علي اعتاب الذكري الرابعة والأربعيـن: كـيف كانت أخـر عـشـرة أيـام قبـل انـدلاع ثـورة 21 أكتـوبر 1964? --------------------------------------------------------------------
*** - اصـدر اللواء مـحـمد طلعت فريـد وزير الأسـتعلامات والعـمل اوامره الصـارمة للصـحـف الـمحلية وللـمراسلييـن الأجانب بالخـرطوم بنشـر او ارسال اي اخـبار عن حـرب الـجـنوب،
*** - انتشرت الأخـبار وسـط الـمواطنييـن بالعاصـمة الـمثلثة وضـواحـيها بان السـلاح العسكري بامدرمان قـد امـتلأ باخـره بالـجـرحي من ضـباط الجـيش السوداني الذين سـقطوا جـرحـي برصاصات والعام قـوات (الأنيانيا ) التـي كانت هـي القوة الجـنوبية الضـاربة ضـد قوات الجـيش السوداني، والـمعروف ان حـركة (الأنيانيا ) كان وقتـها يقودها اللواء جـوزيف لاقـو،
*** - تـضاعـفت اسـعار السلع بصـورة حـادة بسـبب تـحـويل كل موارد الدولية لوزارة الدفاع لـمقابلة نفقات حـرب الجـنوب التـي اشـتـدت بصـورة كبيـرة وحـادة منـذ فـبـرائر 1963 واشـتدت ضـراوة بعـد حـصول حـركة (انيانيا) علي سلاح متطور والغام من حكومة يـوغندا وكينيـا، اثر هـذا الارتفاع في السلع والادوية علي مـيـزانيات كثيـر من الأسـر الفقيـرة والـمتوسطة،
*** - كانت الاذاعة السودانية ( هنا امـدرمان ) تكثف من اخبار الكرة وتبث الأغاني باسـتمرار حـتي توهـم الـمواطنييـن بان الامور مـستتبة والبلد في أمن وأمان، وقـد قال وقتـها اللواء محـمـد طلعت فريـد قولته الـمشهـورة والتـي يعرفـها القاصـي والداني وخاصـة ابناء جـيل الستينيات " اشـغلوا الناس بالكـفر والوتـر "!!!،
*** - كانت منشور الحـزب الشيوعي والتـي توزع سـرآ بالأسـواق وبدار الرياضـة بالخرطوم وبـدور العرض والنوادي تنشـر كل الحقائق عن تردي الأوضـاع الاقتصادية والأمنية وان البلد تسـيـر نـحـو الاضـمحال بسـبب سياسات الحكومة العسكرية التي تـصـر علي الحـل العسكري لـمشكلة الجـنوب، وكانت هـذه المنشورات تلقي قبولآ واسـعآ من قبل المواطنييـن بسـبب التعتيـم الاعـلامي علي واقع الحال،
*** - فرضت الـحكومة رقابة عسكـرية صـارمة علي جامعة الخرطوم التـي نـددت بالـحـرب وضياع الشباب في اتونـها،
*** - كانت حكومة عـبود العسكرية وقبيل انتفاضـة اكـتوبر 1964 بوقت طويل منـزعـجـة بسـبب ماكانت تبثه اذاعـة الBBC عن اخبار السودان وخاصـة اخبار الـمعارك الضارية في جـنوب السودان وبالتفاصيل الدقيقة واعـداد الضـحايا من الجانبييـن وعن القتلي الذين راحـوا نتيـجـة انفجارات الالغام تـحـت مـدرعاتـهم، كانت اذاعـة ال(بـي بي سـي) محل اهـتمام بالغ وحـرص شـديـد من قبل المواطنييـن في كافة بقاع البلاد بالانصات والأهتـماع بـما تبثـها من اخبار ومعلومات، وكانت فتـرة الامسيات هـي الفتـرة التـي اختارتـها الاذاعـة البـريطانية بـدقة لتذيع اخبارها وقبل خلود الناس للنوم.
*** - اسـتدعت الحكومة الـسفيـر البريطاني بالخـرطوم وطالبته بان يطلب من حكومة صـاحبة الجـلالة وان تتوقف عـن التدخل في الشـؤون الخاصـة بالسودان والاتذيع اي اخبار عن السودان الاباذن مسـبق وان تكف هـذه الاذاعة عـن نشر اخبار المـعارك بتاتآ، ولكن السـفيـر البـريطاني اوضـح لوزير خارجـية السودان وكان وقتـها احـمـد خـيـر بان اذاعة الbbc مسـتقلة تـمامآ عن الحكومة ولاتتـدخل في شـؤونـها الاعـلامية.
*** - كانت مـحـطة ال(بـي بي سـي) لـها مكتب دائـم بكينيا ومن هناك كانت تـحـصل علي اخبار السودان.
الأمر الدستوري الأول فترة الحكم العسكري 1958 - 1964م: ------------------------------------
الأمر الدستوري الأول فترة الحكم العسكري 1958 - 1964م
في 17/11/1958م أعلن الفريق إبراهيم عبود القائد العام للقوات المسلحة أن الجيش قد استولى على السلطة وأصدار الأوامر الآتية : -----------------------------------------------
1 - جمهورية السودان ديمقراطية ، السيادة فيها للشعب . 2 - المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو السلطة التشريعية العليا في السودان . 3 - المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو السلطة التشريعية العليا في السودان . 4 - المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو السلطة القضائية العليا في السودان . 5 - خول المجلس الأعلى للقوات لرئيسه جميع السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية وقيادة القوات المسلحة السودانية . صدر تحت توقيعي في اليوم السابع عشر من نوفمبر 1958م
أمضاء الفريق إبراهيم عبود رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة
الأمر الدستوري رقم (2) لسنة 1958م: ---------------------------------- رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة
رئيس وأعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة 1 - يتكون المجلس الأعلى للقوات المسلحة من السادة المذكورين بعد : -------------------------------------------------------------------- اللواء أحمد عبد الوهاب . اللواء محمد طلعت فريد الأميرلاي أحمد عبدالله حامد . الأميرلاي أحمد رضا فريد . الأميرلاي حسن بشير نصر . الأميرلاي أحمد مجذوب البحاري . الأميرلاي محمد نصر عثمان . الأميرلاي الخواض محمد . الأميرلاي محمد أحمد التجاني . الأميرلاي محمد أحمد عروه . القائم مقام عوض عبد الرحمن صغير . القائم مقام (أركان حرب) حسين على كرار .
