(2-2) بين النور حمد والواثق كمير: من يملك شجاعة مغادرة السودان القديم؟ كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 09-14-2026, 06:28 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
09-13-2026, 05:25 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 322

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
(2-2) بين النور حمد والواثق كمير: من يملك شجاعة مغادرة السودان القديم؟ كتبه خالد كودي

    05:25 AM September, 13 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر






    12/9/2026 ، بوسطن

    بين المواكبة والانتهازية: ليس كل تغيير شجاعة ولا كل ثبات فضيلة:
    في سياقنا هذا، من الضروري التمييز بين المواكبة الفكرية والانتهازية السياسية. فليس كل تغيير في الموقف دليلاً على الشجاعة، كما أن الثبات ليس فضيلة في ذاته. قد يغيّر السياسي موقفه بتغيّر مصالحه، وقد ينتقل المثقف بين المعسكرات طلباً للنفوذ أو المكانة؛ وهذه هي انتهازية الحركة: أن يتحرك الموقف مع المصلحة، لا مع المعرفة أو المبدأ. غير أن هذا التفسير يصعب تطبيقه على د. النور حمد؛ إذ لا يظهر في مساره ما يبرر افتراض أن تحوله الراهن تحركه مصلحة مادية أو معنوية، أو سعي إلى نفوذ أو مكانة. ولذلك ينبغي مناقشة موقفه على مستوى الحجة والمبدأ وقراءته لتحولات الواقع، لا تفسيره بافتراض مصالح شخصية لا يقوم عليها دليل.
    وفي المقابل، هناك ما يمكن تسميته انتهازية الجمود: أن يتمسك المثقف بموقف تجاوزته الوقائع حفاظاً على صورته أو موقعه أو اتساقه الظاهري مع ماضيه، او انحيازه الي السائد. فإذا كانت انتهازية الحركة تُخضع الموقف للمصلحة، فإن انتهازية الجمود تُخضع الواقع للموقف. وفي الحالتين تصبح الحقيقة أقل أهمية من حماية الموقع الفكري أو السياسي.
    ومن هنا، فإن استدعاء د. الواثق كمير لموقف د. النور حمد في عام 2021 لا يكفي للحكم على موقفه في 2026. فالسؤال ليس: لماذا لم يكرر النور موقفه السابق؟ بل: هل واكب تحليله ما تغير في السودان بين اللحظتين؟ فقد وقع انقلاب 25 أكتوبر 2021، وأُجهضت التجربة الانتقالية، ثم اندلعت حرب أبريل 2023، وأعيد تشكيل التحالفات وموازين القوى، واتسعت عسكرة الدولة والمجتمع.
    ولم تقد هذه التحولات إلى ديمقراطية مستقرة تتنافس داخلها القوى تحت سقف دستوري متفق عليه، بل عمّقت ديناميات عسكرية سلطوية تتقاطع في جوانب منها مع سمات الأنظمة ذات النزعات الفاشية: عسكرة السياسة، وتضخم أجهزة القوة، وتداخل السلاح بالسلطة والاقتصاد، وإضعاف استقلال المؤسسات، وتوظيف الأيديولوجيا في تحديد الوطنية والعدو والشرعية. واستخدام مفهوم "الفاشية" هنا تحليلي، لوصف هذه السمات والآليات، لا بوصفه شتيمة سياسية.
    لذلك لا تُختبر صحة موقف النور بمجرد مقارنته بما قاله قبل خمس سنوات، وإنما بقدرته على تفسير واقع 2026، وبمدى اتساق موقفه الجديد مع المبادئ التي دافع ويدافع عنها. ومن حق كمير أن ينتقد منطقه وأدلته وتحالفاته، وأن يثبت تناقضها إن وجد؛ لكن إثبات تغير الموقف لا يثبت خطأه.
    المعيار الأكثر صرامة إذن هو المقارنة بين المشاركة في حوار البرهان او دعمه والانحياز إلى مشروع تحالف تأسيس:
    أي الموقفين أكثر قدرة على قراءة تحولات السودان ومواكبة التاريخ، وأيهما أكثر اتساقاً مع الوقائع والمبادئ التي يفترض أن تؤسس للدولة الجديدة؟ بهذا المعيار يصبح السؤال موجهاً إلى الجميع، بمن فيهم الأكاديميون والمثقفون المشاركون في حوار البرهان: هل تعكس مواقفهم وعياً بما تغير في بنية الصراع والدولة، أم تعيد إنتاج مفاهيم السودان القديم في واقع لم يعد يحتملها؟
    الإسلاميون: المصالحة مع المواطنين أم مع البنية؟
    ينبغي التمييز بوضوح بين حقوق الأفراد، أياً كانت انتماءاتهم، وبين البنية السياسية التي أنتجها المشروع الإسلامي داخل الدولة. فليس المطلوب شيطنة الإفراد أو نزع حقوقهم المدنية والسياسية جزافا، لكن لا يجوز في المقابل اختزال تجربتهم في حزب حكم ثم غادر السلطة. فقد تشكل خلال عقود نظام اخترق مؤسسات الدولة والجيش والأمن والاقتصاد والتعليم والإعلام، ووظف الدين في شرعنة السلطة والعنف وإضعاف استقلال المؤسسات.
    وبهذا المعنى يمكن تحليل التجربة بوصفها حاملة لسمات فاشية واضحة: تركيز السلطة، ودمج الأيديولوجيا بالدولة، وعسكرة السياسة والمجتمع، وإخضاع المؤسسات، وبناء شبكات اقتصادية مرتبطة بالحكم. لذلك فالمصالحة مع المواطنين شيء، والمصالحة مع البنية التي مكّنت مشروعاً سياسياً من احتكار الدولة شيء آخر. فالديمقراطية لا تعني فقط ضمان حق الجميع في المشاركة؛ بل تقتضي أيضاً تفكيك الأدوات التي تمكّن أي تنظيم من الوصول إلى السلطة عبر السياسة ثم استخدام الدولة لإلغاء الديمقراطية من داخلها.
    "الدعم السريع ارتكب جرائم": حين تصبح الحقيقة بديلاً عن السؤال:
    تُستخدم "جرائم الدعم السريع" مراراً كشماعة لإبطال مشروع "تأسيس" بأكمله، وكأن وجود قوة متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة داخل التحالف يكفي وحده لإسقاط المشروع السياسي الذي يطرحه. وهذه حجة تخلط بين مسألتين مختلفتين يجب عدم دمجهما: مسؤولية الفاعلين عن الجرائم، وطبيعة مشروع الدولة المطروح للمستقبل.
    المبدأ هنا لا يحتمل المساومة: كل جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية تثبت يجب التحقيق فيها، ومحاسبة مرتكبيها وإنصاف ضحاياها، أياً كان الجاني. فلا جيش ولا قوة مسلحة ولا حركة ولا تحالف فوق العدالة. كما أن ميثاق "تأسيس" نفسه يضع العدالة والمحاسبة ضمن مشروعه؛ ولذلك فإن وجود الدعم السريع داخله لا يمنحه حصانة، بل يجعل تطبيق هذه المبادئ على قواته اختباراً مباشراً لمصداقية المشروع. ولا ينبغي أن تتوقف العدالة عند محاسبة مرتكبي الجرائم الفردية، بل يجب أن تمتد إلى العدالة التاريخية التي تفحص البنى السياسية والعسكرية والاقتصادية التي أنتجت العنف والتهميش والإفلات من العقاب.
    لكن المحاسبة على الماضي، مهما كانت ضرورية، لا تجيب وحدها عن سؤال مختلف: أي دولة ينبغي أن تنشأ بعد الحرب؟ فكما أن إعلان برنامج ديمقراطي لا يمحو جرائم الماضي، فإن جرائم الماضي لا تعفينا من تحليل المشروع السياسي المطروح للمستقبل. المطلوب هو الجمع بين مساءلة صارمة عن الانتهاكات، واختبار صارم لمشروع الدولة.
    ولهذا فإن سؤال د. الواثق كمير: "هل سيأتي حميدتي بالديمقراطية؟" علي خفته، يشخصن قضية هي في أصلها دستورية ومؤسسية. فليس مطلوباً من حميدتي أن "يأتي بالديمقراطية"، كما ليس مطلوباً من البرهان أو النور حمد أو الواثق كمير أن يمنحوها للسودانيين. المطلوب هو بناء دولة لا يستطيع فيها حميدتي ولا البرهان ولا أي قائد مدني أو عسكري امتلاك الديمقراطية أو تعليقها بإرادته...
    وهنا يرتد السؤال، بالصرامة نفسها، إلى المتحمسين لحوار البرهان وداعميه: هل يقترب هذا الحوار فعلاً من المحاسبة والعدالة التاريخية، بما يشمل مساءلة بنية دولة ما بعد الاستقلال، ومؤسستها العسكرية، وقياداتها الحالية وفي مقدمتها البرهان؟ أم أنه يسعى إلى إعادة ترتيب السلطة داخل البنية نفسها التي أنتجت الحروب والأزمات؟
    ومن هنا تقوم قاعدة مزدوجة لا يجوز الفصل بين طرفيها: لا حصانة لأحد من العدالة، ولا فيتو لأحد على مستقبل السودان. من تثبت مسؤوليته عن جريمة يُحاسب، ومن يعمل في السياسة يخضع للدستور، وكل قوة مسلحة يجب أن تنتهي، عبر ترتيبات تأسيسية واضحة، إلى جيش قومي مهني واحد وجديد، خاضع للدستور والسلطة المدنية.
    وبذلك ننتقل من أخلاق الأشخاص إلى أخلاق المؤسسات. فالعدالة لا يجوز أن تبدأ صباح 15 أبريل 2023، وكأن تاريخ الضحايا في السودان بدأ مع الحرب الراهنة. ضحايا هذه الحرب يستحقون العدالة كاملة، لكن ضحايا العقود السابقة يستحقونها أيضاً. ولذلك يحتاج السودان إلى العدالة الانتقالية والعدالة والمحاسبة التاريخية معاً: الأولى تحاسب على الانتهاكات والجرائم، والثانية تسأل كذلك عن المؤسسات والسياسات والبنى التي ظلت تنتج الضحايا والحروب جيلاً بعد جيل.
    السؤال الذي لا يريد السودان القديم الإجابة عنه:
    يمكن للسجال السياسي السوداني أن يستمر بلا نهاية حول البرهان وحميدتي والإمارات ومصر و"تأسيس" ولجان الحوار والجمهوريين ومايو وموقف النور في 2021 بنفس الخفة. لكن الانشغال بهذه القضايا قد يتحول إلى وسيلة للهروب من الأسئلة الأكثر تأسيسية: ما طبيعة الدولة التي نريدها؟
    هل المواطنة المتساوية حق تأسيسي لا يخضع للتصويت؟ هل المساواة أمام القانون غير قابلة للمساومة؟ هل تكون الدولة علمانية ومحايدة تجاه الأديان؟ هل يعترف الدستور بالتعدد الديني والثقافي واللغوي؟ هل نقبل لامركزية تعيد توزيع السلطة والموارد؟ هل نريد جيشاً جديداً، قومياً ومهنياً وواحداً، خاضعاً للدستور والسلطة المدنية؟ هل تخرج أجهزة الأمن من الاقتصاد والسياسة؟ هل نقبل العدالة التاريخية؟ وهل تصبح هذه المبادئ فوق دستورية، بحيث لا تستطيع أغلبية سياسية عابرة إلغاءها؟
    هذا هو الامتحان الحقيقي أيضاً لمن ينتقدون انحياز د. النور حمد وغيره إلى مشروع السودان الجديد. فالديمقراطية ليست أن يمتلك 51 في المئة حق التصويت على إنسانية الـ49 في المئة. الديمقراطية الدستورية تعني أن هناك حقوقاً لا تدخل أصلاً في سوق المساومات الانتخابية. فلا تستطيع أغلبية أن تجعل مواطناً أقل حقوقاً بسبب دينه، أو ثقافة أقل شرعية، أو لغة أقل قيمة، أو إقليماً أقل استحقاقاً للمشاركة والموارد والتنمية.
    وهذه هي النقلة من مجرد حكم الأغلبية إلى الديمقراطية الدستورية، وهي في جوهرها أحد أهم المعاني التي تحملها رؤية السودان الجديد.
    السودان الجديد ليس مشروع الهامش وحده:
    من أكثر أخطاء خطاب السودان القديم رسوخاً تصوير السودان الجديد باعتباره مجرد قائمة مطالب تخص مناطق الهامش. فإذا كانت الدولة الجديدة تقوم على المواطنة المتساوية، وعدم التمييز، والحقوق الأساسية، واللامركزية، والعدالة التاريخية، فإن المستفيد منها ليس مواطن جبال النوبة أو النيل الأزرق أو دارفور وحده، وإنما كل مواطن يمكن أن يجد نفسه أقلية سياسية أو دينية أو ثقافية أو اجتماعية.
    تستفيد النساء والفقراء والأقليات والمعارضون السياسيون والمهمشون ثقافياً، بل وحتى المواطنون المنتمون إلى الجماعات التي ارتبطت تاريخياً بالمركز. فعندما تتحول الحقوق من منحة تمنحها السلطة أو الأغلبية إلى ضمان دستوري، فإنها تحرر الجميع من تعسف الدولة وتقلبات الأغلبية.
    وهذا أحد الدروس العميقة لحركات الحقوق المدنية: فالحقوق التي تبدأ أحياناً بنضال جماعة مضطهدة ضد شكل محدد من التمييز يمكن، عندما تتحول إلى قواعد دستورية وقانونية وثقافة سياسية، أن توسع معنى الحرية والمواطنة للمجتمع كله
    ولهذا فإن السودان الجديد، في معناه الجاد، ليس مشروعاً لانتقام الهامش من المركز، وإنما مشروع لتحرير المركز والهامش معاً من دولة أنتجت امتياز البعض وعدم أمان الجميع.
    لماذا الهروب إلى الأشخاص؟
    هنا يمكن فهم سهولة نقل النقاش من البنية إلى الأشخاص. فالأشخاص أسهل من مواجهة الأسئلة التأسيسية. يمكن مهاجمة حميدتي او عبد العزيز الحلو من دون الإجابة عن العلمانية، ومهاجمة "تأسيس" من دون إعلان موقف واضح من اللامركزية، واستدعاء مايو وتاريخ الجمهوريين من دون الإجابة عن العدالة التاريخية، وسؤال النور حمد لماذا تغير بدلاً من مواجهة السؤال الأكثر إزعاجاً: لماذا لم نغير نحن بعض تصوراتنا رغم كل ما تغير في السودان؟
    ومن هنا يمكن الحديث عن انتهازية الحجة من دون نسبة دافع شخصي إلى د. الواثق كمير. فالمقصود ليس الادعاء بمعرفة دوافعه، وإنما تحليل الوظيفة التي تؤديها الحجة. فعندما تصبح التناقضات الشخصية والمواقف القديمة والتحالفات الراهنة أدوات لتأجيل مواجهة الأطروحة التأسيسية، تتحول الحجة، مهما بلغت براعتها السجالية، إلى وسيلة لحماية السؤال القديم من السؤال الجديد.
    إذا كان الاعتراض على السودان الجديد، فلنناقش السودان الجديد. وإذا كان الاعتراض على العلمانية، فليُطرح بوضوح. وإذا كان الاعتراض على المبادئ فوق الدستورية، فلنناقش مشروعيتها وحدودها. وإذا كان الاعتراض على بناء الجيش الجديد والدولة، فليوضح المعترض أي بنية بديلة يقترحها..
    أما تعليق سؤال إعادة تأسيس السودان كله على شخص حميدتي أو على تاريخ النور حمد، فلا يقدم نظرية للدولة ولا بديلاً سياسياً لها، ولاشنو؟
    من "فن الممكن" إلى تغيير الممكن:
    هنا نصل إلى أحد أعمق الفروق بين العقل الإصلاحي والذي يمثله مؤيدي حوار البرهان والعقل التأسيسي.
    يقال إن السياسة "فن الممكن". وهذا صحيح جزئياً، لكن غرامشي يدفعنا إلى سؤال أكثر عمقاً: من الذي يحدد الممكن؟
    فالهيمنة تبلغ ذروة نجاحها عندما تجعل حدود النظام القديم تبدو وكأنها حدود الواقع نفسه. عندها تصبح المركزية "واقعية"، والعلمانية "مبكرة"، والمواطنة المتساوية "مثالية"، والعدالة التاريخية "انتقاماً"، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية "مغامرة"، بينما يصبح تكرار التسويات التي فشلت مرة بعد أخرى هو "الحكمة السياسية"!
