لم يرتقِ الخطاب الإخواني الموجه للسودانيين طوال فترة حكمهم إلى مستوى احترام مكونات هذا الشعب أو الاعتراف بحقوقه وتنوعه، وحتى مع اندلاع الحرب الحالية لم يتغير هذا الخطاب. فبدل أن يعدوا بالسلام وصيانة وحدة البلاد، وحقن دماء المواطنين، يواجهون الشعب بخطاب التخوين والتهديد والوعيد لمجرد تمني الناس السلام ووقف الحرب. ومعلوم أن طبيعة العلاقة التي قامت بين الكيزان والمواطنين لم تستند إلى قيم التسامح الديني والمسؤولية الأخلاقية التي يفترض أن تحكم علاقة الحاكم بالمحكوم. لذلك بقيت عبارات مثل: (ما في أرجل من الحركة الإسلامية) و(الزارعنا غير الله يجي يقلعنا)، و(الحسو كوعكم) لمن يحلمون بتغيير حكومتنا، و(شذاذ الآفاق) للشباب المطالب بالحرية والعدالة والسلام، شاهدةً على طبيعة ذلك الخطاب. وقد اجتهدت الحركة الإسلامية، في تصوير القوى السياسية والمعارضة باعتبارها فاشلة أو خائنة أو عميلة مأجورة، ولم تترك سبيلاً لغرس الكراهية وتعميق العداء بين أبناء الوطن، الا وسلكته، فبعد قوانين (الوجوه الغريبة) شهدت الخرطوم اثناء اضراب المعلمين حالياً أحدث بدع مليشيات البراء ابن مالك في استهداف عقول الطلاب بتلقينهم خطاب يقوم علي الإرهاب والكراهية تجاه المكونات المدنية (القحاطة). معركة الكرامة التي تتبناها الحركة الإسلامية وميلشياتها أدخلت البلاد في ورطةٍ عجزوا عن إيقاف نزيفها، بعدما امتدت أيادي الدول الطامعة في خيرات السودان لتنهش في جسد الوطن وتمزقه شرَ ممزق، ومعلوم انهم ما أشعلوا حربا قط الا وكان ضحيتها المواطن السوداني، تيقن من ذلك الذين اضطروا إلى الفرار من جحيم الحرب، لاجئين ونازحين، ليكتشفوا حجم المفارقة بين وطن يمتلك موارد هائلة وأراضي شاسعة وأنهاراً تجري في أرضه، وبين واقع جعل شعبه من أفقر الشعوب الافريقية، وجدوا دولًا محدودة الموارد، وبعضها يفوق السودان سكانًا بأضعاف، لكنها استطاعت أن توفر لشعوبها قدراً محترماً من الاستقرار والخدمات، والبنية التحتية، فلا صفوف للخبز والغاز، ولا أزمات مستمرة في الكهرباء والمياه. كما أن حكوماتها، مهما اختلف الناس معها، لا تجعل خطابها قائماً على إهانة المواطن أو تخوينه، وان الحياة الكريمة معناها أن يعيش المواطن آمنا ً في وطنه، مطمئناً على مستقبل ابنائه، شريكاً في ثروات بلاده لا متفرجاً على سرقتها. لقد آن للحركة الإسلامية أن تدرك أن تروس الشمال أرجل منها، فقد كان هذا الحراك الشعبي منذ نشأته، حريصا علي موارد البلاد، إذ وقف أهله في وجه ما اعتبروه فساداً وتهميشاً وإهداراً لحقوقهم، وكشفوا الكثير من الممارسات التي أضرت باقتصاد البلاد، ودفعوا ثمن مواقفهم من دمائهم وأرواحهم. ألم تشهد منطقة كجبار سقوط ثمانية شهداء وإصابة آخرين عندما وقف الأهالي ضد إقامة السد في منطقتهم؟ لقد كان ذلك الموقف بداية لحراك رأي عام ووعي تنموي واقتصادي واجتماعي رفض مشروعات السدود التي لم تحقق التنمية المنشودة للمناطق المتأثرة، بل خلفت أضراراً متعددة طالت الاهالي والأرض والبيئة. وكان سد مروي أبرز تلك النماذج، إذ يرى أهالي المنطقة أنه لم يحقق لهم ما وُعدوا به من استدامة الكهرباء أو انخفاض تكلفتها، بل انعكس سلباً على كثير من المشاريع الزراعية، كما لم تفِ حكومة الكيزان بوعودها المتعلقة بإعفاء المتضررين والسكان الرسوم لمدة عامين. ثم تمدد هذا الحراك حتى قيام ثورة ديسمبر، فأصبح ترس السودان رمزاً لمقاومة الظلم والفساد، وجاء إغلاق شريان الشمال ليكشف حجم الخلل الذي أصاب مؤسسات الدولة، وحجم الاستنزاف الذي تعرضت له موارد البلاد عبر سنوات طويلة، فقد رأى حراس شريان الشمال أن المعبر لم يكن يؤدي دوره الطبيعي كجسر للتجارة المتبادلة التي تحقق مصلحة الشعبين، وإنما تحول إلى منفذ لخروج ثروات وموارد سودانية، من الذهب وإناث الماشية والصمغ العربي وغيرها من المواد الخام، دون أن يعود العائد الحقيقي منها على المواطن السوداني. كما أُثيرت اتهامات حول طرق الدفع المستخدمة في بعض عمليات الشراء، وهو ما يزيد من خطورة هذا الاستنزاف الاقتصادي. وخلال سنوات الحرب الحالية صار شريان الشمال نشطاً في تجارة السلاح والتهريب موارد البلاد وإدخال المخدرات، وأصبح مسرحاً للتفلتات الامنية، والاشتباكات المسلحة بين أصحاب الشاحنات والقوات المشتركة. ولقد أعلن ترس السودان عزمه على إغلاق شريان الشمال في حراكٍ مطلبي سلمي مستقل، لا ينتمي إلى أي طرف من أطراف الحرب، ولا يحمل صبغة سياسية أو عسكرية، وإنما هو حراك بحسب تصريحاته يهدف إلى حماية سيادة البلاد، والحفاظ على ثرواتها، بإنشاء منطقة سيادية لتنظيم حركة البضائع والشاحنات، وحراسة السلع والمنتجات، وحماية الاقتصاد الوطني، وتوفير الحماية للمنتجين والمعدنين السودانيين. ولذلك، فإن ترس السودان، لانحيازه إلى الوطن وكرامته، أرجل من الحركة الإسلامية..
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة