانونيان يعلمان جيداً أن غاية النظام الفيدرالى هى السماح بوجود أشكال سياسية محلية متنوعة داخل حدود قومية عريضة وكان هذا أمراً ما كان يجب أن يغيب عن عقول السياسيين ورجال القانون لولا سياسة المراوغة. وهكذا فى إطار إستمرار الشمال فى نقض عهوده، قررت لجنة الدستور في مايو 1958، بأغلبية آلية، أن عيوب الفدرالية تفوق محاسنها .
    أثار هذا القرار غضب الأعضاء الجنوبيين في اللجنة، وعبر الأب ساترنينو لاهورو، إنابة عنهم، فقد ألقى كلمةً أمام البرلمان السوداني بالخرطوم في يوم الخميس 19 يونيو عام 1958 كانت شاملةً ومتكاملةً في تصوّرها للعلاقة بين شمال وجنوب السودان. تحدّث الأب لوهوري بإسهابٍ عن التباينات والخلافات الثقافية والعرقية والدينية واللغوية بين طرفي البلاد، وأعمال لجنة الدستور التي كان قد تمّ اختياره عضواً فيها. وقد طرح الأب لوهوري في ذلك التصوّر بوضوحٍ موقف ومطالب السودانيين الجنوبيين السياسية التي تمثّلت في إدارة الجنوب شئونه بنفسه تحت مظلة النظام الفيدرالي في إطار السودان الموحّد. اختتم الأب لوهوري كلمته بالآتي:
    “إن الجنوب لا يكِنُّ أبداً نوايا سيّئة نحو الشمال. إن الجنوب يطالب فقط بإدارة شئونه المحلية في إطار السودان المُوحّد. كما أنه ليست لدى الجنوب نيّةٌ للإنفصال عن الشمال لإنه لو كان ذلك هو الحال فليس هناك قوّةٌ على الأرض تستطيع منع الجنوب من المطالبة بالإنفصال. فالجنوب يطالب بإقامة علاقة فيدرالية مع الشمال، وهذا بلا ريب حقٌ يستحقه الجنوب بمقتضى حقِّ تقرير المصير الذي يمنحه المنطق والديمقراطية للشعب الحر. وسينفصلُ الجنوبُ في أي وقتٍ بطريقةٍ مباشرة أو غير مباشرة متى أراد الشمالُ ذلك، من خلال سيطرة الشمال على الجنوب سياسياً واجتماعياً واقتصادياً." وبعد نصف قرنٍ من الزمان تحقّقت تلك النبوءة وإنفصل جنوب السودان عن شماله ولنفس الأسباب التي ذكرها الأب لوهوري.
    إتسمت علاقةُ الحاكمين فى الشمال بجنوب السودان منذ نهاية الأربعينيات من القرن الماضي بنقض المواثيق، تمثّل أولُ وأهمُ نقضٍ لتلك المواثيق في تجاهلِ ثم رفضِ مطلب الجنوبيين لقيام نظامٍ فيدرالي بين طرفي البلاد تمّ ذلك الرفض من داخل الجمعية التشريعية 1948، وأيضاً من داخل لجنة دستور إستانلي بيكر عام 1951، وارتبط ذلك ارتباطاً وثيقاً باستقلال السودان. تراكم غبن أبناء الجنوب على المعاملة الإقصائية والاستعلائية التي لقوها في السنوات التي تلت مؤتمر جوبا، وعلى الاستخفاف بمطالبهم وتجاهلها، وعدم وجود قنواتٍ يستطيعون من خلالها توصيل آرائهم ومتابعة تطبيق ما تمّ الاتفاق عليه. أدّى ذلك إلى تمرّد حامية توريت في 18 أغسطس عام 1955. وقد كان قرار نقل الحامية الجنوبية للشمال في تلك الظروف، كما ذكر تقرير لجنة التحقيق في التمرّد التي ترأسها القاضي توفيق قطران، "والإصرار على عدم تغيير الأوامر بدون أن تكون هناك خطط مضادة أو أن توضع مثل هذه الخطط .... يدل على عدم اكتراث بأرواح وممتلكات المواطنين الآخرين." الأمر الذى إعتبرته اللجنةُ نفسها "خطأً عظيماً."
    وبينما كانت الخرطوم تحتفل بالاستقلال في بداية يناير عام 1956، كانت جوبا تشهد أحد مسلسل القصاص من الذين شاركوا في حوادث توريت التي جرت في أغسطس عام 1955. فقد تمّ في نفس أسبوع الاستقلال إعدام الملازم رينالدو لويولا، أحد المتهمين بقيادة تمرد توريت في 18 أغسطس عام 1955، ومعه مجموعة من زملائه من أبناء الجنوب الذين تمّت ادانتهم إثر محاكمات عاجلة افتقرت إلى أبسط قواعد العدالة والنظم القانونية.
    كان يمكن للسودان أن يظل دولةً موحدةً إذا كنا قد احتفلنا باستقلالنا في الفاتح من يناير عام 1956 كدولةٍ فيدرالية، كما وعدنا أبناء وبنات الجنوب. بل كان يمكن أن نفتخر ونعتز في ذلك اليوم أننا الدولة الأولى في أفريقيا والعام العربي التي استطاعت أن تحيلَ تباينتها العرقية والدينية واللغوية والثقافية إلى مصدرٍ للقوة والتعايش السلمي تحت مظلة الفيدرالية.

    3-المائدة المستديرة ولجنة الاثنى عشر- معركة الدستور
    أثناء الحكم العسكرى الاول (1958-1964) إستخدم نظام عبود الدين لأسلمة وتعريب جنوب السودان، فقد قام النظام بالتضييق على نشاط البعثات التبشيرية وقام بإغلاق المدارس التابعة للكنائس، فى تلك الفترة نالت فكرة الدستور الإسلامي تأييدًا قويًا من الأحزاب الكبيرة ودخل قضية الشريعة الإسلامية في قلب صراع الهوية في السودان. قبل الإستقلال برز توجه واضح نحو وضع دستور البلاد على مبادئ الشريعة الإسلامية، ومن ثم بدأ اتصال الحركة الإسلامية بقيادة الهيئات والطوائف الدينية والأحزاب السياسية لتأييد الفكرة في إطار تجمع شعبي شامل يتجاوز التقسيمات الحزبية والولاءات المحدودة وكانت الاستجابة ناجزة وواسعة النطاق . وجّه الإخوان المسلمون " وجماعة التبشير الإسلامي والإصلاح" الدعوة إلى الهيئات الإسلامية في السودان لعقد اجتماع في دار جماعة التبشير الإسلامي بأم درمان للنظر في أمر الدستور حتى يجئ متفقا مع إرادة الشعب السوداني المسلم ومستندا إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلي الله عليه وسلم وعقد الاجتماع الذى حضره ممثلون للهيئات الموضحة أدناه :
    اتحادات الختمية – هيئات الأنصار – الإخوان المسلمون – أنصار السنة – خريجوا المعهد العلمي – صوت الإسلام – جماعة القرض الحسن – الجمعية الخيرية الإسلامية – جماعة التبشير الإسلامي والإصلاح – مؤتمر الهيئات الإسلامية – نادي أم درمان الثقافي – جماعة المحافظة على القرآن الكريم بأم درمان - جماعة المحافظة على القرآن الكريم بشمبا – النادي الثقافي الإسلامي بالخرطوم بحري – جماعة اللواء الأبيض وجماعة السيرة المحمدية . وشهد ذلك الاجتماع تأسيس جبهة الدستور الإسلامي وانتخاب الأستاذ عمر بخيت العوض المحامي وعضو المكتب التنفيذي لحركة الإخوان المسلمين في السودان أمينا عاما ( وكان يسمي السكرتير العام لجبهة الدستور ) وشكلت لجان العمل تحت إشراف السكرتير العام وهي :
    لجنة الاتصال ومهمتها الاتصال بالشخصيات والهيئات وشرح أهداف الجبهة ومبادئها .
    لجنة الدعاية ومهمتها الإشراف على إعداد الليالي الإسلامية والمحاضرات وتنظيمها والدعاية لها.
    لجنة الصحافة والإذاعة ومهمتها الاتصال بالصحف والإذاعة وإعداد المقالات والمحاضرات .
    لجنة المال , ومهمتها النظر في وسائل جمع المال وحفظه والإشراف على إنفاقه في أوجه نشاط الجبهة .
    لجنة الأقاليم التي نيط بها تنظيم الصلة بين المركز العام للجبهة وبين اللجان الفرعية في الأقاليم.
    لجنة الأهداف ومهمتها وضع الأهداف العامة للدستور الإسلامي وإصدار النشرات الموضحة لتلك الأهداف .
    وشكلت الأمانة العامة للجبهة من رؤساء اللجان المذكورة. لقد باشرت الأمانة العامة لجبهة الدستور نشاطها على أوسع نطاق لتعبئة الرأي العام السوداني واستنفاره لمناصرة قضية الدستور الإسلامي موضحة أن قضية الدستور ذات طبيعة قومية " لأن العمل الإسلامي في مثل هذه الظروف يقع على عاتق كل المواطنين فردا فردا إذ هو واجب عيني يجب أن يقوم به كل إنسان في أى تنظيم سياسي أو أجتماعي ".
    وكان لزاما على جبهة الدستور أن تنزل إلى ميدان الشعب وتعمل على تعبئته في صورة قومية للمناداة بالدستور الإسلامي ومن أجل ذلك اتخذت التعبئة سبل الاتصال بالأفراد والهيئات والجماعات وقادة الأمة وإقامة الليالي الإسلامية والندوات العلمية والمحاضرات وجري الاتصال بالسيدين الجليلين السيد علي الميرغني والسيد عبد الرحمن المهدي ولقيت فكرة الدستور الإسلامي منهما كل تأييد وعطف وتشجيع وكذلك اتصلت جبهة الدستور بالسيد إسماعيل الأزهري رئيس مجلس الذى رحب بالفكرة وجري اتصال بأعضاء البرلمان السوداني بمجلسيه ( الشيوخ والنواب ).
    اقترن ذلك الناشط بحملة إعلامية قوية وبخاصة بعد صدور صحيفة " الإخوان المسلمون" في شهر يونيو عام 1956 والتي تولي رياسة تحريرها الأستاذ صادق عبد الله عبد الماجد، فقد نشر الأستاذ أحمد صفي الدين مقالات رصينة بعنان" معالم الدستور الإسلامي تناول فيها بإسهاب مفهوم الدستور الإسلامي والأسس التي يقوم عليها والقضايا التي يعالجها كنظام الحكم وشكل الدولة والحقوق الأساسية للأفراد وغيرها من المسائل الدستورية .
    فى مايو 1958 أقر البرلمان تكوين جمعية تأسيسية لوضع مسودة الدستور، لم تفعل هذه الجمعية التأسيسية شيئاً. بعد فشل الجمعية التأسيسية الأولى فى التوصل الى دستور دائم للسودان، أوكلت مهمة وضع الدستور للجمعية التأسيسية التى قامت فى عام 1966 بعد سقوط نظام عبود.
    وكان للصادق المهدى وحسن الترابى دور هام فى تلك الجمعية، فكلاهما كان يعتقد أن المهمة الأولى للحاكمين هى أسلمة الدستور بالإضافة للأهداف السياسية الأخرى والتى يأتى على رأسها القضاء على التيار اليسارى الذى كان قد توّج بطرد أعضاء الحزب الشيوعى من البرلمان فى نوفمبر 1965. لجأ الحزب الشيوعى للقضاء بحجة عدم دستورية القرار، وقد قضت المحكمة العليا بعدم دستورية إلا أن الحكومة امتنعت عن تنفيذ قرار المحكمة وإعتبرت حكم المحكمة حكماً تقريرياً وليس أمراً واجب النفاذ. حقاً لم يكن الصراغ خلافاً مذهبياً أو دينياً وإنما كان صراعاً سياسياً، كان الإسلاميون يخشون من هيمنة شمولية فكرية يسارية، لا حرصاً على توسيع دائرة الحرية وإنما لأن تلك الهيمنة تحول بينهم وبين فرض شمولية سياسية تنسب نفسها للإسلام.
    فى ابريل 1968 أجريت إنتخابات أخرى ، وعقدت الجمعية التأسيسية أول إجتماعتها فى 27 مايو 1968 لإنجاز الدستور. كان من ضمن المقرحات التى قدمت للجنة مقترح من القوى الاسلامية بزعامة الاخوان المسلمين تدعو الى تبنى دستور اسلامى للحكم و برروا ذلك أن بلداً كالسودان قائم على العادات العربية و الاسلامية، وحيث أن غالبية أهل السودان من المسلمين فمن الواجب أن تستقى المبادئ العامة للدستور من الاسلام . سبق كل هذا ومن خارج البرلمان تأسيس لجنة أهلية سميت "الجبهة الاسلامية للدستور" لإعداد مشروع دستور إسلامى كامل و اصدرت بيانات تدعو فيه لاتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق الدستور الاسلامى. عملت هذه اللجنة عبر الضغوط والابتزاز فى استصدار تأييدين هامين لمشروعها: الاول من قاضى القضاة الشيخ حسن مدثر الذى بعث بمذكرة للجمعية التأسيسية يدعوها لوضع دستور إسلامى ، والثانية من السيدين على الميرغنى و عبدالرحمن المهدى يؤيدان فيها إصدار دستور قائم على مبادئ الإسلام.
    الدعوة لتبنى دستور إسلامى رفضته الجمعية التأسيسية، وقالت أن الناس قد يختلفون فى معتقداتهم الدينية ولكنهم يتفقون على أمور أخرى، وأن السودان يتألف من أهل معتقدات وأديان مختلفة، الامر الذى يتطلب البحث عن هوية أوسع ينتمى لها المواطنون بدلاً من الانتماء لديانة معينة. كما ذكرت أن مبدأ المساواة القانون يحتم عدم إقامة الدولة على أساس دينى.
