|
|
ذكرياتي مع بلبل الغرب الأستاذ الفنان عبد الرحمن عبد الله /بقلم السفير احمد التيجاني محمد الأمين
|
ذكرياتي مع بلبل الغرب الأستاذ الفنان عبد الرحمن عبد الله /بقلم السفير احمد التيجاني محمد الأمين /جدة
هذا المقال عبارة عن الكلمة التي ألقاها سعادة السفير احمد التيجاني محمد الأمين في حفل في حفل تكريم الأستاذ / عبد الرحمن عبد الله -بغيمة فرح – جدة (سودانيزاونلاين) الإخوة والأخوات : كنا ثلاثة رهط أنا وأخي محمد يوسف الدقير وأخي مدني محمد مدني وثلاثتنا كنا ندرس بجامعة الخرطوم . كان ذلك في النصف الأول من سبعينان القرن الماضي . وكان الوقت خريفا وبالأحرى ربيعا . ربيعنا في كردفان هو الفصل الذي يسمى الخريف . كنا في المجلد الحبيبة المدينة القرية الوادعة والوديعة . انتهت الإجازة الصيفية وفي شهر سبعة تفتح الجامعات والمدارس أبوابها للعام الجديد. أقسى اللحظات وأمضاها ألما هي حين تحين ساعة فراق المجلد وفراق الآباء والأمهات والأهل والتحرك صوب المدارس والجامعات . كنا نبكي في الخفاء وبحرقة فراق مراتع الصبا والطفولة وبيوتنا البسيطة المبنية من القش وكل الأحبة.. في ذلك العام تأكد لنا أن خط القطار مقطوع ودائماً بين الفولة وأبو زبد وقد لا ينصلح إلا بعد أسبوعين أو ثلاث أو قل إذا انقطع نزول المطر. والمطر لا ينقطع ينهمر بغزارة عجيبة يغطي كل كردفان من أعالي جبال النوبة وكثبان الكبابيش وفيافي الهواوير وكنانة وحتى سهول ديار حمر وخيرانها الجميلة وحتى غابات المسيرية والدينكا ماريق والدينكا مجير في أبيي والدمبلوية وبحر العرب. إذن تحتم علينا أن نسافر باللواري من المجلد ثم النهود فالأبيض ثم إلى الخرطوم سواء بالقطار من هناك أو باللواري : لكن اللواري أكثر محنة وقربى وألفة من القطار فكرة السفر باللواري خففت علينا الكثير من آلام الفراق ، لأننا لا نزال سنكون بين الأهل والأحباب وسنقابل الخالات والأعمام وابناءهم وبناتهم في كل القرى والمدن التي سنمر عليها وسنأخذ راحتنا هنا وهناك في بابنوسة وفي أم جاك وفي الأضية ثم في النهود والأبيض سنجد الترحاب والوجوه تطفح بالبشرى والقلوب متدفقة شوقاً ومحبة ومحنة لنا . وغير ذلك يمنحنا السفر باللواري متعة لا تضاهيها متعة في السياحة والتجوال بين منازل البقارة ومراعيهم الخضراء النضرة من المجلد وحتى النهود . الطريق كله عبارة عن لوحات ساحرة الجمال لا تملك إلا أن تواصل تسبيح الخالق الكريم أمامها " ما شاء الله لا قوة إلا بالله " واللوري يسير بنا متمايلاً من غابة إلى رهد ومن رهد إلى قوز ومن قوز إلى أرض طينية مشربة بماء الأمطار يوحل فيها أحياناً وأحايين يشقها بمهارة السائق وتشجيع المساعدين والركاب ، الطريق كله عمران وعمار ، عامر بالناس والبهائم والسوائم والأشجار والطيور بمختلف ألوانها وأشكالها والسحب والغيوم ونحن الركاب نتبادل التحايا والسلام والكلمات الطيبات مع كل من يقابلنا رجالا ونساء وشباباً وأطفالا وكهولا. فهذا هو الخريف موسم الربيع وموسم الاستجمام من عناء وشقاوة موسم الصيف ومن قبله الشتاء الذي يقضيه