|
|
Re: مع ابن عبد ربه الأندلسي (Re: عبدالرحمن الحلاوي)
|
Quote: نظرة في كتاب :
شعر ابن عبد ربه الأندلسي
للدكتور محمد أديب جمران
بدر العمراني الطنجي حظي مليح الأندلس بثناء كبير ، و مدح شهير ، ساد كل العصور ، و فاق كل مغرور فخور ، ساد بشعره الرائق العذب ، و خياله الفائق السلب ؛ فجمع ديوانا فسيحا ، ضم فيه أشعاره و قصائده ، ذكر الحميدي المتوفى سنة 488 أنه رأى نيفا وعشرين جزءا من جملة ما جمعه الشاعر للحكم المستنصر ، و معظمها بخط الشاعر[1] .
و قد نقل الناس عن ابن عبد ربه شعره في حياته ؛ لكن الديوان الكبير ضاع مع ما ضاع من كتب التراث الأندلسي، فلم يصل إلينا .
و قد نقل محمد عبد المنعم خفاجي أن بروكلمان أشار إلى الديوان المفقود للشاعر في مجلة الأدب الإسلامي عدد يونيه 1952 م الصادر بمدينة لاهور .
و أشار الزركلي إلى أنه طبع من ديوانه خمس قصائد … .
و لشغف الناس بشعر هذا الرجل الذي شغل الناس بشعره و أدبه ، قام مجموعة من الأدباء و الباحثين بجمع ما تبقى من شعره المبثوث في العقد و غيره ، و هم :
- الأستاذ الأديب محمد بن تاويت التطواني . و قد طبع في الدار البيضاء سنة 1978 .
- الدكتور محمد التونجي . و قد طبع عمله ببيروت مرتين عن مؤسسة الخافقين .
- الدكتور رضوان الداية . و قد طبع عمله مرتين بدمشق عن دار الفكر المعاصر .
- الدكتور محمد أديب عبد الواحد جمران . و قد طبع عمله بالرياض عن مكتبة العبيكان .
و يعد عمل هذا الأخير أتقن الأعمال و أجمعها . و رغم ذلك فلا يسلم من الوهم و الخطأ إلا من عصمه الله تعالى .
فأثناء مطالعتي للكتاب عنّت لي ملاحظات ، آثرت إدراجها ضمن هذه السلسلة ، إيفاء لواجب النصح .
الملاحظة الأولى :
قال في معرض كلامه عن السماع و رأي ابن عبد ربه فيه : فهو يقول : في بعض شعره :
ديننا في السماع دين مديني و في شربنا الشراب عراقي إنه يميل في هذا إلى حل السماع على مذهب الإمام مالك ، و إلى حل الشراب على مذهب الإمام أبي حنيفة[2] .
قلت : ليس المقصود هنا الإمام مالك بن أنس كما فهم الدكتور جمران ؛ لأن مالك لا يجيز السماع ، و قد أثر عنه في ذلك قوله المشهور لما سأله إسحاق بن عيسى الطباع عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء : إنما يفعله الفساق عندنا[3] . بل غيره من الفقهاء كما جاء في قول الأوزاعي : من أخذ بقول المكيين في المتعة ، و الكوفيين في النبيذ ، والمدنيين في الغناء ، و الشاميين في عصمة الخلفاء ، فقد جمع الشر[4] .
الملاحظة الثانية : قال[5] : و يرى الأستاذ الدكتور إحسان عباس أن ابن عبد ربه لم يقع في تجربة الإثم ، و مخالفة الشريعة في السلوك ، و لم يخرج إلى المحرمات و لم يشرب الخمرة … و إنما هي تجربة كلامية في الأشياء التي ظنها من المعاصي …
قلت : و قد سبقه إلى هذا الرأي الأستاذ سعيد الأفغاني في مقال له بمجلة المجمع العلمي بدمشق[6] ، قال منتقدا الدكتور جبرائيل جبور : استدل المؤلف على أن صاحب العقد كان يشرب الخمر و يحبها و يدعو إليها بأشعار له في ذكر الخمر و صفتها و الثناء عليها . و نريد هنا أن ننبه إلى أن هذا شائع عند عامة الشعراء حتى الفقهاء منهم ، فمن لوازم الشعر صفة النساء و الخمر ، و إنا نخطئ كثيرا إذا اعتمدنا في درس حياة شاعر على ما يذكر في شعره من حب للنساء و الخمر أو تمدح بالشجاعة و عفة النفس . و البون شاسع بين أقوال الشعراء عندنا و أفعالهم منذ الجاهلية حتى اليوم و الذي يثبت شرب الخمر على صاحب العقد خبر مأثور أو رواية مشهورة .
الملاحظة الثالثة : لما تطرق المؤلف إلى معتقد ابن عبد ربه لم يشر أو لم يتحدث إلا على التشيع فقط ؛ كأن الاعتقاد محصور في هذه المسألة . في حين أن شعر الشاعر يفصح في كثير من مقطعاته بلفتات من معتقداته ، مثل :
1) إفراد الله عز و جل بالتوحيد : و يتضح جليا في مطلع أرجوزته التاريخية ، قال فيها :
سبحان من لم تحوه أقطار[7] و لم تكن تدركه الأبصار[8]
و من عنت لوجهه الوجوه[9] فمـا لـه نـد و لا شبيه
سبحـانه من خالق قدير و عالم بخلقـه بصـيـر
و أول ليـس لـه ابتداء و آخـر ليـس له انتهاء
أوسعنـا إحسانه و فضله و عز أن يكون شيء مثله[10]
و جـل أن تدركه العيون أو يحويـاه الوهم و الظنون
لكنـه يـدرك بالقريحه و العقل و الأبنية الصحيحه[11]
و هذه من أثبت المعارف في الأوجه الغامضة اللطائف
معرفة العقل من الإنسان أثبـت مـن معرفة العيان فالحمد لله على نعمـائه حمـدا جزيلا و على آلائه فأبو عمر رحمه الله قد سكب في هذه الأبيات التوحيد الصحيح الصريح ، مستمدا دلائله من القرآن الكريم و السنة المطهرة ، و من قارنها بما سطره كبار أئمة أهل السنة و الجماعة في عقائدهم ، التي صارت بمثابة صوى على الطريق يهتدى بها ؛ كالطحاوي و ابن أبي زيد القيرواني ، لا يجد بينها تباينا و لا تفاوتا ، بل اتحادا و توافقا .
2) إنكاره للاعتقادات الفاسدة المبتدعة : كالإرجاء و الاعتزال ، مثل ما صرح به في قصيدته الموجهة لصاحب القبلة ، قال فيها :
أبيـت إلا شـذوذا عـن جماعتنا و لم يصب رأي من أرجى و لا اعتزلا 3) إيمانه بالقضاء و القدر : كما جاء في قصيدته التي مدح بها الوزير جهور و عرض بابن عزرا المنجم . و قال أيضا في مقطوعة له :
لست بقـاض أملي و لا بعـاد أجلي
و لا بمغلوب على الر زق الـذي قدر لي
و لا بمعطى رزق غيـ ري بالشقا و العمل
فليت شعري ما الذي أدخلني في شغلي ؟ ضمن ابن عبد ربه في هذه الأبيات معنى قول الحسن البصري : يا ابن آدم ! لست بسابق أجلك ، و لا ببالغ أملك ، و لا مغلوب على رزقك ، و لا بمرزوق ما ليس لك ، فعلام تقتل نفسك[12] ؟
4) إثباته للصفات : مثل الخلق و القدرة و العلم و البصر ، كما جاء في مطلع أرجوزته التاريخية، قال :
سبحانه من خالق قدير و عالم بخلقه بصير و يقوم أحيانا بطرح الغموض و الالتباس عن الأحاديث التي قد تدرج ضمن أحاديث الصفات ، مثل حديث : إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن . قال[13] : معناه و الله أعلم : أن الله ينفس عن المسلمين بأهل اليمن ، يريد الأنصار ، و لذلك تقول العرب : نفسني فلان في حاجتي ؛ إذا روح عنه بعض ما كان يغمه من أمر حاجته .
الملاحظة الرابعة : خلطه في نسبة بعض النقول :
قال[14] : ها هو ذا المقري ينقل لنا قول ابن الخطيب فيه : عالم ساد بالعلم و رأس ، و اقتبس من الحظوة ما اقتبس، و شهر بالأندلس حتى سار إلى المشرق ذكره ، و استطار شرر الذكاء فكره ، و كانت له بالعلم عناية وثقة ، و رواية متسقة ؛ أما الأدب فكان حجته ، و به غمرت الأفهام لجته …
قلت : هذا الكلام للفتح ابن خاقان في مطمح الأنفس ، فلينظر 270 .