رئيس الوزراء 2 - يكون رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة رئيسا للوزراء . الوزراء 3 - يعين رئيس الوزراء ويتولى كل وزير الإشراف على شئون وزارته ويقوم بتنفيذ السياسة العامة للحكومة فيها ويجوز تعيين وزراء دوله . مسئولية الوزراء 4 - الوزراء مسئولون كل بمفرده عن إدارة وزاراتهم . 5 - يكون النصاب القانوني لاجتماعات مجلس الوزراء عدد يزيد على نصف عدد الوزراء .
الأمر الدستوري رقم (3) لسنة 1958م: -------------------------------------
1 - تعطيل الدستور المؤقت . 2 - يحل البرلمان السوداني القائم بموجب أحكام الدستور المؤقت للسودان . 3 - تحل جميع الأحزاب السياسية زيبطل قيام أي حزب سياسي جديد . 4 - تستمر جميع القوانين المعمول بها قبل تعطيل الدستور المؤقت للسودان معمولا بها ما لم تلغ أو تعدل بواسطة أية سلطة مختصة . 5 - يظل الدستور المؤقت مباشرة في مناصبهم يباشرون اختصاصاتهم لو كانوا معينين أو كانت اختصاصاتهم مقررة وفق أحكام هذا الأمر وذلك ما لم يصدر قانون بغير ذلك .
الدستوري رقم (4) لسنة 1959م: ----------------------------------
أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة (ويشار إليهم في هذا الأمر بالمجلس الأعلى) وقد وضعوا بين يدي استقالاتهم بصفتي رئيسا في اليوم الرابع من شهر مارس 1959 وذلك للتمكين من إعادة تشكيل المجلس الأعلى . وبما أن المجلس الأعلى قبل تقديم تلك الاستقالات قد ركز في بصفتي رئيسا وأيد : (أ) السلطة الدستورية العليا في السودان . (ب) جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية . (ج) القيادة العليا للقوات المسلحة .
فبناء عليه أنا الفريق إبراهيم عبود رئيس المجلس الأعلى وعملا بالسلطات المركزة على الوجه المتقدم والمؤيد بمودبه : أعين بموجب هذا الأشخاص الآتية أسماؤهم أعضاء للمجلس الأعلى تحت رئاستي ليحلوا محل أولئك المذكورين في المادة 1 من الأمر الدستوري رقم (2) : - اللواء أحمد عبدالوهاب . - اللواء محمد طلع فريد . - الأميرلاي أحمد رضا فريد . - الأميرلاي حسن بشير نصر . - الأميرلاي أحمد مجذوب البحاري . - الأميرلاي محي الدين أحمد عبدالله . - الأميرلاي محمد أحمد عروه . - الأميرلاي عبد الرحيم محمد خير شنان . - الأميرلاي المقبول الأمين الحاج .
5 مارس 1959م
الأمر الدستوري رقم (5) لسنة 1959م: -----------------------------------------
يقرر المجلس الأعلى للقوات المسلحة وقد أعيد تشكيله وفقا لأحكام الأمر الدستور رقم (4) : أنه ركز في الفريق إبراهيم عبود رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة (وأيد ذلك) السلطات الآتية ليمارسها منفردا بمحض اختياره المطلق : ------------------------------------------------- (أ) أن يعين أي عضو في المجلس الأعلى وأن يقيله . (ب) أن يعين الوزراء وأن يقيلهم . (ج) أن ينقض أي قرار للمجلس الأعلى . (د) أن ينقض أي قرار لمجلس الوزراء .
2 - تسرى أحكام هذا الأمر في حالة وجود أي تعارض أو مخالفة بين أحكام هذا الأمر أحكام أي دستور سابق .
أمر اعفاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة (9/3/1959م): ---------------------------------------------------- بمقتضى المادة (أ) من المرسوم الدستوري رقم (5) أنا الفريق إبراهيم عبود رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة أعفى بموجب هذا اللواء أحمد عبد الوهاب من عضوية المجلس الأعلى للقوات المسلحة اعتبارا من اليوم التاسع من شهر مارس 1959 .
أمر إعفاء من مجلس الوزراء: -------------------------------- بمقتضى المادة الثالثة من الأمر الدستوري رقم (2) أنا الفريق إبراهيم عبود رئيس رئيس الوزراء قد أعفيت اللواء عبد الوهاب من منصبه كوزير لوزارتي الداخلية والحكومة المحلية .
صدر بتوقيعي في اليوم التاسع من مارس سنة 1959م فريق أبرهيم عبود رئيس الوزراء
أمر تعيين: ------------------------
عملا بالسلطات المخولة لي بموجب المادة 3 من الأمر الدستوري رقم (2) أنا الفريق إبراهيم عبود رئيس مجلس الوزراء قد أجريت التعديل الوزاري الآتي : الأميرلاي أحمد مجذوب البحاري وزير للداخلية الأميرلاي محي الدين أحمد عبدالله وزيرا للمواصلات الأميرلاي عبدالرحيم محمد خير شنان وزيرا للحكومات المحلية . الأميرلاي (أ.ح) المقبول الأمين الحاج وزيرا للدولة
الأخ الـحـبيب الحـبوب، صلاح الفكي، تـحـياتي ومودتي، وشـكرآ علي قـدومك الـجـميل، وبـمناسبة كـلامك " "للك منى التحية والاحترام.. أكتوبر ..تلك قصة أخرى .. لا زلت اذكر ايامها جيدا.. وأنا صغير سن آنذاك.. واصل ياكريم..".