    لكن السياسة التحررية لا تكتفي بإدارة الممكن؛ إنها تعمل على تغيير الشروط التي تحدد ما هو ممكن.
    لو قبل المستعبدون بما كان ممكناً داخل نظام الرق، لما أصبح إلغاء الرق ممكناً. ولو قبل الأمريكيون الأفارقة بحدود "الواقعية" التي فرضها نظام جيم كرو، لما تغير معنى المواطنة الأمريكية. ولو قبل السود في جنوب أفريقيا بما عرّفه نظام الأبارتهايد باعتباره الواقع الممكن، لما سقط ذلك النظام.
    الثورة، بهذا المعنى، ليست إنكاراً للواقع، وإنما تغيير للعلاقات التي تحدد ما يُعد واقعياً. وهنا تلتقي، رغم اختلافاتها، مساهمات غرامشي وفانون وفريري: يبدأ التحرر عندما يتوقف المقهور (الهامش) عن التعامل مع حدود النظام القديم باعتبارها حدوداً نهائية للعالم السياسي الممكن...ورؤية السودان الجديد اليوم تتيح هذا...
    حدود قراءة د. الواثق كمير:
    من هذه الزاوية يمكن تحديد مشكلة د. الواثق كمير المتمثلة في مقاله بصورة أدق. فالمقال منظم، ويطرح أسئلة تستحق النقاش، والدكتور يملك قدرة واضحة على بناء المقارنات؛ لكن براعة السجال لا تضمن بالضرورة الوصول إلى السؤال التاريخي الأعمق، ولنختبر هذا:
    يسأل كمير: لماذا تغير النور؟
    لكن السؤال الأعمق هو: ماذا تعلم النور من تغير التاريخ؟
    ويسأل: كيف ينتقد النور اقتراب مثقفين من سلطة مسلحة بينما يوجد هو داخل تحالف يضم قوة مسلحة؟
    لكن السؤال الأكثر ذكاء وإنتاجاً هو: أي مشروع للدولة يخدمه كل موقع، وكيف يخضع كل منهما للمساءلة؟
    ويسأل: هل سيأتي حميدتي بالديمقراطية؟
    لكن السؤال الدستوري الأهم هو: كيف نبني دولة لا يستطيع حميدتي ولا البرهان ولا أي قائد آخر مصادرة ديمقراطيتها؟
    ويستدعي مواقف الجمهوريين من مايو ومواقف النور السابقة. وهذه كلها مشروعة بوصفها مادة للتحليل التاريخي؛ وان كانت مادة تقول عن خفة، لكن سؤال الحاضر ليس ماذا فعلنا في الماضي فقط، وإنما: ماذا تعلمنا من ذلك الماضي، وما الذي ينبغي ألا نعيد إنتاجه؟
    وهنا يظهر، في تقديري، الانتماء الخجول إلى السودان القديم في موقف د. الواثق كمير. والمقصود ليس دفاعاً صريحاً بالضرورة عن حكامه أو أنظمته، بل البقاء داخل حدوده المفاهيمية. يستطيع الأكاديمي أو المثقف السوداني أن ينتقد من يجلس على كرسي الدولة، لكنه يتردد عندما يصبح المطلوب إعادة تصميم الكرسي والغرفة والبيت نفسه.
    وبهذا المعنى يبدو موقف كمير أقرب، بدرجة معتبرة، إلى الحارس النقدي للسودان القديم منه إلى القطيعة معه: ينتقد أخطاءه وممارساته، لكنه لا يمضي بالصرامة نفسها إلى مساءلة البنية التاريخية التي جعلت هذا السودان نقطة البداية المفترضة لكل مستقبل ممكن.
    المثقف العضوي لا يبرر حلفاءه:
    لا ينبغي أن يتحول انحياز المفكرين والأكاديميين إلى مشروع السودان الجديد، أو انخراطهم في تحالف "تأسيس" بوصفه إطاراً سياسياً عريضاً، إلى حصانة لهم أو للقوى التي يتحالفون معها. فمغادرة السودان القديم لا تعني استبدال ولاء بولاء، بل الانتقال من الاصطفاف مع الأشخاص والتنظيمات إلى الالتزام بالمبادئ والمشروع.