و قال[15] : و صاحب الوافي بالوفيات يقول عنه : كانت له بالعلم جلالة ، و بالأدب رياسة ، و شهر مع ديانته و صيانته ، و اتفقت له أيام ولايات للعلم فيها نفاق ، فساد بعد الخمول ، و أثرى بعد فقر …
قلت : و هذا للحميدي ، انظر جذوة المقتبس 91 و بغية الملتمس 148 .
الملاحظة الخامسة : قال[16] : قال يمدح محمد بن وضاح :
جادت لك الدنيا بنعمة عيشها فكفاك منها مثل زاد الراكب
قلت : بل هذا البيت من قصيدة رثاء لا مدح ، نص على ذلك محمد بن حارث الخشني في أخبار الفقهاء و المحدثين[17] ، قال : و كان من أهل الزهد و الانقباض و التقشف علما في ذلك مشهورا فيه و قد قيد ذلك أحمد بن عبد ربه في رثائه له إذ مات ، ثم ذكر البيت .
الملاحظة السادسة : استدراك .
قال : قال في رثاء عبيد الله بن يحيى الليثي :
لقـد فجـع الإسلام منه بناصر كمـا فجع الأيتـام منه بوالد
لقـد فجـع الإسلام منه بناصر كمـا فجع الأيتـام منه بوالد
قلت : و قد فات الدكتور جمران بيتان من هذا الرثاء ، ذكرهما محمد بن حاث الخشني في كتابه أخبار الفقهاء والمحدثين[18] ، قال : و رثاه أحمد بن محمد بن عبد ربه إذ مات و ذكر معروفه و عوائده و سؤدده فقال :
[بموت أبي مـروان ماتت عوائد مـن الخير ليست بعده بعوائد]
لقـد فجـع الإسلام منه بناصر كمـا فجع الأيتـام منه بوالد
[… وفود الأرض خطوا رجالكم فقد غيبوا في الأرض بحر الفوائد]
بكته اليتامى و الأيامى و أعولت عليـه الأسارى خائبات المواعد
الملاحظة السابعة : تصحيح خطأ من جهة الضبط
ضبط اسم والد بقي بن مخلد هكذا : مُخَلّد .
قلت : و هذا خطأ محض ، و الصواب الذي لا محيد عنه هو : مَخْلَد .
هذا ما تيسر رقمه و رصده على هذا الكتاب النفيس ، فجزى الله جامعه و جعله في ميزان حسناته ، و هذه الملاحظات لا تغض من قدره ، و لولا دافع النصح ما أبرزتها للوجود .
و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة السلام على سيد الأولين و الآخرين في طنجة : 3 محرم الحرام 1425 هـ
--------------------------------------------------------------------------------
[1] جذوة المقتبس 101 .
[2] شعر ابن عبد ربه 28 .
[3] انظر تحريم آلات الطرب للشيخ الألباني رحمه الله 99-101 .
[4] سير أعلام النبلاء 8/90 .
[5] شعر ابن عبد ربه 29 .
[6] المجلد 15 . سنة 1937 . 488-492 .
[7] كيف تحوه الأقطار و هي في قبضته و تحت تصرفه و سيطرته !؟ لقوله تعالى في سورة الزخرف : 85 : و تبارك الذي له ملك السموات و الأرض و ما بينهما .
[8] إشارة إلى قوله تعالى : لاتدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير الأنعام : 103 .
[9] إشارة إلى قوله تعالى : و عنت الوجوه للحي القيوم و قد خاب من حمل ظلما طه : 111 .
[10] إشارة إلى قوله تعالى : ليس كمثله شيء و هو السميع البصير الشورى : 11 .
[11] هنا يشير إلى مبدأ التدبر و التفكر في ملكوت الله تعالى : قل انظروا ماذا في السموات و الأرض يونس : 101 . كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا و الآخرة البقرة 219-220 .
[12] العقد 3/206 .
[13] العقد 3/334 . و انظر رقم : 365 .
[14] شعر ابن عبد ربه 35 .
[15] المرجع السابق .
[16] شعر ابن عبد ربه الأندلسي 70 .
[17] أخبار الفقهاء و المحدثين 91 .
[18] أخبار الفقهاء و المحدثين 170-171 . و ما بين معقوفتين من الأبيات فات الاطلاع عليهما الدكتور محمد أديب جمران في كتابه : شعر ابن عبد ربه الأندلسي 117 . فليعلم . |
| |
   
|
|
|
|