    النهج الذى تبناه الاسلاميون لأسلمة السياسة وفقاً لسوابق موروثة من الفقه القديم، خالطه نفاق أضر بالإسلام ولم يفد منه التجديد. فإدعاء الاسلاميون أن الاسلام والشريعة مرادفان لكلمة واحدة هى محاولة لفرض منطق مقلوب، فالشريعة تمثل مجموعة أحكام فى الفقه والتشريع تطورت عبر السنين على يد الفقهاء لتلبية إحتياجات أزمنتهم ، ومع تبدل الأزمنة و بروز إهتمامات إجتماعية جديدة و ضوابط معيارية مستحدثة أصبح لزاماً على المسلمين صياغة شريعة جديدة قائمة على أصول الاسلام للتجاوب مع الظروف التى إستجدت. ثم ان الشريعة لم تطبق فى السودان من قبل إلّا فترة المهدية بطريقة مشوهة لم تتطابق مع تقاليد الممالك الاسلامية السالفة فى السودان، ولا الانظمة التى تبعتها كالتركية التى كانت تحكم البلاد بإسم الخلافة الإسلامية مروراً بحقب الاستعمار وما بعد الاستقلال، فلم تكن الشريعة مصدراً للتشريع إلا فيما يتعلق بالأحوال الشخصية للمسلمين. وكذلك ليس صحيحاً أن القوانين التى ظلت سائدة فى السودان طوال الفترة الاستعمارية، وإستمر العمل بها بعد الاستقلال مع تطويرها على يد القضاة السودانيين كانت تتعارض مع الدين و الاعراف إلا فيما يتعلق بتطبيق الحدود.
    تحالف الصادق المهدي مع جبهة الميثاق الإسلامي في الترويج لمشروع الدستور الإسلامي عام 1968 قد تسبب فى عدم الإستقرار السياسي الذي نتج من تعدد الإئتلافات والإهتمام بالدستور الإسلامي والأزمة الدستورية الناتجة عن حل الحزب الشيوعي في تجاهل التنمية وحل مشكل الجنوب مما أدي لإنقلاب مايو 1969. ومن المفارقات أن انقلاب مايو (1969-1985) الذي أعلن في بدايته أن أحد مبرراته هو إيقاف مؤامرة الدستور الإسلامي قد انتهى به المطاف في عام 1983، بإعلان تطبيق الشريعة الإسلامية عبر ما عُرف بقوانين سبتمبر 1983. وقد كان إلغاء قوانين سبتمبر أحد المطالب الرئيسية لانتفاضة إبريل 1985، وظل واحدًا من أهم محاور الصراع السياسي طيلة فترة الديمقراطية الثالثة (1985-1989)، وشرطًا أساسيًا من شروط الوصول إلى تسوية سلمية للحرب الأهلية التي الدائرة منذ 1983. ولم يكن انقلاب 1989، معزولاً عن ذلك الصراع، إذا أن أحد الدوافع الأساسية لقيامه هو أن الحكومة الديمقراطية كانت على وشك الوصول إلى تسوية سلمية بموجب إتفاقية السلام السودانية 1988(الميرغنى/قرنق)على أساس إلغاء قوانين سبتمبر. وقد أوقف الانقلاب تنفيذ ذلك الاتفاق وأعاد التأكيد على عقوبات الحدود بسنه للقانون الجنائى لسنة 1991.
    المائدة المستديرة 1965
    بعد سقوط النظام العسكري للجنرال عبود، قامت حكومة تسيير أعمال برئاسة سر الختم خليفة. وكتب وليام دينق عن حزب "سانو" رسالة إلى سر الختم يقترح فيها عقد مؤتمر حول قضية جنوب السودان - عكس ما ادّعت بعض الأحزاب الشمالية وقياداتها أن فكرة مؤتمر المائدة المستديرة هي من بنات أفكارها .
    وافقت حكومة السودان على الاقتراح وأرسلت وفداً إلى كمبالا للتفاوض مع أعضاء سانو في المنفى. إلا أن الإختلاف بين سانو والزعماء الجنوبيين وهم وليام دينق نيال ، آقري جادين ، جوزيف أودوهو ، وغوردون مورتات ماين كانت عميقة جداً. وبعد مفاوضات معمقة، توصلت الوفود من الجنوبية وحكومة السودان إلى اتفاق على عقد مباحثات. كان المشاركون فى المؤتمر 18 ممثلا عن الأحزاب السياسية السودانية و24 من السياسيين الجنوبيين ، وقد حضر المؤتمر مراقبون من أوغندا وكينيا وتنزانيا وغانا ونيجيريا والجمهورية العربية المتحدة ، لعبت تلك الدول دوراً محايداً وأعطت دعماً محدوداً لسانو لأن السودان دولة عضو في منظمة الوحدة الأفريقية. ذلك المؤتمر هو أول محاولة سودانية جادة للبحث عن السلام.
    قاد وفد حزب الأمة الصادق المهدي، والوطني الاتحادي إسماعيل الأزهري، وحزب الشعب الديمقراطي علي عبدالرحمن، والحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب، وجبهة الميثاق الإسلامي حسن الترابي، وجبهة الهيئات سيد عبد الله السيد.
    تمّ اختيار البروفيسور النذير دفع الله (الذي كان وقتها مديراً لجامعة الخرطوم) رئيساً للمؤتمر، وعاونته سكرتارية شملت السادة محمد عمر بشير، وعبد الرحمن عبد الله، ويوسف محمد علي . افتتح المؤتمر في جوبا، إلا أن أعمال شغب وحرائق في جوبا دفعت المؤتمر للانتقال إلى الخرطوم.
    منذ البداية ساد التوتّر على المشاركين في مؤتمر المائدة المستديرة، فقد كان ذلك أولَ لقاءٍ شمالي جنوبي منذ مؤتمر جوبا عام 1947. امتدّ هذا التوتر إلى ممثلي الحزبين الجنوبيين. وبرز الخلاف بين مجموعتي سانو والتي قرّرت العودة للسودان وتسجيل الحزب والعمل من الداخل بقيادة السيد ويليام دينق، والمجموعة التي قرّرت البقاء في المنفى والعمل من الخارج بقيادة السيد أقري جادين، ولكن تمّ اتفاقٌ في نهاية الأمر بدمج الوفدين.
    وقد برزت ثلاث اتجاهات بين الفرقاء الجنوبيين وهي:-
    1. الموقف الاول نادى به وليام دينق وهو إقامة إتحاد فيدرالي.
    2. الموقف الثانى للسيد آقري جادين الذي اِنتُخِب رئيساً لسانو، وكان يفضـِّل التفاوض مع الحكومة إذ طالبت جماعته بالاستقلال السياسي للجنوب.
    3. موقف جوزيف أودوهو الذي كان قد اِستُبدِل مؤخراً من رئاسة سانو وعـُيــِّن في سانو أميناً للشئون الدستورية، كان يرفض التفاوض مع الحكومة؛ وكان موقناً بأن لا شيء مثمر سيأتي بالمفاوضات.
    4. نادت جبهة الجنوب، وكان يمثلها غوردون مورتات ماين، بحق تقرير المصير الجنوب.
    عقد المؤتمر في الفترة من 16-29 مارس 1965 بهدف مناقشة العلاقات الدستورية بين السودان وجنوب السودان، واختلف الجنوبيون داخل المؤتمر إلى ثلاثة أقسام، قسم مطالب بالوحدة وآخر بالانفصال وثالث طالب بالحكم الذاتي في إطار سودان موحد فدرالي، وأبدى الجنوبيون رغبة في أن يكون البت في الخيارات الثلاثة عبر استفتاء عام، لكن الأحزاب الشمالية جميعها وقفت ضد تلك الرغبة، وأوضحت أن أقصى ما يمكن أن تمنحه للجنوب هو وضع خاص يشمل قيام مجلس تشريعي للإقليم ومجلس وزراء محدود تنحصر صلاحياته في أمور التعليم والصحة والزراعة ، وبالطبع رفض الجنوبيون ذلك العرض وردوا بالمطالبة بالفدرالية.
    بين الدول المراقبة الست، لعبت أوغندا دوراً محورياً في جمع الجنوب والشمال معاً لمناقشة قضاياهم الداخلية. وقد ندد علناً وزير الداخلية الأوغندي، فيلكس أوناما بالزعماء الجنوبيين في المنفى الذين رفضوا العودة لمائدة التفاوض . بالإضافة لذلك، فقد عارضت الدول المراقبة فكرة الانفصال ودعمت التمازج بين الجنوب والشمال. وقد برز ذلك بوضوح في خطاب وزير المناجم النيجيري، الذي قال: “المشاكل التي تواجهونها اليوم ليست محصورة في بلدكم. فنحن في نيجيريا نعرفها جيداً، وهي مشاكل لابد وأن تواجه أي بلد بحجمكم وتعددكم. وقد واجهتنا لكن بعون الله وتصميم قادتنا، توصلنا لحل مقبول مبني على سلسلة من التنازلات من كل الأطراف، أنا مؤمن بشدة أن بإمكانكم أيضاً فعل الشيء نفسه.” كما حذر السيد أوناما، ممثل أوغندا في المؤتمر، من مخاطر التدخل الأجنبي في خلافات البلد والذي قد يؤدي بشكل سلبي إلى إلى عدم الوحدة بين الأفارقة.
    وبسماع الجنوبيين لخطابات المراقبين أيقنت الوفود الجنوبية أن أي حملة عسكرية تسعى لانفصال المنطقة الجنوبية عن السودان لن تلقى دعماً يُذكر من الدول المجاورة.
    ألقى السيد سر الختم الخليفة رئيس وزراء حكومة اكتوبر كلمة افتتاح المؤتمر وضح فيه قضية الجنوب فى إطارها التاريخى الصحيح وأبرز ما جاء فيه:-
    مشكلة الجنوب معقدة لاسباب تتعلق بجغرافية القطر وتكوينه البشرى ، ولأسباب سياسية تاريخية تعود الى الاستعمار وأخرى معاصرة بسبب الحكومات القومية المتعاقبة.
    تجارة الرقيق المخزية التى قام بها أسلافنا كانت وصمة عار، ومع إنقضائها تركت شعوراً من الكراهية و عدم الثقة أججه الاستعمار والاوربيين المنافقون.
    الظن الخاطئ بأن مشكلة الجنوب هى مسألة أمنية وليست مشكلة سياسية قومية.
    التفاوت فى درجات النمو الاقتصادى لا يعانى منه الجنوب وحده بل تعانى منه ايضاً مناطق أخرى فى الشمال مثل دارفور و كسلا.
    نجح المؤتمر فى إتخاذ قرارات محددة لم تكن لتشكل أساساً لإقرار سلام دائم و عادل ، تقرر مثلاً:
    أن المصالحة الوطنية ضرورة حتمية ،وأن الخلافات في الرأي لا تستعصي على الحل ، وأن تسوية هذه الخلافات لا يمكن أن تتم إلا بالطرق السلمية ،ولذا :
    أولاً: تتخذ الحكومة الخطوات الازمة لإعادة الوضع في الجنوب إل ى حالته الطبيعية.
    ثانياً: إتباع الخطوات السياسية بشأن توظيف الجنوبيين فى مناصب ووظائف مختلفة ، والعمل على تكافؤ الفرص ، والمساواة في الأجور وألاّ يكون هناك تمييز بسبب المعتقدات الدينية أو اللغة أو العنص. وحرية الاديان وتقديم الخدمات. وتشكيل مجلس اقتصادي قومي للتنمية الاقتصادية تنبثق عنه وكالة للتنمية الاقتصادية في الجنوب وإنشاء جامعة جوبا.
    ثالثاً: يعلن المندوبون المشتركون في هذا المؤتمر تصميمهم على رفع المظالم التي حاقت بالجنوب.
    رابعاً: نتائج وتوصيات المؤتمر:
    أوصى المؤتمربتكوين لجنة تضم أثنى عشر عضواً لدراسة مسألة التنظيم الدستوري والإداري الذي يحمى المصالح الخاصة للجنوب كما يحمى المصالح العامة للسودان ، وأن تقدم اللجنة نتيجة أعمالها إلى المؤتمر الذي ستدعوه الحكومة للانعقاد خلال ثلاثة شهور.
    كانت كلمة سر الختم الخليفة رئيس وزراء الحكومة عند افتتاح المؤتمر وإن وضع المشكلة فى إطارها الصحيح فى جوانب كثيرة ومناداته بروحٍ جديدة لحل مشكلة الجنوب وإنهاء الحرب والبدء في بناء السودان. لكنه أغضب الزعماء الجنوبيين عندما عزا بعض المشاكل للاستعمار الإنجليزي وسياسة المناطق المقفولة، وإشارته لتجارة الرق ، وأن ذلك النشاط المخجل قد عتّم تاريخ العنصر البشري في كل العالم، وليس في السودان فقط وأن الخارجين على القانون (قوات الأنيانيا) ستقوم الحكومة بواجبها نحو حفظ الأمن لحماية المصالح القومية ، ولذلك إتبعت سياسة العنف و القهر فلم تكن كلمة رئيس الوزراء موفّقةً البتّة كفاتحةٍ للمؤتمر.
    كردّةِ فعلٍ كانت كلمة السيد أقري جادين ممثل حزب سانو في الخارج حادةً في نقدها للشمال، ركّز فيها على الخلافات بين شطري القطر، وأعلن فيها أنه لا يوجد شيءٌ مشترك بين الاثنين ، لا عادات ولا تقاليد ولا هوية ولا لغة ولا دين ولا مصالح، وأن شطري القطر قد فشلا في التعايش معاً. وذكّر السيد جادين الشماليين بنقض وعدهم فيما يختص بالنظام الفيدرالي الذي تمّ الاتفاق عليه في شهر ديسمبر عام 1955. ولكنه أضاف أن الأوضاع قد تغيّرت منذ عام 1955، وأنه قد آن الأوان لانفصال جنوب السودان عن شماله لأن الوحدة على الجنوب مفروضة بالهيمنة العسكرية والاقتصادية."
    واصل السيد غوردون مورتات السير في طريق السيد أقري جادين معدّداً مجالات التباين والخلاف بين الشمال والجنوب ومذكّراً بنقض وعد الفيدرالية، ولكنه طالب بحق تقرير المصير لجنوب السودان، وليس الانفصال.
    أما السيد ويليام دينق فقد أعاد الحجج التي ساقها في رسالته للسيد سر الختم الخليفة في المطالبة بالنظام الفيدرالي الذي يمكن بالإرادة السياسية تعايش طرفي البلاد تحت مظلته، وأشار إلى أن النظام الفيدرالي كفيلٌ باستيعاب التباينات العرقية والدينية واللغوية والثقافية بين الشعبين. وأشار السيد ويليام دينق إلى رفض الأحزاب الشمالية النظام الفيدرالي عام 1958، ولكنه أوضح أن ذلك الوضع يمكن تصحيحه خلال المؤتمر بعد ان اتضح خطأه واستعرت الحرب الأهلية بسبب ذلك الخطأ.
    ممثلي الأحزاب الخمسة الشمالية وجبهة الهيئات إتفقوا كلهم على رفضهم التام لكلِّ ما يمكن أن يقسّم السودان، بما في ذلك النظام الفيدرالي، ومعلنين إصرارهم على وحدة السودان. وقد أوضحوا أسباب رفضهم للنظام الفيدرالي بأنه يمثل في نظرهم الخطوة الأولى نحو الانفصال. وقد علت الهتافات باللغة الإنجليزية " No federation for one nation لا فيدرالية لأمّةٍ واحدة!"
    ولعل أكثر خطاب فى المؤتمر شدّ الانتباه الى الانغلاق الفكرى للساسة الشماليين كان هو خطاب إسماعيل الأزهري ممثل الحزب الوطني الاتحادي في المؤتمر حول مطلب الفيدرالية مصرّاً على أن الجنوب كان وسيظل جزءاً من السودان. وأشار السيد إسماعيل الأزهري إلى أن النظام الفيدرالي الغرض منه هو جمع دولٍ مستقلة تحت غطاءٍ واحد، وليس تقسيم دولةٍ واحدة إلى دولتين - ويبدو أن الأزهري وممثلي الأحزاب الأخرى قد خلطوا بين الفيدرالية والكونفيدرالية، أعلن السيد الأزهري اعتزازه بتراثه الإسلامي والعربي، وأدّعى أن اللغة العربية هي أكثر اللغات المستعملة في أفريقيا، مما أكد التوجّه العربي الإسلامي للسودان كبرنامجٍ للأحزاب الشمالية.
    كانت إحدى أكبر المشاكل التي قابلت مؤتمر المائدة المستديرة هي عدم تمثيل الحركات المسلّحة التي كانت تقود العمل العسكري في الجنوب. وقد تجاهلتها الحكومة على اعتبار أنها منظمات متمرّدة على القانون والنظام ولا مكان لها في طاولة المفاوضات. بالإضافة إلى هذا فقد بات واضحاً أن القوة الدافعة للمؤتمر قد بدأت في التلاشي. فقد غادر السيدان أقري جادين وغوردون مورتات السودان وعادا إلى منفاهما في يوغندا والكونغو بعد أن رفضت الأحزاب الشمالية جميع مقترحات الأحزاب الجنوبية، بما فيها الفيدرالية .
    كان خطاب رئيس الوزراء قد حدد بوضوح خطوط المعركة ولكن ، وبدلاً من أن يكون الحوار بين جبهتين ، أحزاب الشمال وأحزاب الجنوب ، تآمرت الاحزاب الشمالية على المفاوضين الجنوبيين لكسر شوكتهم وتعقيد موقفهم. فأضاع الساسة الشماليون فرصةً تاريخية لبقاء السودان موحّداً برفضهم النظام الفيدرالي، وكيف تدهور مؤتمر المائدة المستديرة إلى لجنة الاثني عشر، ثم إلى لاشئ.
    لجنة الاثنى عشر
    تواصل عقد مؤتمر المائدة المستديرة لمدة أسبوعين، وصدرتْ قراراتُ المؤتمر في 30 مارس عام 1965 وكان من ضمن التوصيات تكوين لجنة من اثني عشر عضواً لتتولّى بحث الوضع الدستوري والإداري الذي يضمن مصالح الجنوب الخاصة، كما يضمن مصالح البلاد عامةً، وقد أُعطيتْ اللجنة بجانب ذلك الصلاحيات التالية:
    (أ) أن تكُونَ لجنةَ رقابة تشرف على تنفيذ الخطوات والسياسة المتّفق عليهما.
    (ب) أن تُخطّطَ وسائل إعادة الأحوال في الجنوب إلى الأوضاع العادية ، وأن تدرس الخطوات اللازمة لرفع حالة الطوارئ في الجنوب واستتباب الأمن وحكم القانون، على أن تُعرض النتائج التي تتوصّل إليها لجنة الاثني عشر على المؤتمر الذي ستدعو له الحكومة للانعقاد خلال ثلاثة أشهر.
    تكوّنت لجنة الاثني عشر من ستة جنوبيين وستة شماليين، وشملت السادة بونا ملوال، واثوان داك، وغوردون أبيي من جبهة الجنوب، والسادة أندرو ويو، ونيكانورا أقوي، وهيلري أوشالا من حزب سانو. وشملت عضواً واحداً من كلٍ من الأحزاب الشمالية وجبهة الهيئات هم السادة محمد أحمد المرضي من الحزب الوطني الاتحادي، محمد داوود الخليفة من حزب الأمة، الفاتح عبود من حزب الشعب الديمقراطي، حسن الترابي من جبهة الميثاق الإسلامي، محمد إبراهيم نقد من الحزب الشيوعي السوداني، وسيد عبد الله السيد من جبهة الهيئات، ويُلاحظ اختفاء معظم القياديين الذين حضروا مؤتمر المائدة المستديرة، مما يشير إلى تدهور أهمية المؤتمر وقضية الجنوب نفسها بين أوساط القيادات السياسية الشمالية. وضح ذلك خلال جلسات اللجنة، فلم يكن هناك حرصٌ من أعضاء اللجنة الشماليين على حضور اجتماعات لجنة الاثني عشر، وتغيّبوا عن الكثير من تلك الاجتماعات مما أوضح عدم الجدّية بين أعضاء اللجنة الشماليين. فقد أوضح السيد يوسف محمد علي الذي عمل رئيساً للجنة الاثني عشر أن حزب الشعب الديمقراطي حضر أربع اجتماعاتٍ من ثمان اجتماعاتٍ قبل أن يقرّر الانسحاب من اللجنة، بينما حضر الحزب الشيوعي سبع اجتماعاتٍ من مجمل 12 اجتماع قبل أن يقرّر هو الآخر الانسحاب أيضاً من اللجنة. بلغت اجتماعات لجنة الاثني عشر في مجملها 48 اجتماع ، تغيّب حزب الأمة عن عشرٍ منها، بينما تغيّبت جبهة الميثاق الإسلامي عن 14، وجبهة الهيئات عن ثماني، والحزب الوطني الاتحادي عن ثلاث اجتماعات. من الجانب الآخر فقد حضر مندوبو جبهة الجنوب وحزب سانو كل الاجتماعات، ولم يتغيّبوا عن جلسةٍ واحدة. لا بُدّ أن الرسالة التي أرسلتها هذه النتائج للأحزاب الجنوبية هي غياب الجدّية من جانب الأحزاب الشمالية.
    واجهت لجنة الاثني عشر مجموعةً من المشاكل ، فقد أخطر جنوبيو المنفى اللجنة أن جنوبيي الداخل، ومن بينهم السيد ويليام دينق، لا يمثلونهم، وعليه فإن المؤتمر لم يعدْ يعنيهم. وبعد أسابيع قلائل من بداية عمل لجنة الاثني عشر قاطع ممثلا حزب الشعب الديمقراطي والحزب الشيوعي أعمال اللجنة وانسحبا منها.
    كانت لجنة الاثني عشر قد أكملت تقريرها في 26 يونيو عام 1966، غير أنه بسبب الوضع السياسي غير المستقر فلم ترفع اللجنة تقريرها حتى 26 سبتمبر عام 1966، كانت الخلافات بين الشماليين والجنوبيين داخل لجنة الاثني عشر كبيرةً وجوهرية، وتضمّنها التقريرُ بالتفصيل. شملتْ تلك الخلافات مسألة أعمال العنف في جنوب السودان، وعلى من تقع مسئوليتها: الجيش أم المتمردين. وشملت أيضاً مسألتي إعادة الأحوال إلى طبيعتها في الجنوب، وإعادة الأمن وحكم القانون، وأيهما تأتي أولاً، وامتدت الخلافات لتشمل أيضاً مسألتين جوهريتين:
    أولاً: إن كان الجنوب سيكون إقليماً واحداً كما طالب الجنوبيون، أم سيظل ثلاث مديريات كما أصرّ الشماليون.
    ثانياً: طريقة اختيار الشخص الذي سيرأس السلطة التنفيذية في الإقليم الجنوبي أو في كلٍ من هذه المديريات بالانتخاب كما طالب الأعضاء الجنوبيون، أم بالتعيين بواسطة الخرطوم كما أصرّ الأعضاء الشماليون ، كما شملت الخلافات أيضاً طلب الأعضاء الجنوبيين أن يكون لإقليم الجنوب حق إنشاء حرسٍ محلي لمساعدة قوات الأمن، والتي رفضها الأعضاء الشماليون بشدّة.
    وكانت الأحزاب الشمالية قد بدأت في توجيه وتركيز كلِّ جهودها لانتخابات الجمعية التأسيسية التي ستُشكِّل الحكومة وتضع الدستور. عليه فقد كانت قيادات الأحزاب على عجلةٍ من أمرها خلال مؤتمر المائدة المستديرة للتفرّغ للانتخابات. وبات واضحاً أن عقد المؤتمر وإجراء الانتخابات في نفس الوقت كان خطأً كبيراً وفادحاً. فقد اختارت الأحزاب أن تضع جلَّ جهدها وطاقتها وزمنها في الانتخابات، وأخذ المؤتمر بعد ذلك اهتماماً ثانوياً منها. ساهمت الأحزاب الشمالية وحكومات فترة الحكم المدني الثانية في إفشال دور وأعمال اللجنة، وفي وأد الآمال بالحلِّ السلميّ لمشكلة الجنوب فقد كانت إحدى نقاط الخلاف الرئيسية التي واجهت اللجنة هي مسألة إدانة أعمال العنف في جنوب السودان. وقد اختلف الطرفان الشمالي والجنوبي في نقطةٍ جوهريةٍ حولها، وهي: على مَنْ تقع مسئولية أعمال العنف؟ طالب الشماليون بإدانة أعمال العنف التي تقوم بها "قوات الأنيانيا الإرهابية." ورأي الأعضاء الجنوبيين أن أعمال العنف التى تقوم بها الأنيانيا، كما تقوم بها القوات الحكومية، يجب إدانة الاثنين معاً، وهذا ما رفضه الأعضاء الشماليون رفضاً قاطعاً.
    هذه النقطة تعكس جوهر النزاع الشمالي الجنوبي ، فبالنسبة للسياسيين الشماليين على اختلاف مواقعهم في الساحة السياسية في ذلك الوقت – إسلامي وعلماني، أو يساري ويميني، أو عسكري ومدني فإن ما كان يحدث في الجنوب هو عمليات إرهابية تقوم بها مجموعاتٌ متمرّدة يجب ردعها بكافة الوسائل، وإعادة القانون والنظام. بالنسبة للساسة الشماليين الذين ظلّوا مهيمنين على الساحة السياسية بلا مساءلة، فإن الجيش الحكومي يمكن أن يرتكب المجازر (مجزرتي جوبا وواو وغيرهما ، إعدام 15 من السلاطين الجنوبيين أمام أسرهم) دون مساءلة، لأنه يؤدّي دوره وواجبه الوطني لإعادة القانون والنظام.
    كانت نقطة الخلاف الثانية بين الجانبين الشمالي والجنوبي تتعلّق بمسألة إعادة الأحو إعادة الأمن وحكم القانون فى الجنوب والتى لم يمكن التوفيق بينها .
    أوصى تقرير اللجنة بتحويل عددٍ من الصلاحيات، بما فيها الحكم المحلي، إلى كلٍ من مديريات الجنوب الثلاثة، وإنشاء مجلس تشريعي محلي لإجازة القوانين المحلية ومراقبة السلطة التنفيذية والتي سيرأسها شخصٌ تختاره الحكومة المركزية والمجلس التشريعي ، غير أن الخلاف بين الأعضاء الشماليين والجنوبيين داخل اللجنة في هذه التوصية كانت كبيرة وواسعة، ويمكن تلخيصها في ثلاث مسائل جوهرية:-
    1. كانت نقطة الخلاف الأولى تتعلّق بالتقسيم الجغرافي لجنوب السودان. فقد رأى الأعضاء الجنوبيون أن تكوّن مديريات الجنوب الثلاثة (أعالي النيل وبحر الغزال والإستوائية) إقليماً واحداً. رفض الشماليون في اللجنة هذا الطلب، وجادلوا بأن بقاء الجنوب إقليماً واحداً سيساعد على إبقاء حالة المواجهة بين الشمال والجنوب، ولذا لا بُدَّ من بقاء تقسيم الجنوب إلى ثلاث مديريات .
    2. نقطة الخلاف الثانية حول طريقة اختيار الشخص الذي سيرأس السلطة التنفيذية ، فقد أصرّ الأعضاء الشماليون على أن تقوم الحكومة المركزية في الخرطوم بتعيين هذا الشخص بعد التشاور مع المجلس التشريعي المحلي. بينما رأى الأعضاء الجنوبيون أن يتم انتخاب هذا الشخص انتخاباً مباشراً بواسطة سكان الإقليم. وقد رفض الأعضاء الشماليون حتى مقترح الأعضاء الجنوبيين الوسط بأن يقدّم المجلس التشريعي في الجنوب مرشحين تختار الحكومة المركزية أحدهما.