    ومن ثم، فإن المعيار الأكثر صرامة هو أن تُقاس جميع القوى، بلا استثناء، بمدى التزامها بمبادئ تصورالدولة الجديدة: المواطنة المتساوية، والديمقراطية، والعلمانية، والعدالة التاريخية، وسيادة القانون. نلتقي معها بقدر التزامها بهذه المبادئ، ونختلف معها ونحاسبها بقدر انتهاكها لها. لا ولاء مطلقاً لتحالف، ولا لقائد، ولا لبندقية؛ الولاء للمبادئ.
    ومن هنا لا تكمن القيمة الفكرية في افتراض عصمة "تأسيس"، أو ديمقراطية جميع مكوناته، أو محو التاريخ السابق لأي قوة منضوية فيه. القيمة الحقيقية في نقل مركز السؤال من إصلاح السودان القديم إلى إعادة تأسيس الدولة. وهذا يفرض في الوقت نفسه التزاماً أخلاقياً وفكرياً أشد: أن يخضع المثقف حلفاءه للمعايير والمبادئ نفسها التي يحاكم بها خصومه.
    الشجاعة الفكرية: القدرة على مغادرة الموقع الآمن.
    السودان القديم ليس آلة سليمة تحتاج إلى فني أفضل:
    المشكلة في العقل الإصلاحي السوداني أنه يتعامل مع الأزمات المتكررة بوصفها أعطالاً طارئة في دولة سليمة في أصلها: انقلاب سيئ، قائد فاشل، حكومة عاجزة، حزب مأزوم أو انتقال متعثر؛ ولذلك تتكرر الوصفة نفسها: قيادة أفضل، حكومة أكفأ، حوار أوسع واتفاق جديد...
    لكن السؤال المؤجل دائماً هو: ماذا لو كان الخلل في بنية الدولة نفسها، لا فيمن يديرها؟ ماذا لو كانت المركزية، وغياب الفصل بين الدين والدولة، واختلال توزيع السلطة والثروة، وهيمنة المؤسسة العسكرية، واحتكار تعريف الهوية الوطنية، والتفاوت التاريخي بين المركز والهامش، ليست انحرافات عارضة، بل مكونات بنيوية في تشكيل السودان القديم وإعادة إنتاجه؟
    عندها لا يعود تغيير الحكومات والقيادات كافياً، لأن إصلاح الأدوات مع الإبقاء على البنية المنتجة للأزمة لا يفعل أكثر من إعادة تدويرها. وهنا تحديداً يقع الفارق بين عقل إصلاحي يريد تحسين السودان القديم، وعقل تأسيسي يرى أن الأزمة لا تُحل بإصلاحه، بل ببناء السودان الجديد على أسس مختلفة.
    الخاتمة: من يصلح البيت القديم، ومن يجرؤ على تصميم بيت جديد؟
    ترتبط بغرامشي صورة شهيرة للأزمة بوصفها اللحظة التي يفقد فيها القديم قدرته على الاستمرار، بينما يعجز الجديد عن أن يولد كاملاً. وهذه الصورة تكاد تختصر المأزق السوداني: السودان القديم يفقد قدرته على إنتاج الاستقرار، لكنه لا يزال يمتلك من القوة المادية والثقافية ما يكفي لتعطيل واعاقة ولادة البديل.
    وفي المسافة بين احتضار القديم وتعثر الجديد تتوالد الانقلابات والحروب والمليشيات والتدخلات والتسويات الانتقالية، وتظهر نخب تعيد، بعد كل أزمة، تشغيل أجزاء من النظام نفسه.
    وهنا يصبح موقع المثقف حاسماً. إما أن يتحول إلى فني صيانة للسودان القديم: يصلح الشقوق بعد كل حرب، ويطلي الجدران بعد كل ثورة، ويغير أسماء الغرف وبعض ساكنيها، بينما يترك تصميم البيت كما هو.
    وإما أن يؤدي وظيفة المثقف العضوي: لا أن يهدم بلا تصور، ولا أن يبرر بندقية لأنه يعارض بندقية أخرى، وإنما أن يطرح السؤال الذي تخشاه الهيمنة: لماذا نصر على ترميم بيت أثبت تاريخه أن تصميمه نفسه ينتج الإقصاء وعدم المساواة والحروب؟
    وهنا، في تقديري، تكمن القيمة التاريخية للتحول الذي يمثله موقف د. النور حمد. ليست القيمة في اعتبار "تأسيس" فوق النقد، ولا في تبرئة الدعم السريع أو أي قوة مسلحة من المساءلة، ولا في تحويل السودان الجديد إلى ملكية فكرية لتحالف أو حركة أو قائد. القيمة في انتقال مركز السؤال من: من يدير السودان القديم؟ إلى: كيف نؤسس السودان الحديث الجديد؟
    وعند هذه النقطة تصبح المبادئ فوق الدستورية جوهر المشروع: المواطنة المتساوية، وعدم التمييز، والحريات الأساسية، وحياد الدولة تجاه الأديان-علمانيتها، والاعتراف بالتعدد الثقافي والديني واللغوي، واللامركزية ، والمحاسبة والعدالة التاريخية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، وبناء جيش قومي مهني جديد واحد خاضع للدستور والسلطة المدنية.
    وهنا أيضاً تتضح محدودية موقف د. الواثق كمير. فسؤاله عن "المصلحة التي يخدمها المثقف" مشروع ومهم، لكنه لا يكتمل إلا بالسؤال عن البنية التي يخدمها هذا الموقف: أي دولة يعيد إنتاجها؟ وأي علاقات تاريخية يحافظ عليها؟ وأي حدود للممكن السياسي يطلب منا التسليم بها؟ فموقع المثقف لا يُقاس فقط بعلاقته بالسلطة، بل أيضاً بنوع الدولة التي يسهم موقفه في تثبيتها أو تغييرها.
    فليس حرس السودان القديم بالضرورة أولئك الذين يعلنون الدفاع عنه صراحة. قد يكون الحارس حديثاً ومتعلمًا وناقداً، وقد يعارض الديكتاتورية والحرب والإسلاميين، لكنه يظل حارساً للبنية عندما تصبح جميع بدائله محاولات لجعلها أكثر قبولاً بدلاً من مساءلة أسسها. وهذا هو الانتماء الخجول إلى السودان القديم: رفض مظاهره الفجة مع التردد في القطيعة مع منطقه العميق.
    وفي المقابل، لا تصبح مغادرة السودان القديم عملاً ثورياً لمجرد رفع شعار السودان الجديد. معيارها هو القدرة على تحويل المبادئ إلى مؤسسات، وإخضاع الحلفاء والخصوم للقانون نفسه، وإدانة جرائم القوى التي تقف معنا بالوضوح نفسه الذي ندين به جرائم القوى التي تقف ضدنا.
    إن مأساة السودان ليست في غياب الأكاديميين والمثقفين القادرين على تفسير أزماته، بل في أن كثيراً من هذه التفسيرات لا يزال يتحرك داخل المنظومة المفاهيمية التي أسهمت في إنتاج الأزمة نفسها. ولذلك لا يحتاج السودان إلى مزيد من البراعة في تفسير لماذا أصبح التغيير الجذري "غير واقعي"، ولا إلى تحويل "الاعتدال" إلى اسم آخر للتردد أمام التحول التاريخي
    ما يحتاجه هو شجاعة معرفية وأخلاقية لمغادرة السودان القديم فكراً ومشروعاً؛ وهي الخطوة التي اتخذها د. النور حمد، ومعه آخرون، حين انتقلوا من سؤال إصلاح الدولة القائمة إلى سؤال إعادة تأسيسها.
    فالتحرر، كما تساعدنا أعمال غرامشي وفانون وفريري وسعيد وميمي ونغوغي على فهمه، لا يبدأ بتغيير الحاكم وحده، بل بتحرير السياسة من الحدود التي رسمها النظام القديم لما يمكن التفكير فيه وما يجوز تخيله ممكناً.
    وعندها يصبح السؤال أكثر وضوحاً وصرامة: هل نريد مرة أخرى إصلاح السودان القديم وإعادة إنتاج أزماته تحت أسماء جديدة، أم نملك الشجاعة الفكرية والسياسية والأخلاقية لإعادة تأسيس الدولة وبناء السودان الجديد؟

    النضال مستمر والنصر اكيد.
    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de