اقول لك ، اننـي وقتـها 21 اكتوبر 1964 كنت طالب بـجـامعة القاهرة فرع الخـرطوم- كلية الحـقوق .... تقول لي بـعانـخـي!!!
*** - اجـمل شـئ في جامعة الخـرطوم ذلك التلاحـم والتكاتف الشـديـد بيـن الطلاب من اجـل اـنهاء حـرب الجـنوب، وماكانت هناك الـمشادات والخلافات الكبيـرة بيـن مخـتلف الـمنظمات كالـصورة التـي نراها الأن بالجامعات الحكومية والتجارية. كان الطلاب الجنوبيـون يـجـدون الاحـتـرام الكامل من زملاتـهم الاخـرين وكان الكل متعطف معـهم في قضـية الجـنوب. نـظم الطلاب الجـنوبيون حملة داخل جامعتهـم تـهدف الـي ابراز واقع حال الـمديريات الجنوبية الثلات ( بـحـر الغزال، والأسـتوائية، واعالـي النيل ) والـمعاناة التـي يـجـدها اهالـي تلك الـمناطق من ظلـم وقهـر واغتيالات من قوات الشـمال ، كان هـدف الطلاب الجنوبيون وان تتفاعل باقي قوي الشعب في الشوارع وبالاسـواق والأنـدية والـمدارس مع قضـيتـهم. وبالفعل تبنـي اتـحاد الطلاب فكرة اقامـة نـدوة بالجـامعة موجـهة لكل القوي السياسية المحظـورة ورجال الدين والصـحـفييـن والنشطاء بالاتحادات العمالية وبـحقل التدريس والطب لـحـضورها.
التاريخ الذي أخفته الإنقاذ !!! -----------------------------
منتديات عشاق السودان > المنتديات العامة >
10-09-2006,
------------------------------------------------------ *** ماهو التاريخ الذي أخفته حكومه الإنقاذ عن السودانيين والذي كان يفترض أن يدرس في المدارس والجامعات وتطبع له كتب.
انه تاريخ المناضله ضد الظلم والديكتاتوريه سنذكر اليوم شخصية ليست شخصية بل بطل من أبطال أبناء السودان وطلابها انه الشهيد (أحمد القرشي):
مقتل القرشي في ذكرى ثورة اكتوبر: ---------------------------
وقع الحادث الذي روع الدنيا واقام القيامة على حكومة عبود في يوم الاربعاء 21 اكتوبر 1964 ، لقد اخترق رصاص الدكتاتورية العسكرية رأس المناضل الشهيد احمد القرشي. فهز مصرعه ضمير الامة السودانية ، وفجر البركان الذي كان ينتظر شرارة الاشتعال .. وعمت نيران الثورة ا رجاء البلاد.
بعد منع الدكتاتورية لقيام ندوة يوم 10/10 قرر الطلاب التحضير الجاد لقيام ندوة يوم 21 اكتوبر، وفي سبيل انجاح الندوة عقد الطلاب مؤتمراً حضره مندوبو عديد من المعاهد والمدارس بالعاصمة واقر المؤتمر قيام الندوة وخطوات اخرى احتجاجاً على دخول البوليس حرم الجامعة والتعدي على حريتها .
وفي يوم الثلاثاء 20 اكتوبر عقد اجتماع عام لطلاب جامعة الخرطوم نوقشت فيه مسألة الندوة وكل الاحتمالات التي قد تترتب على قيامها رغم انف السلطات ، وقرر الطلاب اتخاذ العدة لمواجهة اي قوة يلجأ اليها البوليس.
ندوة 21 اكتوبر: -------------------------
في يوم الاربعاء 21 اكتوبر توافدت جموع الطلاب من داخلياتهم المختلفة الى مكان الندوة . قد كان الحزم بادئاً على وجوه الطلاب وهم مقدمون على مناقشة مشكلة الجنوب رغم انف الدكتاتورية العسكرية بدأت الندوة في ميعادها المحدد بالميدان الواقع بين داخليتي القاش وكسلا.
وفي لحظات حاصر البوليس حرم الجامعة واصدر احد الضباط اوامره لرئيس الاتحاد بفض الندوة ، ولكن الطلاب اصروا على استمرار ندوتهم وواصلو اجتماعهم دون ان يعبأوا بأوامر الضابط.
بدأ البوليس ينفذ اوامر استخدام القوة فامطر الطلاب بوابل من القنابل المسيلة للدموع ،انقضت الندوة والطلاب تحت سحب الدخان الخانق ، ولكن البوليس واصل رمي الطلاب بالقنابل بصورة انتقامية واضحة ، وهنا استيقظت في الطلاب حاسة الدفاع عن النفس فحاصروا البوليس في لحظات في ركن ضيق حتى نفذت قنابله . وفي هذا الوقت اطلق البوليس الرصاص على الطلبة فاصاب القرشي برصاصة قرب عينه اليمنى وخر صريعاً في الحال وكذلك اصاب الرصاص بابكر، واستمر الضرب حتى الساعة الحادية عشر وواصل البوليس حصاره للجامعة رغم سقوط القتلى الجرحى على الارض .
في المستشفى: ---------------------------- كانت الجثة بالمستشفى وكان ابارو وجماعته يتآمرون لاخذها سراً بعيد عن اعين الناس املاً في اخفاء الجريمة . ولكن اثناء نقل الجثة لحجرة التبريد صحبها الاخ جعفر حسين من ابناء القراصة بعيون مفتوحة ، وقد جرت بينه وبين سائق الاسعاف معركة حقيقية عندما حاول السير بطريق اخر ، اجبر جعفر السائق على الوقوف واصطف الطلاب في صفين حتى حجرة التبريد ، واستمر الطلاب في مكانهم حتى اشرقت الشمس .
حضر ابارو الى المستشفى وانكر اطلاق الرصاص على الطلبة .. ولكن الطبيب اليوغسلافي كان قد استخرج الرصاصة من راس القرشي!