    3. تمثّلت نقطة الخلاف الثالثة في طلب الأعضاء الجنوبيين أن يكون لإقليم الجنوب حق إنشاء حرس محلي لمساعدة قوات الأمن ، فالجيش السوداني قد ارتبط في ذهن المواطن الجنوبي بالتسلّط والقتل منذ عام 1955، ولا يجب أن يتوقّع الشماليون أن ينسى الجنوبيون ذلك، وينسوا أيضاً مجزرتي واو وجوبا. رفض الأعضاء الشماليون هذا المقترح بشدّة، وأصرّوا على أن تلك مسئولية الجيش النظامي فقط ، وأن سيادة السودان لا تسمح بها.
    كانت الخلافات الثلاثة خلافاتٍ جوهرية ، والنظرة المتأنيّة لها ترجّح كفة الجانب الجنوبي في المنطق والموضوعية . فمسألة إدارة الجنوب كإقليمٍ واحد أو كثلاثة أقاليم كان يجب أن تكون مسألةً داخلية تخصّ ساسة وقادة الجنوب وحدهم، فهم على درايةٍ بمناطقهم وأهلهم واحتياجاتهم. كذلك إصرار الساسة الشماليين أن يكون رئيس السلطة التنفيذية معيّناً بواسطة الخرطوم، وليس منتخباً بواسطة السكان الذين سيحكمهم، أو بواسطة جهازهم التشريعي، كما طالب الجنوبيون في اللجنة لا يسنده منطق .
    لم يَعِدْ السيد رئيس الوزراء بتطبيق قرارات مؤتمر المائدة المستديرة. بل أوضح أن حكومته ستهتدي (وليس ستلتزم) بوحي قرارات المؤتمر (وليس بالقرارات نفسها). ثم أوضح دون مواراة تفاصيل الحل العسكري الكامل الذي تبنّاه لقضية الجنوب من قضاءٍ على العصابات المسلّحة، وتعقّبٍ للمجرمين، وتأديبٍ للمتمردين، كما أسماهم ، وأطلق يد الجيش بلا قيود أو ضوابط ، وانتقاده مراراً وتكراراً لجنة الاثني عشر وأنها قد فشلت في مهمتها . بالطبع فقد أثّرت هذه السياسات وتطبيقها على الأرض في الجنوب على أعمال لجنة الاثني عشر، وعلى مواقف القيادات الجنوبية من اللجنة. كان مؤتمر المائدة المستديرة وقوّة الدفع التي نتجت من ثورة أكتوبر فرصةً تاريخيةً نادرةً وكبيرةً لحلِّ مشكلةِ الجنوب في إطار السودان الموحّد. لكنَّ الساسة الشماليين أهدروا تلك الفرصة الذهبية للحفاظ على وحدة السودان برفضهم مرّةً ثانيةً النظام الفيدرالي، وإصرارهم بغطرسةٍ وعنادٍ على نظامٍ مركزيٍ تحت مظلتي الإسلام والعروبة.
    أضاف الصادق المهدي تعقيداً آخر لأعمال لجنة الاثني عشر في مؤتمر الأحزاب السياسية السودانية الذي عُقِد لمناقشة تقرير لجنة الاثني عشر ، افتتح الصادق المهدي المؤتمر بوصفه رئيساً للوزراء وأعلن أن عقد مؤتمر المائدة المستديرة لمناقشة تقرير لجنة الاثني عشر لا يغني عن تحويل الأمر للجنة الدستور. دار جدلٌ آخر حول هل سيناقش مؤتمر الأحزاب السياسية السودانية كلَّ توصيات لجنة الاثني عشر، أم سيتقتصر النقاش على نقاط الخلاف فقط. أصرّ الدكتور حسن الترابي على نقاش المؤتمر لكل توصيات لجنة الاثني عشر واعتبر أن المؤتمر من حقّه قبول أيةٍ من هذه التوصيات أو رفضها.
    وبدلاً من أن يستدعي "مؤتمر المائدة المستديرة"، بعد تلقيه لتقرير "لجنة الإثني عشر"، التي شكلها المؤتمر لترفع تقاريرها إليه، آثر رئيس الوزراء الصادق المهدى عقد ما أسماه "مؤتمر عموم الأحزاب"، والذي قاطعته قوى سياسية معتبرة من الشمال والجنوب، ولم يتوصّل إلى مخرجات، تصلح كأساس للإجماع حولها، حتى لو شاركت فيه كل الأحزاب الشمالية. وقد واصل الصادق المهدي سياسات تصعيد الحرب في جنوب السودان التي سنّها محمد أحمد محجوب. وأعلن أن عقد مؤتمر المائدة المستديرة لمناقشة تقرير لجنة الاثني عشر فقط، وطالما أن لجنة الدستور كانت ستطبخ دستوراً إسلامياً عربياً للسودان، فقد كان واضحاً أن الغرض من هذه المناورة هو أن تكون مقررات لجنة الاثني عشر غير ملزمةً للجنة الدستور.
    روي كمال الدين...... المحامى فى فيديو شائع وكان عضواً فى لجنة الأثنى عشر ممثلاً لحزب الامة (ربما حل لاحقا مكان محمد داؤد الخليفة)، انهم توصلوا لحل مع الطرف الجنوبى لكن الصادق المهدى لم يقبل بمقررات اللجنة ولم يستمع لنصح لممثل حزبه بل كان يستشير الدكتور حسن الترابى، ولذلك يرى أن الرجلين مسئولان عن خراب السودان.
    ليس صحيحاً البتّة أن مؤتمر المائدة المستديرة أثمر مشروعاً لحلِّ المشكلة في إطار الاعتراف بالتنوع وإقامة الحكم الذاتي الإقليمي ، فقد فشل المؤتمر ولجنة الاثني عشر ومؤتمر الأحزاب فشلاً ذريعاً في حلِّ مشكلة السودان فى الجنوب. ومع الانهيار الفعليّ لأعمال المؤتمر، و"لجنة الإثني عشر" المنبثقة عنه بغرض متابعة ما خرج به من مقررات محدودة، لم ترقَ لدرجة تشكيل أساسٍ لإقرار سلامٍ دائمٍ وعادل، صدرت شهادة وفاة أول مبادرة سودانية لتحقيق السلام .

    4- الوحدة الجاذبة، تكرار نقض المواثيق (اتفاقية أديس أبابا – اتفاقية السلام الشامل)
    في 25 مايو 1969 إستولى العقيد جعفر محمد نميري على السلطة ، وفي 9 يونيو 1969، وأعلن عن سياسة حكومته تجاه مشكلة جنوب السودان بما عرف "ببيان 9 يونيو" الذى كان للحزب الشيوعى دور كبير فى صياغته، وإعتمدت الاتفاقية علي قرارات "لجنة الاثني عشر" أساساً لها والتي عجزت الأحزاب عن تنفيذها، أكد الإعلان على إعتراف الحكومة بالتباين الثقافي بين الشمال والجنوب وحق الجنوب في أن يبني ويطور ثقافاته وتقاليده في نطاق سودان اشتراكي موحد، ومحملاً الإستعمار مسؤولية التطوير غير المتكافئ بين شقي البلاد في الشمال والجنوب، كما جاء في البيان عزم الحكومة العمل على إنشاء الحكم الذاتي الإقليمي للجنوب في نطاق السودان الموحد. وتطبيقاً لذلك تقرر الأتى:-
    i. إستمرار ومد فترة العفو العام.
    ii. وضع برنامج اقتصادي اجتماعي ثقافي للجنوب.
    iii. تعيين وزير لشؤون الجنوب.
    iv. تدريب كادر متمرس لتولي المسؤولية.
    v. دعوة الجنوبيين إلى التعاون والمحافظة على الأمن، وناشد المقيمين منهم في الخارج بالعودة إلى السودان والمساعدة في تحقيق غايات إعلان 9 يونيو.
    في مايو 1970 عرض مجلس الكنائس العالمي وساطته بين حكومة السودان وحركة تحرير السودان بقيادة جوزيف لاقو في جنوب السودان لوضع حد للحرب الأهلية وتسوية مشكلة جنوب السودان. قبلت حكومة نميري بالوساطة في يوليو1971حيث جرت جولات المفاوضات في اديس أبابا بسرية تامة، ولعب مجلس الكنائس العالمي بمساعدة مجلس كنائس عموم أفريقيا دوراً رئيساً في الترتيب والإعداد للمفاوضات والجمع بين طرفي التفاوض، حكومة السودان وحركة تحرير السودان.
    بدأت الجولة الأولى للمفاوضات الرسمية في فبراير 1972 تحت رعاية الإمبراطور الإثيوبي هيلا سلاسي الأول، وترأس وفد الحكومة السودانية ابيل الير نائب رئيس الجمهورية ووزير شؤون الجنوب، وضم الوفد وزراء الخارجية والداخلية والحكومات المحلية والخدمة والإصلاح الإداري، بينما ترأس وفد حركة تحرير السودان إزبوني منديري وضم وفده كلاً من مادينق دي قرنق، ولورنس وول، واوليفر البينو، وفريدريك ماقوت وآخرين. وحضر المفاوضات بصفة مراقب ممثل للإمبراطور هيلا سلاسي وممثلون لمجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس عموم أفريقيا ومجلس كنائس السودان. وتواجد في اديس ابابا اثناء المفاوضات الخبير القانوني البريطاني المعروف سير دنقل فوت، كمستشار قانوني لوفد حركة تحرير السودان. واتفق الطرفان على أن يقوم القس برغس كار سكرتير مجلس كنائس أفريقيا الليبيري الجنسية بدور الوسيط اثناء المفاوضات.
    توصل الطرفان إلى التوقيع على الاتفاقية التى عرفت بإتفاقية أديس أبابا في 27 فبراير 1972 بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا بين حكومة جمهورية السودان وحركة تحرير السودان لإنهاء الحرب الأهلية السودانية وأُدرجت نصوصها في دستور السودان و تضمنت:-
    1. مشروع القانون الأساسي لتنظيم الحكم الذاتي الإقليمي في مديريات السودان الجنوبية وملحقاته التالية:
    ملحق أ: الحقوق الأساسية والحريات. ملحق ب: مشروع قانون بشأن بنود الإيرادات.
    2. اتفاقية وقف اطلاق النار.
    3. بروتوكولات التدابير المؤقتة وتعالج مسألة العفو العام والترتيبات القضائية واعادة التوطين والترتيبات الادارية وتشكيل وحدات قوات الشعب المسلحة في الجنوب.
    تم إدراج مشروع القانون الاساسي لتنظيم الحكم الذاتي الإقليمي في مديريات السودان الجنوبية الذي اتفق عليه في أديس أبابا في قانون الحكم الذاتي الإقليمي للمديريات الجنوبية الذي بدأ العمل به في 3 مارس 1972.
    السلطة التشريعية
    سلطة التشريع في الإقليم حسب الإتفاقية يمارسها مجلس الشعب الإقليمي الذي يتولى حفظ النظام العام والأمن الداخلي في إقليم جنوب السودان وإدارته بطريقة رشيدة وتنميته في الميادين الثقافية والاقتصادية والاجتماعية. ومنحت الإتفاقية المجلس إلى جانب مجالات الصحة والتعليم والزراعة والغابات والمراعي واستثمار الأراضي والثروة الحيوانية وغيرها، السلطات الآتية:
    تطوير واستخدام الموارد المالية لتنمية وإدارة إقليم جنوب السودان.
    التشريع فيما يتعلق بالعرف والعادات.
    تطوير اللغات والثقافات المحلية.
    التعدين والتحجير مع عدم المساس بحقوق الحكومة المركزية عند اكتشاف الغاز الطبيعي والمعادن.
    التجنيد لخدمات الشرطة والسجون وتنظيمها وإدارتها وفقاً للسياسات والمعايير القومية.
    ويحظر على المجلس الأتى:-
    يحظر على المجلس إصدار تشريع أو ممارسة آية سلطات بشأن المسائل ذات الطابع القومي من بينها الدفاع الوطني، والشؤون الخارجية، والجنسية والهجرة، والعمل والنقد، والتخطيط للتنمية الاقتصادية، والتخطيط التربوي.
    أعطت الإتفاقية رئيس الجمهورية حق الاعتراض على أي مشروع قانون اقليمي يرى أنه يتعارض مع الدستور، على أنه يجوز لمجلس الشعب الإقليمي بعد اطلاعه على وجهة نظر رئيس الجمهورية ان يعيد عرض مشروع القانون مرة أخرى.
    يحق للمجلس طلب تأجيل العمل بالقوانين القومية وكذلك حق طلب سحب مشروعات القوانين القومية المعروضة أمام مجلس الشعب القومي إذا رأى ان هذه القوانين أو مشروعات القوانين تمس رفاهية أو حقوق المواطنين في اقليم جنوب السودان. ويجوز لرئيس الجمهورية، إذا رأى ذلك مناسباً ان يستجيب للطلب. وإذا استجاب رئيس الجمهورية لهذا الطلب فيجب على مجلس الشعب الإقليمي أن يبدي وجهة نظره خلال خمسة عشر يوماً من الاستجابة للطلب. ويقوم رئيس الجمهورية بإبلاغ وجهة نظر مجلس الشعب القومي مصحوبة بملاحظاته الخاصة إذا رأى ضرورة لذلك.
    يجوز للمجلس فرض رسوم وضرائب اقليمية بالإضافة إلى الرسوم والضرائب المركزية والمحلية وإصدار التشريعات والأ وامر اللازمة لتحصيل جميع الأموال العامة على مختلف المستويات:
    السلطة التنفيذية
    اسندت الإتفاقية السلطة التنفيذية في الإقليم إلى المجلس التنفيذي العالى يباشرها نيابة عن رئيس الجمهورية. يعين رئيس الجمهورية رئيس المجلس التنفيذي العالي ويعفيه بناء على توصية من مجلس الشعب الإقليمي. وكذلك يعين ويعفى اعضاء المجلس التنفيذي العالي بناء على توصية من رئيس المجلس التنفيذي العالي.
    القوات المسلحة
    يشكل مواطنو اقليم جنوب السودان نسبة من مجموع ضباط وجنود قوات الشعب المسلحة وذلك باعداد تتناسب والحجم السكاني لإقليم جنوب السودان، على أن يخضع استخدام قوات الشعب المسلحة التي في داخل اقليم جنوب السودان في مسائل تخرج عن إطار الدفاع الوطني لإشراف رئيس الجمهورية بناء على نصيحة من رئيس المجلس التنفيذي العالي.
    نصت الإتفاقية على التدابير العسكرية المؤقتة التى تتعلق بتشكيل وحدات لقوات الشعب المسلحة في اقليم جنوب السودان، تقضي هذه التدابير المضمنة في الباب الثاني من البروتوكولات بأن تتكون قوات الشعب المسلحة في اقليم جنوب السودان من 12000 ضابط وجندي يكون 6000 منهم من اقليم جنوب السودان و6000 من خارج الإقليم. وتشكيل لجنة عسكرية مشتركة من الجانبين للقيام بمهمة تجنيد واستيعاب أبناء اقليم جنوب السودان في قوات الشعب المسلحة على أن تكون هذه التدابير سارية لمدة خمسة أعوام إلا أنه يجوز لرئيس الجمهورية اعادة النظر فيها بناء على طلب رئيس المجلس التنفيذي العالي وبموافقة مجلس الشعب الإقليمي.
    نتائج الإتفاق
    حصل جنوب السودان بموجب الإتفاقية على الحكم الذاتي للإقليم الجنوبي كإقليم واحد مكون من ثلاث مديريات يتولى إدارة الاقليم مجلس تنفيذي عالي، تشرف عليه جمعية تشريعية إقليمية (مجلس الشعب الإقليميّ) تتمتع بصلاحيات واسعة للإشراف على كل جوانب الإدارة، باستثناء ما يدخل في حيّز سلطات المركز، الذي أتاح له إدارة شؤونه بنفسه بحرية تامة ولبت مطلب الجنوبيين بالاعتراف بوضعهم الخاص من خلال اعترافها بالتباين الثقافي والإثني فيما عدا امور اعتبرت من سلطات الحكومة المركزية كالدفاع وقد دمجت قوات حركة الأنانيا في صفوف الجيش السوداني، كذلك أعتبر من سلطات الحكومة المركزية الشؤون الخارجية، والعملة وتخطيط التعليم، والتجارة الخارجية، والجنسية والهجرة.
    تحسنت علاقات السودان بجيرانه من الدول الإفريقية خاصة إثيوبيا التي كانت تدعم حركة تحرير السودان، فبعد خمسة أشهر من التوقيع على الاتفاق مع حركة تحرير السودان، تبادل وزير خارجية السودان منصور خالد ووزير خارجية إثيوبيا مناسي هايلي في يوليو 1972 مذكرات لتسوية نزاع الحدود بين البلدين، بمقتضى هذه المذكرات إعترفت إثيوبيا بسيادة السودان على مثلثي ام بريقة والفشقة.
    صدر دستور دائم للسودان في عام 1973 م ليعالج قضايا ظلت في محل جدل بين شمال السودان وجنوبه ومن بينها مسألة هوية السودان وعلاقة الدين بالدولة وتقسيم السودان إلى اقاليم ،وقد تبنى الدستور وجهة النظر التي عكستها اتفاقية اديس ابابا. فقد نصت المادة «9» على ان الشريعة الإسلامية والعادات هي مصادر التشريع الرئيسية وان الأحوال الشخصية لغير المسلمين تخضع لقوانينهم الخاصة.
    المشاكل والعقبات التي واجهت تطبيق الاتفاقية
    دمج قوات المتمردين السابقين
    قوبلت عملية دمج مقاتلي الأنيانيا في القوات المسلحة السودانية بمعارضة من جانب المقاتلين الجنوبيين خاصة في عام 1975 عندما رفض عدد من افراد الأنيانيا تنفيذ أوامر نقلهم إلى الشمال وقاموا باطلاق النار على القوات التي جاءت لتحل محلهم، مما ادى إلى مصرع قائدها وعدد من الجنود، وهرب عدد من مقاتلي الأنيانيا في اعقاب الحادث باسلحتهم إلى الغابات في الجنوب وكانوا النواة الأولى التي تشكلت منها الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1983.
    ب. شكوك في المشاريع التنموية المركزية بالجنوب
    عندما قررت الحكومة المركزية الاستفادة من المياه التي تضيع في منطقة المستنقعات بالجنوب من خلال حفر قناة في منطقة جونقلي قوبل بالرفض المشروع بالرفض بأنها محاولة من الحكومة المركزية في الشمال ومن مصر لاستنزاف موارد الإقليم الجنوبي من المياه بالرغم من الحكومة السودانية أعلنت بأن الأراضي التي سيتم تجفيفها ستسخدم في إقامة مشاريع يستفيد منها السكان المحليين بالجنوب. وفي عام 1974 اندلعت مظاهرات طلابية في مدن جنوبية كجوبا و ملكال عندما سرت إشاعات بأن الحكومة تنوي توطين مليوني مصري في جنوب السودان لاستغلال الأراضي الخصبة في الجنوب، وبالتالي التأثير على التركيبة الديموغرافية فيه.
    ج. اكتشاف النفط في الجنوب
    عندما اكتشف النفط في ولاية الوحدة في اعالي النيل بجنوب السودان من قبل شركة شيفرن الأمريكية عام 1979 م، طرأت مشكلة حول قرار بناء مصفاة النفط في مدينة كوستي بالشمال، وذلك عندما طالب النواب الجنوبيين بمجلس الشعب (البرلمان) بأن يكون مقر المصفاة في بانيتو نفسها فقررت الحكومة بناء خط انابيب إلى مدينة بورتسودان على ساحل البحر الأحمر، حيث توجد مصفاة، وفي عام 1984 توقف مشروع التنقيب عن النفط نهائياً بعد أن اندلعت الحرب الأهلية الثانية وأصبح المشروع هدفاً لعمليات الحركة الشعبية لتحرير السودان.
    د. إعادة تقسيم الإقليم الجنوبي وإنهاء الاتفاقية
    نصت إتفاقية أديس أبابا على أقليم واحد في الجنوب، وكانت قبيلة الدينكا، كبرى قبائل الجنوب تشكل الأغلبية في أجهزة الحكم الذاتي في الجنوب مما أدى إلى تخوف بعض قادة وسياسيي القبائل الجنوبية الصغيرة بالأخص فى المديرية الإستوائية من سيطرة الدينكا على السلطة في الجنوب، فدعت إلى تقسيم الإقليم الجنوبي إلى ثلاث مناطق لكسر مركزية الحكم الإقليمي وتمكين القبائل الصغيرة من حكم مناطقها المحلية بنفسها.
    شكلت فكرة التقسيم موضوع انتخابات عام 1982م في الجنوب، وجاءت نتيجة تلك الانتخابات على النحو التالي: دعاة التقسيم وكان نصيبهم 34 مقعداً وأنصار وحدة الإقليم الجنوبي وكسبوا 49 مقعداً ومجموعة ثالثة سمت نفسها مجموعة التغيير وكانت حصيلتها 28 مقعدا، وكان واضحاً انتصار أنصار الوحدة، إلا دعاة التقسيم تمكنوا من كسب دعم حركة التغيير لمطلبهم ونجحوا في في تشكيل حكومة ائتلافية في الإقليم، الأمر الذي ادى بالرئيس نميري إلى اصدار قرار تقسيم الجنوب إلى ثلاثة اقاليم في يونيوعام 1983 م، وفي الشهر ذاته اعلن الدكتور جون قرنق ، العقيد بالقوات المسلحة السودانية، والمنتمي إلى قبيلة الدينكا عن تأسيس الجيش الشعبي لتحرير السودان وجناحه السياسي الحركة الشعبية لتحرير السودان من عناصر حركة الإنيانيا (2)، وانطلقت الحرب الأهلية السودانية الثانية وكانت تلك بداية النهاية لإتفاقية اديس أبابا وبعد أربع أشهر من اندلاع الحرب أعلن الرئيس نميري عن تطبيق قوانين إسلامية عرفت لاحقاً بقوانين سبتمبر. وباشتداد الحرب في الجنوب تمت الإطاحة بحكم الرئيس نميري في ابريل 1985 م، عبر إنتفاضة شعبية واستلمت السلطة في السودان حكومة انتقالية من العسكريين والمدنيين بقيادة المشير عبد الرحمن سوار الذهب ، وقد بادرت الحكومة الانتقالية بالاتصال بالحركة الشعبية التى قادت الحرب إلاَّ أن رد فعل الحركة لم يكن ايجابياً في البداية حتى تمكن التجمع الوطني للإنقاذ الذي قاد الانتفاضة الشعبية من التوصل لإتفاق معها في إثيوبيا مارس 1986عرف باتفاق كوكادام.
    كانت هناك آراء جنوبية ترى أن هذا الاتفاق لن يدوم طويلا طالما أنه لم يقد إلى تغيير جذري في هيكل السياسة السودانية وفي قضايا رئيسية، منها فصل الدين عن السياسة ومسألة القوميات وإدارة شؤون الأمن في الجنوب والمشاركة الشعبية في الاتفاق وإطلاق الحريات العامة. وصدرت إعتراضات عديدة من القيادات الجنوبية على الممارسات التي تحدث في الجنوب، ومحاولات القيادات الجنوبية أن يكون لها دور رئيسي في الحكم، مما حدا بالنميري بمعاونة جوزيف لاقو للنكوص عن أحكام الاتفاق وتفكيكها بقرار التقسيم الى ثلاثة مديريات بدلاً من الاقليم كنص الاتفاقية. و أودع فى السجون من ناصروه وهم: بونا ملوال، هيلارى لوقالى، بيتر قاركوث، قاما حسن، كلمنت أومبورو وأمين عكاشة قائلاً " الإتفاقية ليست قرآناً أو إنجيلاً، لقد صنعت الإتفاقية مع جوزيف لاقو وها نحن نلغيها اليوم.
    إلغاء إتفاقية أديس أبابا كانت أحدى خدع الشمال التى لها ما بعدها، فعدم الاستجابة لمطلب الفيدرالية عند الإستقلال وما سبق من الغش و الإفساد خلال مؤتمر جوبا وكثير من العهود و الاتفاقيات المبرمة فى أوقات مختلفة و النكوص منها كل هذا كان له أثره التراكمى فى أستقلال جنوب السودان فيما بعد.

    تحالف الاسلاموعروبيين- الدستور الاسلامى- المصالحة الوطنية –الحوار الوطنى
    فى 2 يوليو 1976 قامت الجبهة الوطنية المعارضة وكانت تمارس نشاطها فى ليبيا بحركة مسلحة ضد نظام مايو بقيادة جعفر محمد نميرى عرفت فى وقتـها (بحـركة الـمرتزقة). تكونت الجبهة الوطنية من الحركة الاسلامية بقيادة حسن الترابى وحزب الأمة بقيادة الصادق المهدى و الحزب الاتحادى الديمقراطى ، لم تنجح الحركة فى محاولتها وفشلت فى إسقاط نظام مايو فقررت مصالحة النظام فكانت المصالحة فى عام 1977 .
    يرى الاستاذ على السيد المحامى فى مقالته: (الحركة الاسلامية من المهد للنظام الخالف) أن فكرة مصالحة نظام مايو لم تأتى فى عام 1977 ، إنما هى فكرة قديمة للترابى منذ عام 1971 بعد فشل حركة يوليو . وقد شاركت الحركة الاسلامية نظام مايو بعد حوار وشد و جذب بين قيادتها و التى إنقسمت إلى جماعة معارضة للمصالحة وأخرى مؤيدة لها ، وثار جدل كثيف حول المشاركة وجدوى التورط فى العمل مع نظام عسكرى باطش ، وما هى مشروعية والحكمة السياسية وجواز مصالحة نظام لا يحكم بما أنزل الله .
    المؤيدين للمصالحة كان على رأسهم الترابى ، فكان رأيهم أن المشاركة ليست هوى فرد واحد وإنما صادرة من شورى الجماعة ومؤسسة على تدبير يتوخى مقاصد الدين وإنها ليست للإعانة على الظلم ، وإنما هى من المجاهدة و المنازعة للقوى اللادينية المتحكمة لتحويل النظام نحو الإسلام . يقول الترابى فى هذا الصدد أنه من ضمن اسباب أخرى أن مشاركتهم كانت فرصة للتمكين و بسط فكر الحركة الإسلامية ، ولأن النظام وعد بتطبيق الشريعة الاسلامية .
    الطرف الثانى فى المصالحة الوطنية مع نظام نميري هو حزب الامة بزعامة الصادق المهدى . رضخ نميري للمصالحة استجابة لضغوط اقليمية عنيفة مورست عليه بعد الحملة العسكرية التي باغتت بها الجبهة الوطنية حكومته ، كما استجاب لها الصادق عندما عرضت عليه في شكل رأي استشاري من مستشاره الاكبر (توماس جراهام) الذي يذكر في كتابه Sudan: Death of a Dream انه هو الذي صاغ فكرة المصالحة الوطنية في السودان في اوائل 1977 واقنع بها وزارة الخارجية البريطانية ، والامريكيين ، واقنع بها الرئيس أنور السادات ، مرجع: (هذا هو الصادق المهدى – موقع الفكرة الجمهورية) ،كما أكدت ذلك ابنته ام سلمة الصادق المهدى فى مقالها: (الصادق المهدى: سجين أم سجان) عندما قالت: "وبالنسبة للمعارضة أدرك أهم طرف فيها وهو حزب الأمة أن المقاومة المسلحة بعد حركة يوليو ستملي عليهم شروط وأجندة الدول التي تساعدهم فكانت استجابتهم لوساطة المصالحة الوطنية في 1977 دون تأخير".
    بعد المصالحة دخل الصادق المهدى اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي وعضواً في المكتب السياسي، وأدى قسم الولاء للنظام ، وقد حدد نقاط الإتفاق مع نظام مايو فى الاتى:
    انه لم يعد هنالك خلاف حول ان تكون التنمية والنظام الاقتصادي على اساس اشتراكي .