العرب في البحر .. بحر العرب والأنهار والرقبات المتفرعة منه همهم الأكبر هناك هو توفير الماء والكلاء لمواشيهم. في الخريف .. يرتاح الناس لأن الأرض هنا كلها ماء وكلها مرعى وكلها روض رياض غناء. ثم أن عدد غير قليل من الركاب يا أخوتي الكرام كانوا يحملون معهم مسجلات .. في الستينات والسبعينات كان من السهل لأهل كردفان ودارفور الحصول على المسجلات والأجهزة الكهربائية والملابس والعطور من ليبيا رحمة كبيرة بنا .. وفرت لنا الكثير من الأشياء التي كانت لا تتوفر إلا في الخرطوم وأمدرمان . والشرايط التي يحملها الركاب ، ونحن منهم ، كان معظمها لود بارا عبد الرحمن عبد الله ، هذا المبدع المدهش الذي يشرفنا هذه الليلة الطيبة المباركة . وقد حصلوا على تلك الشرايط من الحفلات الدرية الأسطورية الرائعة التي كان يقيمها في مدن وقرى كردفان ودارفور . عبد الرحمن عبد الله كان حريصاً على الالتقاء بجماهيره وأهله في كردفان ودارفور وحتى في تشاد ونيجريا وليبيا. استوعب هذا الفنان العبقري جمال كردفان في وجدانه وقدمه لنا أعمالاً فنية خالدة لا تزال نغماً حبيباً في فم الزمان. جاءت أغانيه وانشوداته سيمفونيات بديعة الصنعة تحكي سحر كردفان وجمالها بسهولها وتلالها ورهودها وسحبها وأهلها بسجاياهم وأرواحهم السمحة البسيطة الوادعة. يشق بنا اللوري في تلكم الرحلة الحالمة البهيجة الطريق من المجلد إلى النهود ثم إلى الأبيض سابحاً على أهازيج وأناشيد أستاذنا عبد الرحمن عبد الله وإذا نزلنا في قهوة في الطريق دائماً ما نسمع ذات الأغاني من ذات المسجلات .. وإذا كان الوقت ليلاً في قهاوي أم طجوك أو الخوي أو الدودية أو أبو قعود للاستجمام أو المبيت تغمرك متعة ورومانسية ما بعدها حينما تنسجم أغنيات ودبارا مع الكون الكردفاني الساكن الهادئ في دجى يشرب من ضوء النجيمات البعيدة. ومن بعيد تسمع غناء أو دوبيت رجل سائر على دابته عائداً إلى حلته الصغيرة القابعة خلف الكثبان وخلف الأنظار (زولاً سرب سربه .. ختا الجبال غربه) نفس الصورة وذات الأسطورة. قرية العيارة هي آخر المحطات في طريق الأبيض قبل الأبيض ، الديم الكبير الرحيب الآمن – نحن نسميه أبو قبة فحل الديوم – الأبيض حاضرة بكل المقاييس لغرب السودان وهي مدينة متكاملة من حيث المعالم الحضارية والحضرية وهي قرية آمنة وادعة بسكانها وأخلاقهم السمحة وكرمهم العجيب وترحابهم بكل غريب. تحركنا من العيارة تجاه الأبيض . وكان الوقت بعد الظهر قريب من العصر .. واليوم كان مثل أيام الخريف عابق بالدعاش . الشمس متدثرة بكم كبير من السحب والغيوم وجوانحنا ملأى بالدعاش الذي حملته إلينا النسائم من بين أيدينا ومن أيماننا ومن جبال النوبة ومن خلفنا من الخوي . والطريق الرملي مرتو بماء المطر فهو ثابت وأبيض ناصع البياض . غسلته مياه الأمطار وكلنا شوق للأبيض يا أخوتي الكرام : نحن عشنا في الخرطوم وندرس فيها لكننا نرى الأبيض أرقى من الخرطوم ونهابها مهابة القرويين للمدن الكبيرة وسكانها الراقيين وتخفق قلوبنا أكثر كلما قربنا وتأتينا البشائر وأولها ظهور جبل أبو سنون