من الاسبتالية وحتى ميدان عبد المنعم حمل الطلاب واساتذة الجامعة وجمع من المواطنين نعش الشهيد ، ومر موكبهم الحزين الغامض بشارع الاسبتالية حتى كبري الحرية وهنا انضم للموكب مجموعات كبيرة من طلاب المدارس وواصل الموكب المهيب حتى ميدان عبد المنعم وكان الى جانب اساتذة الجامعة يسير في الموكب السادة:
الدكتور احمد السيد حمد ، الاستاذ عبد الخالق محجوب ، الدكتور عبد الحليم محمد ، الدكتور عز الدين علي عامر والدكتور طه بعشر ومجموعة من المحامين ورجال القانون .
الترابي يحاول تهدئة الناس !: ---------------------------------- بعد صلاة الجنازة تحدث الدكتور الترابي وطلب من الناس التزام الهدوء وان يتفرقوا بسلام بعد ان ادوا الواجب ولكن تناول احد اساتذة الجامعة المايكرفون من الدكتور الترابي واخذ يهتف "يسقط عبود .. تسقط الديكتاتورية العسكرية" متجاوباً مع هتاف الجماهير ، ومن هذه اللحظة بميدان عبد المنعم انطلقت المظاهرات في كل مكان حتى في الاقاليم والمدن على السواء.
مقتطفات من بيان الحزب الشيوعي في اليوم التالي لمقتل القرشي: ------------------------------- قال بيان الحزب الشيوعي الموجه لاعضاء الحزب: بالامس اعتدت العصبة العسكرية الآثمة على طلبة جامعة الخرطوم بعد ان اعتقلت عدداً من قيادتهم – بطريقة وحشية لم تشهدها بلادنا حتى ابان عهد المستعمرين.
ويمضي البيان قائلاً: ان الاحداث تثبت ان البوليس هو الذي قام بالاستفزاز بل ان النظام الراهن بأسره هو الذي خلق جو الاستفزاز منذ اعتدائه على استقلال الجامعة.
وقال البيان: ايها الرفاق: على الرغم من تكتم العصبة الرجعية على الانباء فإن ما وصل منها كان كافياً ليهز ضمير شعبنا فخرجت الجموع تودع مساء اليوم الشهيد احمد قرشي .
واستطرد البيان: ان النظام العسكري يعيش هذه الايام اقسى ساعاته ولكي ننتقم لدماء شهدائنا يجب:
اولاً: ان نعبئ قوى حزبنا استنكاراً لمجزرة جامعة الخرطوم وان ندفع المواطنين- وفي طليعتهم- للاستنكار بشدة على ذلك .
ثانياً: ان نجعل من دماء شهدائنا طريقاً تعبر به الجماهير الثورية في سبيل الخلاص من هذا النظام الآثم وذلك بالعمل في كل مدينة وفي كل مصنع ومؤسسة لاتحاد القوى الديمقراطية في البلاد من طلبة ومزارعين ومثقفين بهدف العمل لازالة النظام الراهن.
ثالثاً: ان يجري التقاء عاجل بين مندوبي القوى الديمقراطية من طلاب ومزارعين ومثقفين في كل ارجاء بلادنا لتنظيم اضراب عام احتجاجاً على مجزرة جامعة الخرطوم ومطالباً بعقوبة جميع المسئولين وبانتهاء هذا النظام الرجعي البغيض. 22/10/1964
موكب القضائية واعلان الاضراب السياسي: ---------------------------------------------- في اليوم التالي لحوادث ميدان عبد المنعم حيث تفجرت المظاهرات الشعبية بعد الصلاة على جثة القرشي- تم اجتماع رهيب بالقضائية شمل القضاة والمحامين- تمخض الاجتماع عن عريضة هامة تطالب بالتحقيق في حوادث الجامعة وتحديد مسئولية اطلاق الرصاص على الطلبة ، وتطالب بالحريات الديمقراطية.
تحرك الموكب من امام مبنى القضائية متجهاً نحو القصر.. وفي اثناء سيره اعترضه البوليس، وامر احد ضباط البوليس بتفريق الموكب ولكن تصدى له السيد عبد المجيد امام، قاضي المحكمة العليا وامره بالانصراف فانصاع ضابط البوليس للامر وواصل سيره للامام.
الجيش يعترض الموكب: -------------------------- وبعد خطوات كانت قوات من الجيش تسد الطريق امام الموكب وتمنعه من مواصلة سيره .
اجتماع حاسم بالقضائية: --------------------------- عاد القضاة والمحامون وعقدوا اجتماعاً بالقضائية ناقشوا فيه القضية من جديد وبسرعة توصلوا لقرارهم التاريخي بالدعوة للاضراب السياسي العام ودعوة كل الهيئات لتنفيذه للاطاحة بالنظام العسكري.
اعلان الاضراب السياسي: ----------------------------- خرج المحامون والقضاة الى الشارع من جديد وكان يزدحم بالجماهير الثائرة .. ووسط هذه الحشود من الجماهير اعلن السيد نقيب المحامين عابدين اسماعيل ، قرار الاضراب السياسي العام فقابلته الجماهير بالهتاف والتصفيق ، وبذلك ا نتقل القرار الى الجماهير التي ترجمته الى عمل اطاح بنظام 17 نوفمبر البغيض.
مثل هذا البطل تخفيه الحكومه من الشعب لكي لا يثورو عليها وينقلبو عليها مثل ما انقلبو علي من قبلها .
لكن للأسف لم يذكر اي شئ عن القرشي حتي لم يتم تكريم والديه وهم كانو يعيشون في بيت صغيير جدا جدا وبائس وحالهم مثل حال الغلابه الفقراء الضعفاء لاكن رحمه الله وسعت كل شئ.
كان عندما يقال ان هنالك مظاهره في جامعه الخرطوم معناها انو السودان كله إنقلب لأنه كان طلابها أقوياء ليس أقوياء في البنبه بل أقوياء في الفكر والتعليم والنضال ضد الظلم والجور كان طلابها همهم الأول الوطن.
لكن هم طلاب الخرطوم اليوم هو (الموبايلات- الملابس- والأشياء التافهه التي ليس لديها قيمه ولن تجدي نفعا). B ********************** كاتب الـمقال: زياد ذو النون.
10-11-2008, 02:19 PM
Elbagir Osman Elbagir Osman
تاريخ التسجيل: 07-22-2003
مجموع المشاركات: 21469
الأخ الـحـبيب الحـبوب، Elbagir Osman تـحياتي ومـودتي، وشـكري علي مرورك الكـريـم، وناوي باذن اللـه تعالـي اسـتـمر في الكتابة في الـموضوع ده حـتي مواعيـد حلول مناسبة الذكري بعـد عشرة ايام. لك مودتي.
*************** ***************
*** - ساتكلم اليوم عن مدير البوليس "ابارو" والذي كان من اشـهر ضباط وزارة الداخلية في زمانات حكـم الفريق عـبود. والشـهادة للـه اقول انه كان ضـابطآ منتظـمآ ولايـجامل شـديـد الاعـتـزاز بعسكريته الحازمة، وتربية وتعليـم الانـجـليـز. كان قاسيآ لدرجـة انه كان يوصـي ضـباطه الصغار ورجال الشرطة الـمتأهبون لقمع الـمظاهرات ويقول لـهم " ماعاوزكـم تعتقلو لـي ناس من المظاهرات وتجـيبوهـم لـي هنا في الحـراسات، عاوزكم الزول البقع تـحت ايديكم تكسـروه كسـيـر وتـدشـدشو عظامو ويـدوه للـمستشفي انا ماعندي اماكن لمعتقلييـن"!!!
*** - كان ابارو اسـم يثيـر الهلع في النفوس لقسوته المبالغ فيـها وعـدم خـضوعه لاي نوع من قوانيـن الرحـمة اذا كان الـمعتقل سـياسـي يعمل ضـد النظام، واذا كان الـمعتقل شـيوعي فاننا كنا ننعـي علي هـذا المعتقل وقبل وفاته!!!
*** - كنت انا واحـد من الذين شرفوا زنزانات ابارو ولكن لفتـرة قصـيـرة وتـم اطلاق سـراحنا علي اعتبار ( بـحـسب وجـهه نظر ابارو ) ان مظاهرات النوبييـن ضـد عبود ليست سياسـية وانـما هي حالة غـضـب بسبب فقـدانـهم لارضـهم النوبية. ولكن عرفنا ان اطلاق سراح كل النوبييـن من زنزانات الـمجلس البلدي ( الـمديرية ) قـد تـم بناء علي اوامر عليا من اللواء محـمد طلعت فريـد، ولولا هـذا الافراج لكنا الي يومنا هـذا يعاني بعـضنا من شـلل كلي او جـزئي!!!!
بمناسبة الذكرى الثالثة و الأربعين لثورة أكتوبر المجيدة (اكتوبر 2007 ) /موت وطن/. ------------------------------------------------------------
سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com
ابراهيم الكرسنى Oct 3, 2007, 22:48
موت وطن. ------------------
خواطر و أسئلة حائرة من الشعب السوداني "الفضل"
مهداة إلى روح المرحوم على عبد القيوم و الى الأساتذة هاشم صديق ، محمد المكي إبراهيم و فضل الله محمد – فرسان الكلمة في تلك الحقبة الزاهية من تاريخ الشعب السوداني.
تـحـياتي ومودتي، وشـكرآ علي مرورك الكـريـم، وثناءك العاطـر.
وتـجـدني مستغرب من عـدم مشاركة ابناء جـيلي الذين عاصـروا هـذه الثورة من بدايتها فـي جامعة الخرطوم وحـتي يوم 30 اكتوبر 1958 لـحـظة اعلان عبود عن التنـحـي تـمامآ عن الحكم وحـل الـمجلس العسكري والحكومة ولـماذا لايشاركون ولو بذكر معلومة تـحـي هـذا اليوم ( 21 اكتوبر ) اليتـيم منذ عام 1965!!!!!
لك مودتي.
************ ************
*** - تقول كتب التاريخ عن اخـر عشـرة ايام وقبل اندلاع ثورة اكتوبر 1964، ان ظاهرة بيوت البكاء قـد تكاثرت بصـورة لـم تكن مألوفة من قبل بالعاصـمة الـمثلثة، وهـي بيوت الضباط والجـنود ضـحايا الجـنوب. فبعـد اشتداد المعارك الضارية باحراش وغابات الجنوب ومع هـطول الأمطار الغزيرة وتعسر سيـر قوافل السيارات الحربية والدبابات بسـبب كميات الطـمي والطيـن اللزج سـقط مئات من جنود الجيش السوداني ( مصطلح الجيش السوداني كان مستعملآ وحتي قيام نميري بانقلابه فتـم تعديل المصطلح باخـر هو القوات المسلحـة، وكانت الجامعة العربية قد طلبت من كل الدول الاعضاء بالجامعة توحـيـد المصطلحات العسكرية واسماء الوزارات ) وكانت حركة (انيانيا ) التـي تقاتل العدو تنتظر بفارغ الصبـر موسم هطول الامطار حـيث لاتستطيع الدبابات التابعة للجيش التوغل طويلآ داخل الاحراش فيتـم اصـطياد جـنودها بسـهولة. انزعـجـت الحكومة من الاشاعات التي انطلقت تقول ان عشرات الالوف من الجنود قد لقيوا مصرعهم في الجنوب وان الدليل علي ذلك ظاهرة مئات بيوت العزاءات بالعاصـمة المثلثة ومثلها عشرات المرات بالمدن الاخري وان السلاح الطبي بامدرمان ماعاد قادرآ علي استيعاب الـمزيد من الجرجـي والمعوقيـن!!!، وكانت مشكلة الحكومة انها ماكانت قادرة علي مواجـهة المواطنييـن بالحقائق لاعـبـر وسائل الاعلام ولا بالندوات واللقاءات المباشرة.
*** - قامت الحكومة بتطبيق سيـاسة الـهاء الجـماهيـر بكرة القدم والمباريات الكبيـرة بيـن فرق الدرجـة الاولـي ولكنها كانت ايضـآ مناسبات وبالآ عليها، فقد اسـتغل الحزب الشيوعي هـذه التجمعات بدو الرياضـة والأستادات وراح يوزع منشوراته القوية التنـديد بالحرب في الجنوب!!!!
*** - كان الشباب وفي امسياتهـم يـجـتمعون بالحـدائق ويتبادلون اخر اخبار الأشاعات ويتجادلون حـولها، حـتي بعض الشباب منهـم والذين ماكانوا يحـبون السياسـة ولااخبار الحروب ويجـلسون في حـديقة (الريفيـرا) ويـحتسون بيـرة (ابو جـمل) تـحولت قعادتـهم للغناء عن حال السـودان فكانت هناك الأغنية الشـهيـرة ( ياجـوبا ماللك علي أنا... شـلت نوم عيـنـي انا )!!!!
*** - كان المواطنون بالعاصـمة المثلثة يصـحـون كل صـباح يوم جـديـد فيـفاجـئوا بان اغلب جـدران المنازل من الخارج قـد امـتلئت بالشعارات التـي تقول ( الـي الثكنات ياعساكر ) ( الـي الجـحيـم ياعبود ) ( سـحقآ سـحقآ للعسكر ) ( لن تفلتوا من العقاب ياجـنرالات )!!!!
*** - ومما زاد الاوضاع سوءآ للحكومة في الخرطوم اخبار المظاهرات في حلفا الجـديدة التي رحل اليها المهـجـرين من حلفا القديـمة ولـم يعجـبهم الحال بالقري الجـديـدة، ومظاهرات عمال عـطبـرة المتكررة ضـد النظام العسكري،
*** - كانت جامعة الخرطوم تنظم المظاهرات صـباحآ بالاتفاق مع اتحـاد المعـهـد الفنـي، وبالـمساء يقوم طلاب جامعة القاهرة فرع الخرطوم بالخرطوم بـمظاهرات تتـجـه الي السينما الوطنية باخرطوم وهناك يضـم جـمهور السينما ويخـرجوا معا لشوارع الخـرطوم، ولكن في كل مرة تقع اشتباكات ضارية مع بوليـس (قمع المظاهرات) ويسـقط عـدد من الضـحايا....
*** - في ظل الازمات الطاحنة التي الـمت بحكومة عبود العسكرية والمظاهرات التي ماكانت تتوقف ليل نهار ... والنقد الجارح من قبل المنظمات الدولية والمحلية لسياسات الحكومة تجاه حل مشكلة الجنوب... واصرارها علي الحل العسكري ... وبوادر سخـط شعبي من جراء سقـوط مئات القتلي بالجنوب ...وعدم اهتمام الحكومة بمناقشة المشكلة الجنوبية مع باقي الاحزاب المحظورة... وظـهور غلاء في المعيشة وانعدام بعض السلع الضرورية التي كانت ترسل للضباط والجنود بالمواقع العسكرية بالمديريات الجنوبية الثلاث، اضـطرت الحكومة وبعناد شـديـد الي اصـدار مـجـموعة من التعليـمات الصـارمـة بعـدم نشـر اي مواضيع او اخبار او تعليقات حـول:
فوق من أجل ألا ننسى التاريخ من نسى قديمو تاه فوق من أجل استلهام التجارب واستنهاض الهمم فوق من أجل التوثيق أذكر قريبا لي كان عندو جردل جير ملون وفرشة وأنا في الرابعة من العمر قالوا بيكتب بيه على الحيط بالليل حكى لنا عن أنه يوم كلف بتوزيع منشور والوقت متأخر شالو ومشى مركز البوليس لقى الكومر بتاع تغيير الدوريات لسه ما اتحرك طلع في راس الكومر ووضع المنشور على رأس الكابينه ووضع عليه حجر صغير سنادة عندما تحرك الكومر تحرك الحجر وبدأ الهواء والبوليس يوزعان المنشور إبداعات الشعب السوداني لا تنتهي أكتوبر أسطورة وملحمة شعبية ستظل أبداً خالدة في الأذهان تحياتي أستاذنا بكري
تـحياتي ومودتي، وشـكري علي حـضورك الـمقدر، ومساهـمتك الكريـمة، وذكرتنـي بأيام توزيع الـمنشورات الشيوعية و(شـخـبطة الـحـيط ) والجري من بوليس السواري!!
*** - كانت الأيام العشرة الأخـيرة من عـمر نظام عبود مليئة بالاحـداث الكبيـرة ومنها وصول وفـد امريكي لمناقشة الحكومة السودانية حول حلف يضـم السودان والأردن والسعودية لـمحاصرة مصـر التي وسعـت من علاقاتها مع حركات التحـرر في الوطن العربي وراحـت تـمد الثوار في الجزائر واليـمن بالسلاح والخبـراء المصريين وتوسـعت اعلاميآ عبـر اذاعة "صـوت العرب" وتلهب ظـهور الحكومات العربية التابعة للتحالفات الامبـريالية ولـمع وقتـها صـوت الـمذيع احـمد سـعيد الذي اشـتهر بانه كان صاحـب اقوي صـوت عربي اذاعي. جاء الوفد الاميريكي في الوقت الذي كانت البلاد ساخـطة علي الاوضاع السياسية بسبب حرب الجنوب وارتفاع حـصيلة اعداد القتلي التي مااستطاعـت الحكومة وان تـخفيها عن الـجـماهيـر.
كان قدوم الوفد فرصـة للشارع السوداني وان ينتفض ضـد الزيارة ويربطها بالحـرب في الجنوب وغلاء الاسعار. خرجـت مظاهرة من السوق العربي نظمها اتحاد العمال (المحظور) احتجاجآ علي تردي اوضاع العمال وحرمان الحكومة العسكرية للعمال من تاسيس اتحادهم. وكان يمكن للمظاهرة ان تنتهي علي خيـر وبتسليـمها مذكرة لمجلس الوزراء لولا العنف البالغ القسوة والضـرب المبـرح واطلاق الرصاص الحـي والقنابل المسيلة للدموع من قبل رجال الشرطة الامر الذي وسع من دائرة المظاهرات لتستمر ثلاثة ايام بلاتوقف شاركت فيـها اتحادات محـظور وجماهيـر غفيرة من الطلاب والجامعييـن.
*** - ونقول بصـراحة ان مشاركة قادة الاحـزاب الدينية والعلمانية ( حـزب الأمة، حزب الشعب الديـمقراطي، حـزب الوطني الاتحادي، الاخوان المسلمون، حزب سانيو ) كان ضعيفآ للغاية ودومآ يمسكون العصا من منتصـفها، فـهم ( قادة الاحـزاب ) لايريدون اغضـاب المجلس العسكري الحاكم ولايريدون في نفس الوقت فقدان قواعـدهم الجماهيرية!!!، وكان الحزب الشيوعي هـو الوحـيد البارز في ساحـة النضال عبـر منظـماتة الـمحظورة ( اتحاد الشباب السوداني، الاتـحاد النسائي، اتحاد العمال ) وبجانب المنشورات الدورية التي كانت تـملأ الشوارع والمدارس والسينمات.
*** - شـملت الاعتقالات عبدالخالق محجوب، الشفيع احمد الشيخ، احمـد سليمان المحامي،سمير جرجس، حـسن عبدالماجـد رئيس اتحاد طلاب جامعة القاهرة فرع الخرطوم وسكرتير الاتحاد عثمان يوسف وعبدالرحمن كمبلاوي ونـحو 40 اخرين وارسلوا مخـفورين الي سـجـون شالا وبورتسودان وكـسلا.
*** - فـي مـثل هـذا اليوم 20 أكـتوبر من عام 1964 اسـتشـهـد الطالب طه القـرشـي بـجـامعة الـخرطوم وكان عـمره وقتـها 21 عامـآ.
ونقل لـمشـرحـة مسـتشـفي الخـرطوم في نفس اليوم السـاعة 11 مساءآ وظل زمـلاءه بالقرب من الـمشـرحـة حـتي صباح اليـوم الثاني حـيث قاموا باستلام جـثمانه الطاهر من ادارة الـمستشفي ورجـعوا به الـي الجامـعة.
وهناك انضـمت الجـماهيـر وساروا بالجنازة مرورآ بشارع الجامعة حـتي تقاطع شارع الحرية ومنـها الـي ميـدان عبـدالـمنعم وصلوا عليه والتـزم بعـض زملاء الشـهيـد بتوصيل الجثمان الـي اهله بقرية "القراصـة" وانطلقت العربة التـي بها الجثمان ومن خلفهاعربات اخري للقرية.
وانطلقت الهتافات العشـوائية تـردد في غضـب عارم "دم الشهـيد لن يروح هـدر" وتعالت الاصـوات وارتـفعت وكان رجال الشرطة الـمدجـجـون بالبنادق والهراوات يراقبون الـموقف بـحـذر شـديـد خـصوصآ وان حـجـم التجـمع بالـميدان كان يتوسع ويزداد عـددآ، صعد الدكتور التـرابي وحاول تـهدئـة الـمتظاهرين وطلب منـهم ان يتفرقوا بـهدوء منعآ للاصـطدام برجال الشرطة ولكن كلامـه ضاع وسـط هتافات الالوف التـي قررت الزحـف نـحـو القصـر....
ونواصـل...
10-20-2008, 05:13 PM
حسين محي الدين حسين محي الدين
تاريخ التسجيل: 09-21-2007
مجموع المشاركات: 2852
*** - انشغل المتظاهرون تـمامآ عن التـرابي الذي كان يـحاول بقدر الأمكان اثناء المتظاهرين عن التوجه للقصر. ماأهتـم احـد بصراخات الترابي وهو فوق عربة ومعه ثلاثة اخرين. كان التصميـم باديآ علي الجميع علي عـدم التراجع عن الزحـف نحـو القصر حتي ولو تصـدت لمظاهراتهم عساكر "ابارو " ... ( وقـد سبق وشرحنا في هـذا البوست ان مدير البوليس ابارو كان من اكفأ ضـباط السودان وقتها في قـمع المظاهرات وتفتيـتها وضـربها اذا اقتـضـي الأمر بالرصاص الحـي، كان ابارو رجل قاس لايرحـم ولاتعرف الرحـمة طريقة لقلبه تربي تربية انجليـزية وتـمرن علي يـدي ضباط اسـكوتلانـد يارد البريطانية وعرف منهـم الانضـباط والولاء للـمهنـة )!!!
*** - ترك المتظاهرون الترابي وحـيـدآ فوق العربة واداروا له ظـهورهـم وبدأت الهتافات وكلما سارت المظاهرة خـطوات انضـم اليها الاخرين، وخـرجن النساء من منازلهـن يزعردن للجـمع الهادر وازدادت الـحماسة عنـد المتظاهـرـين وتباري البعض في الصعود علي اكتاف الاخريـن لـتعلوا اصـواتـهم بالهتافات " الـي الجـحـيم ياعساكر ".." سـحقآ سـحقآ للارهاب ".. " لن تثنينا ياعبود ".." دماء الشهـيد تنيـر الطريق ". وسارت المظاهرة العارمة للقصـر باتـجاه شارع الحرية. وجـد بوليس الطوارئ نفسه امام مظاهرة صـاخبة فانسـحـبوا بعرباتـهم سريعآ دون وان يتعرضـوا لـها.