    لم يعد هنالك خلاف على ان يكون التشريع في البلاد إسلامياً مع مراعاة حقوق الاقليات الدينية .
    أن المعارضة متفقة اساسا على نظام رئاسي جمهوري في الحكم .
    لم يعد احد يطالب بان تكون القوات المسلحة كما هي في النظم اللبرالية بعيدة عن المسيرة السياسية فميثاق الجبهة الوطنية ينص على اهمية المشاركة السياسية للقوات المسلحة دون ان يؤثر ذلك على الانضباط اللازم لكينونتها.
    هنالك اتفاق على اهمية الحكم الذاتي الإقليمي لجنوب السودان.
    لكن الشريف حسين الهندى يفيد أن المكتب السياسى للجبهة الوطنية كان قد إجتمع و حدّد عشرة شروط وقعوا عليها جمعياً ، وقع عن الحزب الاتحادى الديمقراطى كل من الشريف الهندى واحمد زين العابدين وعن حزب الامة الصادق المهدى وعن الاخوان المسلمين عثمان خالد ووقع عن المستقلين محمود صالح عثمان صالح ، وكونوا لجنة قانونية صاغت المقترحات العشر فى مذكرة مكتوبة وممهورة تسلمها الصادق تكون هى أساس المفاوضات مع نميرى . لكن كانت نقاط الإتفاق بين الصادق المهدى النميرى مختلفة تماماً عما اتفق عليه المكتب السياسى للجبهة الوطنية .
    وبعدها ثار الجدال عن شروط المصالحة وما إتفق عليه ، فالنميرى يقول أنه ليس هناك شروط و ليس هناك مفاوضات أو اتفاق بينما يقول الصادق أن هناك إتفاق ولكنه غير مكتوب ، ولكن الوسيط الذى كلفه كل من شريف التهامى وعبدالحميد صالح بالمصالحة جزم بأنه ليس هناك شروط إطلاقاً ، لا فى بورتسودان ولا بعدها ولا قبلها . أخيراً إتفق نميرى و الصادق على تكليف لجنة لمناقشة المسائل الأخرى، كانت كلها متعلقة بإسترجاع ممتلكات خاصة لا علاقة لها بالمصالحة الوطنية إذ كانت فقط مصالح شخصية للصادق المهدى مثل الدائرة و مبانيها، محلج و معصرة ربك ، مزارع و تعويضات و ما فاته من الاشتراك فى مصالح ومكاسب النظام خلال الفترة السابقة .
    كل ما تقدم يكشف لماذا عارض الصادق نظام مايو في البداية، ثم صالحها، ثم عاد يعارضها من جديد؟ فالدافع لتأييد النظام كانت لأطماع وأغراض شخصية ، فالاتفاق الذى تم مع النظام فى جميع المسائل التي ذكرها الصادق المهدى كانت قائمة قبل المصالحة الوطنية مما يجعل معارضته للنظام بلا سبب موضوعي ، فالسبب والهدف دائماً وفي جميع الحالات واحد وان اختلفت الوسائل وتناقضت. فالصادق عندما يعارض هو يسعى الى السلطة وعندما يؤيد هو يسعى للسلطة ايضا ، أدى قسم ولاء غليظ كالاتى: (اقسم بالله العظيم ان اكون مخلصا وصادقا لثورة مايو الاشتراكية وان ادعم تحالف قوى الشعب العاملة وتنظيمها القائد الاتحاد الاشتراكي السوداني). وهو عهد قطعه على نفسه امام الله وامام التاريخ، وامام الشعب ، وهو واجب الوفاء ديناً، وخلقاً ، لأنه كما هو واضح قسم غير مشروط بأي شروط ، ولكن الصادق كالعهد به دائما لم يكن وفياً ولا صادقاً.
    وكذلك الحال بالنسبة لحركة الاخوان المسلمين ، فقد دخلت في المصالحة الوطنية ضمن جماعة الجبهة الوطنية ولكنها ارتضت لنفسها الاستمرار في معادلة الحكم العسكرى الشمولي دون التزام بأية مواقف مبدئية .
    وختاماً يقول الشريف حسين الهندى ، وهو أحد الشهود الذين صنعوا أحداث ما سمى بالمصالحة الوطنية "ليس هناك مصالحة وطنية إطلاقاً ولا يستطيع الصادق أن يدّعى أن هناك مصالحة وطنية ، هناك مصالحة شخصية حول محالج ودوائر وممتلكات لا علاقة لها بمسيرة الحركة الشعبية الوطنية .
    جاء الحوار الوطني السوداني نتيجة لتطاول الحرب الأهلية (جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان ودارفور) مقترنة بـالأزمات الداخلية وعدم الاستقرار. فقد وصلت الصراع بين الحكومة ومختلف قوى المعارضة إلى طريق مسدود . على هذه الخلفية ، في يناير 2014 دعا الرئيس السوداني القوى السياسية في البلاد ، بما في ذلك أحزاب المعارضة والجماعات المسلحة ، للانضمام ألىعملية الحوار الوطني.
    يهدف الحوار الوطني إلى إعادة تأسيس الدستور والأساس السياسي للدولة من خلال نهج تعاوني يشمل جميع السودانيين. الهدف المحدد للحوار الوطني كان وضع دستور يحمي ويعيد تأكيد الحقوق والحريات الأساسية والعدالة الاجتماعية لجميع السودانيين. ويرجح ان فكرة الحوار قد تمت بناء على توصية أو استرشادا بالورقة الامريكية التى إقترحها معهد السلام الأميركي والتى تؤسس للحوار المقترح فى السودان وقدمها كل من برينستون ل. ليمان وجون تيمن فى١٣ أغسطس، ٢٠١٣ .
    لجنة التنسيق العالي وكانت من مهامها:
    1- لتنسيق عمل المؤتمر
    2- تقديم الدعوات للسودانيين
    وتتكون اللجنة من اربعة عشر شخصاً برئاسة عمر البشير رئيس الجمهورية، وتتكون من سبعة أعضاء من الحكومة وسبعة ممثلين للمعارضة وهى ما عرفت ب (7+7).
    بدأ الحوار فى 2015 بمشاركة 160 من الاحزاب و الحركات المسلحة بالأضافة للشخصيات الوطنية، وفى عام 2016، إزداد عدد المشاركين حتى بلغ 221 تفاصيلها كالأتى:-
    1- الاحزاب الساسية 108 حزباً.
    2- الحركات المسلحة 38 حركة.
    3- الشخصيات الوطنية 75 شخص.
    توصيات الحوار
    صدرت توصيات كثيرة جدًّا بلغت (994) وفقاً لتقارير اللجان الاتية:-
    1. لجنة السلام والوحدة
    أصدرت اللجنة (36) توصية فاز كلها بالإجماع أهمها ما قُصد به تحقيق السلام في مناطق النزاع وتعزيز الوحدة الوطنية
    2. لجنة الاقتصاد
    ذكرت اللجنة في تقريرها أن السودان لم يحقق النهوض الاقتصادي والرفاه الاجتماعي منذ الاستقلال، رغم امتلاكه موارد طبيعية هائلة وموارد بشرية تؤهله لتحقيق ذلك النهوض المنشود. ويعود ذلك لعدة أسباب، أهمها: الحرب الأهلية والنزاعات المسلحة وعدم التوافق على دستور دائم لإدارة شؤون البلاد ، وأصدرت اللجنة (653) توصية .
    3. لجنة الهويَّة
    ذكر التقرير أن الهوية السودانية اكتسبت بُعدها من الثقافات والأعراق المشتركة عبر تعاقب الحضارات، وغذَّته الأديان السماوية بالقيم الفاضلة. ويستدعي ذلك الإقرار التام بالتنوع والتعدد الثقافي والاجتماعي لمكونات الشعب السوداني، وأصدرت اللجنة (69) توصية.
    4. لجنة العلاقات الخارجية
    بدأت اللجنة تقريرها بالإشارة إلى تداخل وتشابك المصالح مع الدول مما يعني الأهمية المتزايدة لإنشاء علاقات بنَّاءة مع الخارج بناءً على المعطيات الجديدة في العلاقات الدولية مثل ضعف مفهوم الحياد الإيجابي وعدم الانحياز وسيادة الدولة الوطنية التقليدية، كما زاد اهتمام المجتمع الدولي بقضايا حقوق الإنسان. وأصبحت النزاعات الداخلية وانتشار أسلحة الدمار الشامل ومخاطر الإرهاب من مهدِّدات الأمن والسلم الدوليين مما يستدعي تدخلًا من الأمم المتحدة . أصدرت اللجنة (39) توصية أجيزت كلها بالإجماع عدا واحدة تدعو لإنشاء علاقة دبلوماسية مع إسرائيل لم تجاز فسقطت .
    5. لجنة الحريات والحقوق الأساسية
    أصدرت اللجنة (84) توصية فازت بالإجماع عدا ثلاثة (3) وشملت :
    i. حق الشعب في وضع مسودة دستور متفَق عليه تُجاز في مجلس تأسيسي ويُستفتى عليها الشعب.
    ii. المواطنة هي أساس الحقوق والحريات لكل السودانيين.
    iii. الفصل بين السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية.
    iv. حماية الحريات العامة والحقوق المدنية، والالتزام التام بحقوق الإنسان كما وردت في المعاهدات والمواثيق الدولية.
    v. لكل إنسان الحق في حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، وله الحق في التعبير عن دينه وعقيدته وفقًا لما ينظمه القانون العادل، ولا يُكرَه أحد على دين لا يؤمن به.
    6. لجنة قضايا الحكم وتنفيذ مخرجات الحوار
    وضعت اللجنة عددًا من المبادئ لتوفير السند الشعبي لإدارة الدولة، في مقدمتها: التوافق حول الوثيقة الوطنية، وبناء استراتيجية قومية تنبع منها خطة الدولة على هدي توصيات الحوار الوطني، والإصلاح الشامل لأجهزة الدولة، وسيادة حكم القانون والنظام، وروح المؤسسية والحريات. أصدرت اللجنة (108) توصيات أُجيز (100) منها بالإجماع و(8) برأي غالب خضعت لتسوية داخل اللجنة التنسيقية .
    نتج عن ذلك اعتماد الوثيقة الوطنية للسودان لتكون بمثابة الأساس لوضع دستور جديد ولكن يلاحظ عدم مشاركة عدد من أحزاب المعارضة إلا أحزاب صغيرة قريبة من الحكومة وتفتقر لتأثير سياسي حقيقي . الحركات المسلحة الرئيسية بما في ذلك الحركة الشعبية / الجيش الشعبي لتحرير السودان وحركات دارفور المسلحة الرئيسية ، فقد رفضت الانضمام إلى العملية منذ البداية.
    كان يؤمل أن تكون عملية الحوار الوطنى شفافة و تحظى بمشاركة شعبية حقيقة ، إلا أن ذلك لم يحدث فلم يلتزم المؤتمر الوطنى بما نص عليه فى خارطة الطريق التى أعدتها الالية الافريقية رفعية المستوى التي اقترحت مناقشة وقف الأعمال العدائية و وصول المساعدات الإنسانية قبل عقد مؤتمر الحوار الوطني ، والتأخير في عقد الجمعية العمومية للتداول في التوصيات. لذلك كان الحوار غير شامل من حيث التمثيل والجوهر.
    وقد قامت مؤسسة Berghof Foundation الألمانية ، وهى جهة بحثية راسخة بدراسة عدد من الحوارات الوطنية من ضمنها حوار الوثبة السودانى ، فقالت أن العملية تميزت برمتها بعدم الجدوى وعدم التمثيل وغياب الإرادة السياسية والالتزام بالشروط المتفق عليها ، بما في ذلك وقف إطلاق النار والمراسيم الحكومية التي تهدف إلى السماح بنشاط سياسي معارض حر.
    الحركة الشعبية لتحرير السودان –العودة لمنصة التاسيس (كوكادام-مبادرة السلام السودانية-ورشة امبو)
    ظهرت فكرة المؤتمر الدستورى فى السياق السودانى لأول مرة عندما إقتراح الرئيس الراحل جعفر نميري على الراحل الدكتور جون قرنق دي مبيور رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان فى العام 1984 صيغة لتقاسم السلطة بينهما ، فقدم الدكتور جون قرنق بدوره مقترحاً بديلاً يقضى بإقامة المؤتمر الدستورى . تأكدت الفكرة مرة أخرى عند لقاء الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادات الأحزاب والنقابات ممثلة فى التحالف الوطني للإنقاذ الوطني فى كوكادام بأثيوبيا فى 24 مارس 1986 ، وذلك انطلاقا من القناعة بضرورة إنشاء سودان جديد يتمتع فيه الفرد السوداني بتحرر كامل من أغلال الظلم والجهل والمرض ، وأن العملية المؤدية إلى تشكيل السودان الجديد ينبغي أن تبدأ بعقد مؤتمر دستوري وطني .
    إتفق وفد التحالف الوطني للانقاذ الوطني ووفد الحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان على أن الشروط الأساسية التي من شأنها أن تهيئ مناخا مواتيا لعقد المؤتمر الدستوري الوطني المقترح في الخرطوم خلال الأسبوع الثالث من شهر يونيو ١٩٨٦، والشروط هى:
    أ) إعلان من جميع القوى السياسية وحكومة الأمر الواقع التزامهما بمناقشة المشاكل الأساسية للسودان وليس ما يسمى مشكلة جنوب السودان والتي يتم وفقا لجدول الأعمال المتفق عليه في هذا "الإعلان".
    (ب) رفع حالة الطوارئ.
    ج) إلغاء " قوانين أيلول/سبتمبر 1983 " وجميع القوانين الأخرى التي تقيد الحريات.
    د) اعتماد دستور 1956 بصيغته المعدلة في عام 1964 .
    هـ) إلغاء المواثيق العسكرية المبرمة بين السودان ودول أخرى والتي تمس السيادة الوطنية للسودان.
    (و) السعي المستمر من الجانبين لاتخاذ الخطوات والتدابير اللازمة لوقف إطلاق النار.
    وقد اتفق الجانبان على أن يتضمن جدول أعمال المؤتمر ما يلي:
    أ) مسألة القوميات.
