|
|
Re: القصة الفائزة بالجائزة الاولى..في مسابقة الطيب صالح للشباب في القصة القصيرة – الدورة الثاني (Re: salah awad allah)
|
فلف صدرك بغطاء نيكوتيني دافئ يقيك برد الروح وارتجافها في شرنقة الجسد المتهالكة لفها حول صدرك .. ووعيك حتى تفرغ كل أنفاسك الثائرة التي حنطتها في رئتيك منذ الأزل .. وهز اليك بجزع شوق لترى ارتسام ظلك الحديدي على جدران السراب .. بعد أيام لفظك الكائن الحديدي وسط صحراء اشد اتساعا مما رأيته في الخريطة .. نظرت الي نفسك من الأعلى فوجدتها كحبة رمل ضئيلة قد تاهت عن " قوزها " الأم وتشردت ما بين التجمعات الرملية وتكتلاتها .. غريباً في صحراء لا تحفل بالغرباء .. بل وتنتزع منهم حرية الرؤية فيها .. فلكم هبت عليك نفراتها واقتحمت عليك عينيك ومزقت شريط الرؤية فيهما .. ولكم ابتلعتك دواماتها ورقصت معك رغماً عنك رقصة احتفائية باستقبال كائن يتنفس غيرها .. وغير هذا الصبار المسلح . حينما راك الصبار ظنك كومة رملية تتحرك عكس الرياح ، وهمهم قائلاً : ( يارب المطر .. قنا من شر كائناتك الغريبة هذه .. ) غير انك ابتسمت ثم مسحت على ريشه الناعم بيدك الصبارية وواصلت احتراقك في أتون هذه الصحراء اللامتناهية .. وحينما كان الصمت الصامت يتعبك كنت تستريح تحت شجرة حراز عصية على دية المطر حينما يغرق البراح .. حرازة حملتها معك فوق ظهر مخيلتك اللامتناهية .. حينما كان يتسربلك الليل .. كنت ترى من على البعد ناراً فتبتسم ثم تقول لنفسك ضاحكاً : أنا لست نبياً لاقتبس منها جذوة .. ولا حتى مختاراً لان يناجيني الله على الرغم من هذا الصمت الشاحب الحزين .. لكنك كنت تطمع ان يناجيك .. ان يبتسم لك ويخفف عنك وزر التشظي في هذه الفراغات اللعينة . حينما كان يوغل الليل في نفسه كنت تسمع صوت الصحراء وهي تراود نفسها عن نفسها .. وحينما يغرق القمر في سراب الأفق كنت تشعل من قوتك سيجارة تسامرها ريثما تضمحل عيناك في وحل الموت المرحلي . حينما نظرت إلى الخريطة نظرة مستفسرة ومستعجلة أدركت ان الصحراء سوف تمتد ليومين آخرين .. وبعدها سوف تدخل العالم الجديد العالم الذي لا تعني المدينة الفاضلة فيه سوى مرحلة تم تخطيها منذ قرون .. في آخر أيامك في الصحراء عثرت على صدفة غارقة في الرمال .. نفضت الغبار عنها وأنصت إليها .. ولكم اندهشت حينما سمعت نشيد البحر الوطني لا يزال عالقاً في حنجرتها على الرغم من ان البحر .. قد هاجر بعيداً من دون ان يصطحبها معه .. وتركها منهمكة في هذيانها السرمدي عن حكايات البحر الملحمية التي عاشتها في طياته ... أبقيتها بالقرب من أذنيك .. اللتين صدئتا من طول الصمت . ثم وضعت يديك على رئتيك ... بلهفة وخوف .. ولكم صدمت حينما شعرت بهواء النيل لا يزال مصطبخاً في داخلها .. وبكيت يا آدم .. بكيت يا آدم .. بكيت يا آدم ... حتى امتلأت الصدفة بدموعك .. وحتى اختفى السراب الموهوم من أمامك . وقد بدأت تشعر ان هذيان الصحراء وشوقها الأسطوري إلى البحر قد ولد لديها جنوناً بلون البحر فابتدعت السراب كتذكار للبحر .. لكنها ما لبثت ان أمنت انه البحر فعبدته . وهنا توقفت الخريطة عن الحديث وصرت على مرمى يوم واحد من الأرض الجديدة التي سوف تبرئ كل آلامك وجراحاتك الوطنية . وحينما اقتربت من الشريط الحدودي وتبقت لك خطوة واحدة من الأرض الجديدة .. نظرت نظرة حالكة إلى الوطن وأخرى مشرقة إلى البلاد الجديدة التي بدأت أضواءها في مراودتك عن وعيك .. رأيت المدائن كلها متشحة ببياض إنساني ومعماري ساحر .. رأيت فردوسك الذي سوف تعيش فيه مكرماً معززاً ، تبقت بينك وبين الحياة الحقيقية خطوة واحدة .. ضحكت بسرور .. وكدت ان تخطو خطوتك الأخيرة لولا انك سمعت الصدفة تصرخ بك بكل ما أوتيت من شوق إلى البحر .. " لا تعبر .. الأرض يا آدم .. الأرض تناديك .. " تجاذبتك نوبات الحنين مابين إغراء البلاد الجديدة وقسوة الوطن .. أغمضت عينيك ثم اتخذت قرارك المصيري .. بيد انك ما كدت ان تخطو حتى سمعتهم يصرخون بك : توقف .. توقف .. دي منطقة حدودية .. لكنك لم تكترث بصيحاتهم ونباحهم المسعور ذاك .. وواصلت مسيرتك الملحمية . لحظتها تغيرت نغمة أصواتهم إلى " نغمة كلاشنكوفية " اشد نباحاً وحقداً اقتحمتك رصاصاتهم تلك بقسوة .. لكنك لم تسقط .. واصلت مشيك ، حتى أسندت جسدك إلى احد الصبارات الصابرات .. وبدأت في رؤية شريط ذكرياتك .. ميلادك الأسطوري من رحم تبلدية مؤمنة .. حبوك المحابي للنهوض .صباك الصابي عن ملة الصبيان في عمرك وأنت تبحث في الوجوه والأوراق عن وجهها السماوي .. هذيان عمك لمبة الموتور وهو يقول .. ( الولد ده مازي اخوانو .. ولا زى رفقاتو .. ( بينما أنت تضحك فخوراً بهذه الكلمات الثمينة والسمينة في آن . بينما كان الدم ينز من كل خلايا جسدك .. وقد وقفوا خلفك بهيئتهم الشيطانية .. مفتوحي الأفواه مكشرى الأنياب . بينما كانت أنفاسك الحزينة تتصاعد بوتيرة متنازلة .. ولكم اندهشوا .. حينما رأوك تقف ماداً يديك .. كأنك تستعد لترفع إلى صليب سرابي مغروس في الأفق .. رأوا جسدك يرتفع مسافة سبع نظرات .. ثم يشخص نحو الأعلى .. ويخرج من جلبابه جسم نوراني شفيف له كل ملامحك الحرازية المتماسكة وكل ملامح الأرض التي نبت منها . خرج مرتدياً جلابيتك البيضاء الناصعة ، وعمتك التاجية ، وسبحتك " اللالوبية " الخاشعة .. وحاملاً ابريقك الفخاري المضيء من تلقاء نفسه .. وكيس " سعوطك " الياسميني الرائحة . رأوه ينفض غبار الصحراء المتراكم فوق زواياك وأركانك ثم يرسم ابتسامة مائية بالحبر السري على شفتيك اليابستين .. وينظر إلى قاتليه نظرة ملائكية بريئة ويبدأ في معراجه السرمدي نحو الغيب المطلق .. رأيت حبيبتك " الغيبية " تمشط شعرها لتدخل عليها عريساً ملحمياً .. رأيت أمك تنهض في تلك الليلة مفزوعة مضطربة وقد شخصت نظراتها نحو الحائط الجالوصي وهي ترى ظلك يتسلل منه دامعاً .. ثم يدخل غرفتك ليطفئ قنديلك الذي لم يطفئوه قط منذ رحيلك لحظتها علت " كواريكها " حتى فاض النيل على أرضك البكر لينبت منها آدم جديد بنفس تفاصيلك المفصلة على مقاسك اللامتناهي. ذهل العسكر حتى سقطت البنادق من أيديهم وهرب بعضهم خوفاً من العقاب السماوي . فلقد ظنوا لوهلة أنهم قتلوا نبياً .. لا مجرد عظام بشرية يكسوها الجلد حتى لا تتداعى وتتساقط لكن أحدا منهم ولا منكم .. كان يعرف ان آدم قد قرر التوبة إلى وطنه .
| |

|
|
|
|