على شمالنا ذلك الجبل الاسطوري المهيب الذي استعصم بالبعد عنا . قالوا لنا أن فيه شجر الأكسير .. جبل أبو سنون يظهر للقادم إلى الأبيض كذلك من الشمال ومن الشرق .. ونحن قادمون من الغرب. وتأتينا البشائر أناس ظراف عائدين إلى الظهارى من المدينة رجالاً ونساء ركباناً وراجلين نتبادل معهم السلام والتحايا في ألفة ومودة ونفوس مطمئنة . إلى أن وصلنا إلى داخل المدينة والوقت لا يزال أصيلاً والشمس ترسل خيوطها الذهبية من خلف الغيوم ووصلنا إلى بيوت أهلنا. وقابلنا الأهل بكل ترحاب ومحنة دافقة . الضيف هناك لا يزال V.I.P شخصية مهمة للغاية. ودخلنا على بعض الأهل والمعارف نؤدي واجب التهنئة لمن يستحق منا ذلك . . زواجاً أو مولوداً جديداً ونقدم العزاء لأصحاب العزاء .. ونبكي ونذرف الدمع حسب الوجعة. ثم أنه لفت نظرنا حركة غير عادية في الحي وسرعان ما علمنا أن هناك حفلة زواج في الحي عند فلان الفلاني يا سلام وأن الفنان عبد الرحمن عبد الله سيحيي ذلك الحفل – يا سلام يا سلام – إذن فعلاً وصلنا الأبيض .. واكتملت الفرحة ورأينا البنات والصبايا يتزاورن من بيت إلى بيت للتحضير للحفل .. ليس هناك كوافيرات أو صوالين تجميل .. كل شيء كان يتم بالتعاون والتكامل .. وصدقوني يا أخوان .. بناتنا هناك لسن في حاجة إلى كوافيرات أو صوالين تجميل ... بالعكس .. بالعكس أدوات التجميل وآلياته تشوه الوجوه مثل وضع الزهور الصناعية المغبرة وسط زهور الخميلة المغسولة بماء الندى. المهم نحن مدعوون للحفل وجاء أهل العرس وقدموا لنا الدعوة بكل أدب وإحترام وتقدير ووصلنا إلى بيت الحفل بعد أن وصل عبد الرحمن عبد الله ووجدناه في صدر المكان وحوله العازفون الأوفياء الاخوة الصادقة .. وكالعادة كان الكل يوزن آلته الموسيقية .. بينما كان الفنان عبد الرحمن منشغلا بالسلام على الأصدقاء والمعارف كان حريصا على أن يقوم لكل من يأتي إليه محيياً ويسأله عن الحال والأحوال . وبقدر ما كان الحضور يعيش في نشوة وانتظار لبداية الفاصل الأول كان الجميع يتخوفون من هطول الأمطار .. لأن السحب كانت تتبختر في السماء وكان القمر في دوره الثاني بهيا جميلا يغطي وجهه أحيانا بسحب رقيقة وأحيانا كثيفة واحيانا ينزل علينا رذاذا يداعب الوجوه. وتنطلق الدعوات للمطر أن يقدر الموقف ، وتنطلق التعليقات الضاحكة " العريس بياكل في حلة " ثم بدأ ود بارا الفاصل بالرميات المعهودة ودخل على " الزمام أبو رشمة " يا سلام وماج الجميع وحلت المتعة والاستمتاع والاستماع للفن الأصيل .. وطبيعي أن تكون هناك معلمات وسط البنات .. فأنشد ود بارا أغنية " المعلمة " وقامت المعلمات ورقصن وقام المعلمون وهزوا وبشروا . ثم دلف ود بار إلى " المعلم " هذا الفنان هو الوحيد الذي غنى للفضائل وغنى للقيم وغنى للمعلم والمعلمة. واستمر الحفل عطاء فنيا نقيا وتلق واع من الجميع في أدب ورزانة .. لا يجرؤ أحد على انتهاك حرمة المكان فالجميع هناك أخوة وأخوات وأولاد عم وبنات خالات . تمسك أدبك وتحفظ لسانك . استجاب ود بارا للطلبات وغنى " جدى الريل " القطعة الرائعة وغنى " البلوم " وعاد بنا نحن مرة أخرى إلى النهود إلى بابنوسة إلى المجلد إلى الماضي القريب والماضي البعيد. وحانت مني انتباهة ونحن في غمرة النشوة والانفعال فأنا المفتون دائماً بالقمر نظرت إلى السماء فوجدت القمر فارضا سلطانه على كل السحب .. إلا من غيمات صغيرات تداعب وجهة الوضئ وعلى يمين القمر ويساره نجيمات بعيدات .. كأنهن يسترقن السمع إلى تلكم الأهازيج الساحرة .. والنجيمات البعيدات يا سادتي معروفات لنا .. تلك نجمة الدلنج وتلك النجمة فوق الضعين وتلك فوق أم بادر والبعيدة تلك في دار صباح كوستي ومن بعدها الخرطوم. ويستمر الحفل والطرب البرئ ويمتلك الفنان عبد الرحمن عبد الله زمام الأمور ويمسك بأزمة القلوب في يده يسير بنا كالربان الماهر لمركبة فضائية تسيح بين النجوم ويطلق أدباً راقياً عفيفاً وغناءً صافياً نقياً. أخوتي الكرام: ونحن بعد أن أكرمنا الله بمجالسة الصالحين بعد عشرات السنين عدنا لنستمتع لذات الأغاني .. ولم نجد فيها ما ننكره أو نستغربه لأنها كانت أغان وأناشيد تسمو بأرواحنا إلى الأعالي وتغمر الوجدان بكل طيب محمود وكانت دعوة إلى الفضائل والأخلاق المرضية .. وهي التي نستمع لها الآن . إنها الفطرة السليمة والنفس السوية. جزاك الله عنا كل خير أستاذنا عبد الرحمن وحمداً لله على سلامتكم من الابتلاء الكبير وحمداً لله على سلامتكم من الابتلاء الكبير وحمداً لله على صبركم على المرض إلى أن جاءكم الفرج من الله الرحمن الرحيم الشافي الكافي. أسأل الله تعالى لكم العفو والعافية في الدنيا والآخرة . والشكر كل الشكر للاخوة الذين نظموا هذا الحفل الرائع وعلى رأسهم الأستاذ الهواري والسادة الأفاضل. واذكركم بالشروع مباشرة في تكريم المبدع الأستاذ/ الطيب عبد الله ، الذي يعيش بيننا في جدة وهو من الذين يدين لهم الشعب السوداني بالاحترام والتقدير لعطائه الفني المتميز . وفي الختام أذكركم بانتهاز هذه الموسم الرباني في الليالي البيض " والفجر وليال عشر " بالأمس استقبلنا حجاج الجنوب وأول من أمس استقبلنا حجاج دارفور. وعمروا أعماركم بالعمل الطيب وادعوا الله أن يثبتنا نحن أهل السودان على الحق بالحق وأن ينصرنا على الشيطان وأعوانه .. وأؤكد لكم نحن ثابتون وسائرون في المسيرة القاصدة إلى الله سبحانه وتعالى . أستاذنا عبد الرحمن عبد الله مرة أخرى أرحب بكم في جدة وأسأل الله أن يتقبل العمرة التي أديتم وزيارتكم لسيد الأولين والآخرين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. ونحن أبناء السودان في انتظارك لتواصل بنا ومعنا المسيرة القاصدة رائداً وفناناً ومادحاً لصاحب الحوض والشفاعة واللواء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. سبحانك الله وبحمدك نستغفرك لا إله إلا أنت. أكرر الشكر والتقدير لكم جميعاً أخواني الأفاضل وأخواتي الفضليات على اجتماعكم هذا المساء المبارك لنقول كلمة وفاء وتقدير للأستاذ الإنسان المربي الفنان / عبد الرحمن عبد الله . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. احمد التيجاني محمد الأمين – جدة
|
|
 
|
|
|
|