    ب) المسألة الدينية.
    (ج) حقوق الإنسان الأساسية.
    د) نظام الحكم
    هـ) التنمية والتنمية غير المتكافئة.
    و) الموارد الطبيعية.
    (ز) القوات النظامية والترتيبات الأمنية.
    (ح) المسألة الثقافية والتعليم ووسائط الإعلام.
    (ط) السياسة الخارجية.
    وقد وقع عن الحركة الشعبية /الحركة الشعبية لتحرير السودان المقدم كاربينو كوانيين بول، وعن التحالف الوطني من أجل الإنقاذ الوطني عوض الكريم محمد ، الأمين العام للتحالف الوطني للانقاذ الوطني.
    أنّ الحكومة الانتقالية، التي شكلتها قوى الانتفاضة السياسية والنقابية، في أعقاب سقوط نظام نميري عام 1985 أولت قضية الحرب اهتماماً ملحوظاً، واتجه إلى الحوار الجديّ مع الحركة الشعبية لتحرير السودان. فانبرى النقابيون المهنيون للاتصال والتواصل مع قيادة الحركة الشعبية، التي توّجت بلقاء كوكا دام ، وشاركتْ فيه، بجانب التنظيمات النقابية، كلّ الأحزاب السياسية، باستثناءالحزب الاتحاديّ الديمقراطيّ ، والجبهة الإسلامية. انتهي الاجتماع بإعلان مشهود تضمّن الاتفاق على عقد مؤتمر قوميّ دستوريّ، كما وافقت الحركة على المشاركة في حكومة وحدة وطنية، تشمل الأحزاب السياسية والجيش والنقابات. وعلى الرغم من اجماع كلّ المؤتمرين على إعلان كوكا دام، دون أدنى اعتراضٍ أو تحفّظ، سرعان ما استنكر الإمام الصادق المهديّ الإعلان الذي وقع عليه ممثلو حزبه، بحجّة أنهم لم يكونوا مفوضين للموافقة عليه، وقد كان أحد أسباب تتدهور العلاقة بين حزب الأمة والحركة الشعبية هو تنصّل حزب الأمة من إعلان كوكا دام بعد أيام من توقيعه عليه في 24 مارس عام 1986. ويعتقد الدكتور منصور خالد أنّ ابتزاز الجبهة الإسلامية، حول ما نصّ عليه الإعلان بشأن "قوانين سبتمبر"، كان له الدور الكبير في تراجع السيد الإمام عمّا أقرّه مندوبو حزبه بتأييد منه.
    مثلت مقررات كوكا دام طفرة هامة في طريق السلام ولاحت فرصة أخرى لتحقيقه والتى نادت بالغاء قوانين سبتمبر التي كان الرئيس نميري قد ابتدعها، فقد انسحب حزب الأمة من إعلان كوكا دام ورفض حتى مبدأ تجميد قوانين سبتمبر، فتبخرّت آمال قوى الانتفاضة، فاستمرّت حالة الحرب.
    مبادرة السلام السودانية (قرنق / الميرغنى) 16 - نوفمبر 1988
    فى 16 نوفمبر 1988 اجتمع كل من الدكتور جون قرنق ديمبيور رئيس الحركة الشعبية والجيش الشعبى لتحرير السودان و مولانا محمد عثمان الميرغنى زعيم الحزب الاتحادى الديمقراطى فى أديس أبابا ، وبعد استعراضهما للمشكلة السودانية وجذورها والفهم الفهم العميق لمعاناة الجماهير السودانية التي تتوق للسلام والاستقرار الالتزام بوحدة شعب السودان وسلامة أراضيه ، ورفض سياسات الحرب والتدمير والحرمان بجميع أشكاله ، قد عقدا العزم على ضرورة بذل جهود لتعزيز وإثراء الممارسة الديمقراطية .أقر الطرفان أن أساس مشكلة السودان هى مشكلة وطنية بطبيعتها وليس بـ "مشكلة الجنوب" من ثم ، لا يمكن حلها إلا من خلال حوار جدي وصادق بين السودانيين والقوى السياسية في المؤتمر الدستوري الوطني المقترح .
    وعليه فإن الطرفان يوافقون بموجب هذا على الأتى:-
    أ. عقد المؤتمر الدستوري القومي كضرورة وطنية ملحة تتطلب من جميع القوى السياسية السودانية جهوداً صادقة ومثابرة لإيجاد مناخ موات لعقد المؤتمر ، فإن الطرفين مقتنعان تماماً أن المتطلبات الأساسية والضرورية لخلق هذا الجو المواتي هي:
    i. لعقد المؤتمر الدستوري الوطني ، لا بد من إستبدال قوانين سبتمبر 1983 بقوانين 1974 ، و في الفترة التي تسبق عقد المؤتمر يتم تجميد جميع الأحكام المتعلقة بـ "الحدود" والمواد ذات الصلة الواردة في قوانين سبتمبر 1983 ، ولا يكون هناك تشريع بشأن أي قوانين تحتوي على مثل هذه المواد حتى عقد المؤتمر الدستوري الوطني والتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن القوانين البديلة.
    ii. إلغاء المعاهدات العسكرية المبرمة بين السودان والدول الأخرى والتي تمس سيادة السودان الوطنية.
    iii. رفع حالة الطوارئ.
    iv. وقف إطلاق النار.
    ب- تشكل لجنة تحضيرية وطنية للاتفاق على مشروع جدول أعمال المؤتمر الدستوري الوطني ومكانه وإجراءاته.
    ج- اتفق الطرفان على أن يكون مكان انعقاد المؤتمر الدستوري القومي في مكان تتفق عليه اللجنة التحضيرية الوطنية بما يضمن الأمن لجميع الأطراف.
    د- اتفق الطرفان على ضرورة عقد المؤتمر الدستوري الوطني بحلول 31 كانون الأول / ديسمبر 1988 شريطة تنفيذ الشروط المنصوص عليها في هذا الاتفاق بما يرضي الأطراف المعنية.
    ه - يدعو الطرفان كافة القوى السياسية السودانية إلى الانضمام الفوري لهذا الجهد الوطني الصادق بما يحقق السلام والاستقرار في بلادنا.
    من مآسى السياسة فى السودان أن الأحزاب السياسية ظلت عاجزة عن إدراك مشكلة السودان ، تلخص ذلك فى إرضاء النخب السياسية والاهلية بالمناصب وبالرشوة وهذا نظر سطحى لجذور المشكلة . لهذا السبب لم ير حزب الامة فى مبادرة الاتحادي الديمقراطى للتفاوض مع الحركة الشعبية إلا محاولة لتسجيل نقاط حزبية ، وقد لجأ الصادق المهدى الى تسويف الأمر ، كما قلل بعض زعماء حزبه من نجاح الميرغنى ، كان بإمكانه كرئيس للوزراء تبنى المبادرة وتفعيلها لأنه هو الجهة المنوط به تنفيذها ولكن بدلاً من ذلك إستغرق جهده فى المناورات والجدال حول بنود الاعلان. الصادق المهدى كان سبباً أساسياً فى فشل إنفاذ إتفاقية الميرغني قرنق لكونها قد وجدت إجماعًا من الشعب السوداني لم يحدث إلا عند إعلان الأستقلال من داخل البرلمان ومسلك الصادق هي أحد الأسباب التى تعلل بها الجيش فى توجيه الانذار للحكومة مفاده إعطاء التفويض لوضع حد للمهانة الناجمة من سلسلة الهزائم من الجيش الشعبى لتحرير السودان ومن ثمّ إستيلاء الانقاذ عاى السلطة.
    اما الجبهة القومية الاسلامية فقد رأت موقف الميرغنى تهديداً لقوانين الشريعة ووصفت الاتفاق بأنه تنكر لشرع الله . كان يوم 30 يونيو 1989 مقرراً أن ينعقد مجلس الوزراء لتبنى مشروع قانون بإلغاء قوانين سبتمبر لأن ذلك يعنى القضاء على أجندة الاخوان المسلمين السياسية الدينية الى الابد ، لهذا السبب أقدم الضباط الاسلاميين داخل الجيش فى الاطاحة بالحكومة فى نفس التاريخ .
    كافح الميرغنى فى صبر المتشددين داخل حزبه الذين يرغبون فى الابقاء على قوانين سبتمبر . أعانه ذلك فهمه لموضوع الدين و السياسة فكان غير أيدولوجياً فى فهمه للأمر إذ قال لصحيفة قاهرية (ان الاسلام فى السودان قائم على الشورى و روح السماحة والأفة و الرحمة و يهتم بشكل اساسى بالكرامة الانسانية التى يصان من خلالها مصير الفرد وشرفه وممتلكاته بالكامل).
    لذلك قال الزعيم الميرغنى للمتشددين الدينيين فى حزبه والذين لم يستوعبوا التحول الذى وقع فى السودان منذ عام 1983، وهى كلمات قوية عندما ترد على لسان زعيم دينى " لو إستمر الوضع الحالى على ما هو عليه فلن يكون هناك سودان أو إسلام" .
    ورشة عمل أمبو 1989
    في الفترة ما بين الرابع. والسابع. فبراير 1989 نظمت مجموعة من المثقفين والأكاديميين المعنيين والملتزمين ورشة عمل حول موضوع "السودان: مشاكل وآفاق ". تم تقديم أحد عشر ورقة علمية تغطي معظم القضايا المقترحة كجدول أعمال المؤتمر الدستوري المقترح. كان الهدف هو صياغة رؤية مشتركة وفهم لمشاكل السودان ، وحيثما أمكن ، صياغة إطار لبرنامج عمل مشترك للقوى الديمقراطية الوطنية. عبر المشاركون عن وجهات نظر مشتركة ، وإن لم تكن متطابقة ، بشأن جميع القضايا ، وفي النهاية تم الاتفاق على عناصر البرنامج وأعلنوا التزامهم بتحقيقه.
    نصت الديباجة أن البلاد تمر بمرحلة مهمة في تاريخه تتميز ، من بين سمات أخرى ، بتكثيف الكفاح المسلح والصراع العرقي الثقافي والتفاوت الهائل بين الطبقات الحاكمة الثرية والجماهير الفقيرة في المراكز الحضرية والمناطق الريفية مما جعل من الضروري أن تتحد القوى الديمقراطية الوطنية بهدف وضع برنامج يمكن على أساسه تعبئة الجماهير لتحقيق الأهداف الرئيسية للثورة لبناء السودان الجديد.
    كان نظام مايو تتويجا لاتجاه تنموي جلب مصالح البرجوازية وبيروقراطية الدولة إلى الاندماج ، مما أدى إلى كشف وتكثيف الاستخدام الاستغلالي لسلطة الدولة. يأخذ هذا التفسير أشكالاً مختلفة كالإستغلال ، مصادرة الاراضى ، ومواصلة سياسة جهود التنمية غير المتكافئة في .
    في مجال الدولة والسياسة والثقافة ، فإن السمات الرئيسية التي ميزت حقبة ما بعد الاستقلال تشمل قمع للدولة للشعوب سواء أكانت عسكرية أم مدنية واستخدام الدين لأغراض سياسية وهيمنة ثقافية بلغت ذروتها في صعود الأصولية الإسلامية.
    كل هذه جلبت أزمة وطنية شاملة ، أدى هذا بطبيعة الحال إلى تكثيف النضال السياسي ضد الطبقات الحاكمة . تجلت هذه النضالات في عمل سياسي جماهيري ونضال مسلح ثوري ، ومع ذلك ، فشلت هذه الجهود الشجاعة للجماهير في تحقيق الهدف المحدد المتمثل في الاستيلاء على السلطة السياسية بسبب عوامل عديدة كغياب القيادة السياسية القوية التي يمكن أن تعطي الجماهير توجهاً سياسياً ، عدم وجود برنامج سياسي موحد يحدد أهدافها المشتركة ويحدد الوسائل لتحقيقها وغياب دعم مسلح ومنظم .
    تناولت الأوراق فشل الأنظمة المتعاقبة في الاعتراف بتنوع البلاد وخلق بيئة مواتية للتفاعل المتبادل بين الثقافات . وأن يعكس هيكل السلطة في البلاد تنوعها الوطني دون تمييز على أي أساس ، وأن يتمتع جميع المواطنين بحرية المعتقد الديني في دولة علمانية ، وإلغاء جميع أشكال التمييز والقمع .
    والحاجة إلى صياغة سياسة خارجية يتم تحقيق الأهداف على أساس المصلحة الوطنية ، علاقات حسن الجوار، تعزيز التعاون الإقليمي ومبادئ حركة عدم الانحياز. أمنت الورشة كذلك على الدور التاريخي الذي قامت به القوات النظامية في سياق نضال التحرير الوطني ، وأن قد إتبعت تماما مسارا خاطئا للتنمية الاقتصادية وحددت السمات الرئيسية لنموذج التنمية السوداني .
    الورشة قترحت جدول أعمال المؤتمر الدستوري المقترح فى إعلان كوكادام كان الهدف هو صياغة رؤية مشتركة وفهم لمشاكل السودان والتى، تمثلت فى مشاكل التكوين الوطني وهيكل السلطة فى أن السودان الذى لم يبرز تاريخيا كدولة واحدة ، إنما كانت كيانات متعددة الشعوب والقوميات ومتعددة الثقافات وبالتالي لم يكن ممكناً لأي جماعة فرض هويتها على الآخرين وأن الهوية الوطنية لا تبني على أساس اجتماعي أو ثقافي أو جغرافي محدد بل على أساس مبدأ المواطنة.
    لكن للعجب كما تنصل الصادق المهدى من إتفاق كوكادام و رفض إلغاء قوانين سبتمبر، ذهب أكثر من ذلك، فقد اتهم وزيرُ الداخلية فى حكومته وقتها مبارك الفاضل نفسُه مجموعةَ المثقفين السودانيين (السادة عدلان الحردلو والواثق كمير ومحمد أحمد محمود ومحمد يوسف أحمد المصطفى ومحمد الأمين التوم ويوسف الياس وطه ابراهيم ومحمد علي المحسي ومحمد زين شداد ومحمد عبد الرحيم شداد) الذين التقوا بالحركة الشعبية في ورشة عمل أمبو (إثيوبيا) في فبراير عام 1989 بالخيانة، وتعامل معهم بجفاء بالغ، وتوعّد بمحاكمتهم بتهة التجسس والتخابر.
    ذّكر الدكتور جون قرنق الصادق المهدى عندما حاول تشويه وتزوير تاريخ أحداث واشخاص أحياء فى خطابه له فى عام 2000 بقوله: (... وقد استهللت خطابي ذاك بالطلب من ممثلي حزب الأمة أن لا يحبطوا من صراحتي.. نحن لم ننس كلماتنا في ذلك الوقت، ولن نفعل ذلك الآن. ودعنا أيضاً لا ننسى أن هؤلاء الذين ناصروا فكرة السودان الجديد، والتي تريد الآن أن تغتصب أبوتها وتنسبها لنفسك، قد حوكموا في الخرطوم من قبل حكومتك، عندما كنت رئيساً للوزراء، باعتبارهم طابوراً خامساً. فإذا كان الشعب السوداني يغفر، يجب الا نتوقع منه أن ينسى).

    علاقة الدين و الدولة - قرارات اسمرا المصيرية
    عقدت قوى التجمع الوطني الديمقراطى مؤتمرا تاريخيا بمدينة اسمرا عاصمة دولة اريتريا تحت شعار مؤتمر القضايا المصيرية وذلك في الفترة من 15 الى 23 يونيو 1995، شاركت في المؤتمر كافة القيادات السياسية والنقابية والعسكرية والشخصـيات الوطنية المنضوية تحت لواء التجمع الوطني الديمقراطي وهي:
    1. الحزب الاتحادي الديمقراطي،
    2. حزب الامة،
    3. الحركة الشعبية / والجيش الشعبي لتحرير السودان،
    4. تجمع الاحزاب الافريقية السودانية،
    5. الحزب الشيوعي السوداني،
    6. النقابات،
    7. القيادة الشرعية،
    8. مؤتمر البجة،
    9. قوات التحالف السودانية،
    10. وشخصيات وطنية مستقلة.
    تداول المؤتمرون في قضايا الوطن الاساسية والتي جاءت كما يلى : -
    ايقاف الحرب واحلال السلام في السودان؛
    حق تقرير المصير؛
    علاقة الدين بالسياسة؛
    شكل الحكم خلال الفترة الانتقالية؛
    برامج وآليات تصعيد النضال من أجل اسقاط نظام الجبهة الاسلامية القومية؛
    ترتيبات ومهام الفترة الانتقالية؛
    مقومات سودان المستقبل؛
    هيكلة التجمع الوطني الديمقراطي؛
    القضايا الانسانية.
    وقد جاءت قرارات المؤتمر كالاتى : -
    أولا : إيقاف الحرب وإحلال السلام في السودان: -
    وتشمل حق تقرير المصير كمبدأ وحق اصيل واساسي وديمقراطي للشعوب ، والاعتراف به توفر حلا لانهاء الحـرب الاهلية الدائرة. ان يتم استطلاع رأى سكان ابيي فى جنوب كردفان او الانضمام لبحر الغزال عبر استفتاء يتم خلال الفترة الانتقالية. والمعالجة السياسية الهادفــة الى ازالة كافة المظالم القائمـة لمواطني جبال النوبة وجبال الانقسنا على ان تنفـذ تلك المعالجــة الحكومة الانتقالية، تأكيـد الالتزام بتحقيق السـلام العــادل والديمقـراطي والوحـــدة القائمـة على الارادة الحـــرة للشعب السوداني وحــل النزاع المسلح الحالي بالوسائل السلمية وبتسويــة عادلة ، قبــول إعــلان مبادئ الإيقادكأساس لتحقيق السلام الدائم والعادل .ان مشكلة السودان قومية تكمن فى علاج جذورها وليست هى "مشكلة الجنوب"، ان الســلام العـادل لا يمكـن تحقيقه عسكرياً.
    وان قوى التجمع الوطني الديمقراطي ستعمل بجدية من اجــل اتخاذ موقف موحد من الخيارين اللذين سيطرحان على الاستفتاء وهما الوحدة أو الإستقلال.
    وبشأن الدين والسياسة أكد المؤتمر:
    ان كل المبادئ والمعايير المعنية بحقوق الانسان والمضمنة في المواثيق والعهود الاقليمية والدولية لحقوق الانسان تشكل جزءا لا يتجزأ من دستور السودان. المواطنة أساس الحقوق والواجبات واحترام المعتقدات والتقاليد وعدم التمييز. لا يجوز تأسيس حزب سياسي على اساس ديني. ويلتزم التجمع الوطني الديمقراطي بصيانة كرامة المرأة السودانية ويؤكد على دورها فى الحركة الوطنية السودانية.
    وعن شكل الحكم: أقر المؤتمر ان يحكم السودان خلال الفترة الانتقالية على اساس الحكم ، ان يؤخذ في الاعتبار دور الحكم المحلي. ان يراعي في التقسيم الاداري الانتقالي ازالة المظالم واسباب الحرب وتلمس رغبات اهل المناطق المختلفة .
    ثانياً : حول برامج وآليات تصعيد النضال لإسقاط النظام القائم.
    مشروعية العمل المسلح الذي تقوم به فصائل التجمع الوطني الديمقراطي من اجل اسقاط النظام وفق الآليات التي اتفق عليها وتوفير الدعم اللازم. تشكل لجنة سياسية عسكرية عليا تقوم بالتنسيق والاشراف
    ثالثاً : حول الترتيبات العسكرية والأمنية للفترة الإنتقالية.
    اقر المؤتمر كافة التوصيات التي تقدمت بها اللجنة الفنية المختصة.
    رابعاً : لإرساء دعائم السودان الجديد (سودان المستقبل) إعتمد المؤتمر المشاريع الآتية: -
    • البرنامج الاقتصادي للفترة الانتقالية.
    • برنامج للسياسة الخارجية وسياسات التعاون الاقليمي والدولي.
    • برنامج ازالة اثار نظام الجبهة الاسلامية
    • قانون لتنظيم الاحزاب السياسية.
    • ميثاق العمل النقابي.
    • قانون الصحافة والمطبوعات.
    خامساً: القضايا الإنسانية:-
    نتيجة للسياسـات الاقتصـــادية الخاطئة للنظام وتصعيده للحرب الاهليــة مما افرز وضعا مأساويا يعــيش في ظله المواطن السوداني، خاصة المرأة، و النزوح و اللجوء
    اقرا المؤتمر برنامجا عمليا لاغاثة المـواطنين داخل البــــلاد، وتقديم الخدمات الضرورية للاجئين السودانيين وازالة مـــا لحق بحياة الضحايا والمنكوبين من المعاناة بالتعاون مع المجتمع الدولي والاقليمي وبالتنسيق مع المؤسسات المعينة بهذا الامر في داخل السودان.
    سادساً : هيكلة التجمع وتعديل الميثاق:-
    اقر المؤتمر الهيكل التنظيمي الجديد للتجمع الوطني الديمقراطي والذي يتكون من المؤتمر، هيئة القيادة المكتب التنفيذي والامانة العامة، امانات متخصصة ومراكز للفروع. كما اقر المؤتمر بعض التعديلات المقدمة على الميثاق التي رؤى انها تواكب التطورات التي طرأت على الساحة السياسية.
    كانت قرارات اسمرا نقطة تحول فى تاريخ السياسة السودانية والتى اشتركت فيها جميع القوى الساسية و الاجتماعية والنخب السودانية المنضوية تحت مظلة التجمع الوطنى الديمقراطى وغاب عنها فقط الجبهة القومية الاسلامية فقد وقّع على إعلان أسمرا قادة الحزب الاتحادي الديمقراطي، وحزب الأمة، والحركة الشعبية لتحرير السودان، وتجمّع الأحزاب الأفريقية السودانية، والحزب الشيوعي السوداني، والقيادة الشرعية للقوات المسلحة، ومؤتمر البجه، وقوات التحالف السودانية، وممثل للنقابات، وبعض الشخصيات الوطنية.
    لكن كانت مواقف حزب الامة والصادق المهدى هى أكثر المواقف التى ساهمت فى عدم الإستقرار السياسي وإذكاء نار الحرب فى السودان، فقد رفض بشدّة فكرة قيام نظامٍ فيدرالي بين شمال وجنوب السودان بل إن حزب الأمة كان قد اعترض بشدة خلال مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965 على مقترح الأحزاب الجنوبية أن تكوّن المديريات الجنوبية الثلاثة إقليمياً واحداً، وأصّر على بقائها ثلاث مديرياتٍ منفصلةٍ وقد تنصّل حزب الأمة من إعلان كوكا دام بعد أيام قلائل من توقيعه على الإعلان وقام بكل ما في وسعه لوأد اتفاقية الميرغني قرنق لعام 1988، ووافق أخيراً وبكل وضوحٍ ودون شروطٍ على حق تقرير المصيرفى شقدوم عام 1994 وأسمرا 1995.
    هذا يذكرنا بالخطابات الشهيرة المتبادلة بين الدكتور جون قرنق و الصادق المهدى والتى لخص فيها طرفاً من نماذج نقض العهود والهروب من الالتزامات، ونقتطف من رسالة د. جون قرنق للصادق بتاريخ 31 يناير 2000 :(كذلك فقد أشرت إلى تعاونكم معنا من أجل السلام والديمقراطية وإعادة بناء السودان، ولاحترامك والتزامك بالاتفاقيات المتعلقة بهذا الأمر، ولكن وللأسف، فإن هذه أيضاً مقولة لا تستند إلى حقائق. فالتعاون بيننا لم يبدأ مع قيام التجمع الوطني الديمقراطي، بل له تاريخ طويل.. ومنعرج.
    في عام1986م، التقينا في كوكادام، إثيوبيا، وكان حزبكم من أوائل الأحزاب التي وقعت على إعلان كوكادام الصادر عن الاجتماع، لكن سرعان ما تنصلتم من ذلك عندما أصبحت رئيساً للوزراء. وبعد عامين، وقعنا اتفاقاً مع الميرغني «مبادرة السلام السودانية بين الحزب الإتحادي الديمقراطي والحركة الشعبية عام 1988م». وبرغم التأييد الشعبي الهائل للاتفاقية، كما عبر عن ذلك الاستقبال الكبير للميرغني في مطار الخرطوم بعد عودته من أديس أبابا، فإن أجهزة الإعلام الحكومية التي تقع تحت سيطرتكم، لم تجد في ذلك حدثاً يستحق التغطية وقد وفرّت المناورات البارعة لحكومتكم في تعويق الاتفاقية الوقت للجبهة الإسلامية للتحضير لانقلابها وفي الحقيقة فإن ضم الجبهة لحكومتكم، وخطواتكم البطيئة نحو السلام، أعطى الجبهة الفرصة والوسيلة المناسبة لتنفيذ مخططها تحت الحصانة الكاملة. ورغم ذلك، ولإعطاء كل ذي حق حقه، فإن حزب الأمة قد لعب دوراً هاماً، مع الآخرين، في التوصل إلى مقررات أسمرا المرجعية في يونيو1995م. ولكن أن تنسب لنفسك ولحزبك الفضل في ضم الحركة الشعبية لتحرير السودان للتجمع، كما جاء في رسالتكم، فإن في ذلك تزويرًا وتشويهًا خطيرًا للتاريخ. إن كل الذين شاركوا في مؤتمر أسمرا 1995م يعرفون أن الحركة الشعبية كانت بمثابة الراعي والمنظم لذلك الاجتماع، والكل يعرف الدور الذي لعبته الحركة الشعبية من أجل إنجاح المؤتمر. كذلك فإن من الأشياء التي تُذهب العقل أن نقرأ في رسالتك عن فضلك وفضل حزبك على الحركة في ضمها للتجمع.. إن هذا سخف لا يمكن تفسيره أو تبريره. كذلك فقد نسبت لنفسك الفضل في«تقديم الحركة الشعبية للرأي العام العربي الذي كان يبادلها الشكوك». إن الدول العربية التي زرتها خلال مرحلتنا النضالية، هي مصر، ليبيا، واليمن، وليس لك أو لحزبك أي دور في ترتيب هذه الزيارات. وفي الحقيقة أنك لعبت دوراً سلبياً في هذا الخصوص).
    ان اعظم انجازات اسمرا هو النتائج المتعلقة بقضية الحرب و السلام و نظام الحكم و الادارة وكفالة الحقوق و حق تقرير المصير . وقبول المجتمع السياسي بمبادئ فصل الدين عن الدولة ، و اللامركزية ، و الوحدة الطوعية من خلال ممارسة حق تقرير المصير ، و الالتزام بكل العهود والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الانسان . لذلك قال الدكتور منصور خالد عليه الرحمة عن مقررات المؤتمر (هذه المبادئ ليست قائمة طعام (menu) يختار منها كل حزب الطبق الذى يشتهيه ، و انما هى وفاق تاريخى ملزم لجميع الأحزاب بما فيها الحركة الشعبية لتحرير السودان). وقد وقع الأسوأ الذى توقعه الدكتور منصور خالد وذلك لتوهم ساسة الشمال أن إتفاق أسمرا قابل للإجتهاد فى تفسير محتواه بصورة تلغى عملياً جوهره. قرارات أسمرا المصيرية بخصوص فصل الدين عن الدولة و الحق فى تقرير المصير واضحة لدرجة أنه لا يمكن إعمال أى مبدأ لتفسيرها سوى التفسير الحرفى لعبارتها (literal interpretation). التنصل عن ذلك ما زلنا نراه الأن على طاولة المفاوضات فى منبر جوبا الذى رفض فيه الوفد الحكومى مجرد إدراج ومناقشة هذه المسائل ضمن أجندة إتفاق المبادئ.

    الدستور الدائم من يصنعه وكيف؟ (المبادئ فوق الدستورية- منبر التفاوض)






















                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de