***- سارت المظاهرة باتـجاه شارع الحرية قاصـدة السوق العربي لتكون هناك نقطة تـجـمع تلتقي فيـها مع المظاهرات الصغيرة التـي خرجـت من اطراف السوق، وماان وصلت المظاهرة طرف السوق الا وكانت هناك قوة ضاربة من رجال الشرطة المدجـين بالهراوات والقنابل المسيلة للدموع وبعـضهم كان مسلحـآ بالبنادق " ابو عشـرة " وتقـدمت المظاهرة بلا خـوف او وجـل لداخل السوق وان كان البعض يتوجـس من اطلاق البوليس النار عليـهم كما حـدث مساء الأمس بجامعة الخرطوم. ونزل رجال البوليس من الكوامر وراحـوا يضـربون المتظاهرين بالسياط والعصي الخيـرزان والثقيلة، وتفرقت المظاهرة الكبيـرة لتشـكل عشرات المظاهرات الصـغيـرة بكل مكان. وبدأت المطاردات ولعبة القط والفار، وان يخـمد البوليس مظاهرة حـتي يـجـد اخري قـد قامت، واشـتعلت النيـران في العربات التي تـحمللاارقام حكومية، وتـم تكسيـر المحلات التـي وقف اصـحابها يتـفرجـون بلا مبالآة للمتظاهرين. وازدادت المظاهرة حـدة في تـمام الساعة الثانية ظـهرآ مواعيـد الدوام الرسـمي بالوزارات والمكاتب الحكومية وقصـد اغلب الموظفون السوق كعادتهم ليستقلوا المواصلات لمنازلهـم ففـوجـئوا بالمظاهرات وماكان اغلبـهم بعلم ماوقع بـجامعة الخرطوم من احـداث، فانضـموا للمتظاهرين خـصـوصآ وان المواصـلات لامـدرمان والخرطوم بـحري كانت متوقفة تـمامآ.
*** - ظلت المظاهرات المتفرقة مندلعة بالأسواق والمناطق المختلفة بالخرطوم طوال ساعات اليوم ولتشتد عند الساعة الرابعة ظهرآ بـميدان "الليق" حيث توقفت المباريات وانضـم اللاعبون والمتفرجون للمظاهرة وطافت باحياء الخرطوم ثلاتة والسجانة وتعرضـت المظاهرات للهجوم من البوليس الذين كانت علامات الأرهاق بادية عليـهم، وماان حل المساء حتي خـرجت مظاهرة من سينما "كلوزيوم" ودخلت الي قلب السوق الافرنجـي وطافت بالشوارع الجانبية للسوق مرددين الهتافات الداوية ومطالبييـن بالقصاص من قتلة الشهيـد طه القرشي،
*** - وللامانة والتاريخ اقول، ان قادة الأحزاب الكبيـرة مابادروا باي خطـوات او بدرت منهم ردود فعل تنبـئ عن ترحـيبهم بالحاصل ولزموا مساكنهـم ولم يبارحوها!!!!
*** - خـرجت ليلة 21 اكتوبر مظاهرة هادرة من جامعة القاهرة فرع الخرطوم يقودها اتحاد الطلاب برئاسـة حسن عـبدالماجـد رئيـس الأتـحاد وبقية اعضاء السكرتارية وقام البوليس بـمحاصـرتها قبل وان تلتحـم مع المتظاهرين من سينما "كلوزيوم" والوطنية غرب، واستعمل البوليس القسوة المبالغة فيها لقمع مظاهرة الجامعة، واضـطر الطلاب ومنعآ لاصابات وسط الطالبات وان يتراجـعوا ويدخلوا الي حرم الجامعة ولحـقهم هناك البوليس ووقعت معارك شـديدة استخـدم فيها البوليس الغاز المسيل للدموع ونزل ضـربآ مبـرحآ بالعصـي الغليظة علي رؤوس الجـميع ووقعت حالات اخـتناقات واغـماات خاصـة وسط الطالبات، وتـم نقل اكثـر من اربعيـن مصابآ لطوارئ مستشفـي الخرطوم،
*** - وهناك بالمستشفي المـكتظ بمئات الجرحـي والمصابييـن بعصي وهـراوات البوليس راح الاطباء قليلي العدد ويسـعفون من يستطيعون اسعافه عاجـلآ تاركيـن الاخـف ضـررآ الي حـيـن ميسـرة،
*** - وجاءت الانباء في هـذا اليوم 21 اكتوبر عن وفاة طالب جامعة الخـرطوم الشـهيـد عـبدالـحـفيظ.
لما لليل الظالم طول****وفجر النور من عينا اتحول قلنا نعيد الماضي الأول ماضي جدودنا الهزموا الباغي**** وهدوا قلاع الظلم الطاغي وفي ليلة وكنا حشود بتصارع*****عهد الظلم الشب حواجز... شب موانع جانا هتاف من عند الشارع قسما قسما لن ننهار**** طريق الثورة هدي الأحرار والشارع ثـــار وغضب الأمة إتمدد نار***** والكل ياوطني حشود ثوار وهزمنا الليل..... وهزمنا الليل والنور في الأخر طل الدار **** والعزة اخضرت للأحرار وطني نحن سيوف أمجادك**** ونحن مواكب تفدي ترابك
ولسه الشارع بيشهد لينا **** في يوم الغضبة حصاد ماضينا مشينا نعطر حقل الثورة **** بدم نفديه بلادنا الحرة وكان (اكتوبر) فجر الغضبة**** كسرنا قيود الماضي الصعبة
لما مشينا موالكب صامدة**** تهدر..وتغلي..تهتف راعدة الرصاص لن يفنينا **** الرصاص لن يفنينا وسال الدم في أرض الوادي**** فدينا النور بالروح يا بلادي وكانت صفحة حكاها العالم**** وفجر (أكتوبر) طل وسالم
كان في الجامعة موكب هادر**** صمم يجلو الليل السادر وكان الليل السادر غادر**** وكان الليل السادر غادر فجر غدره سموم دخان ***** ورصاص من صوته صحي السودان والشعب الثائر صمم هادر**** يصرع لنا الداجي الطول وكان القرشي شهيدنا الأول وما تراجعنا .. نذرنا الروح**** مسكنا دربنا ..وما تراجعنا للشمس النايرة قطعنا بحور **** حلفنا نموت او نلقي النور
الرشيد أبوشامة : اكتوبر ثورة أفشلها السياسيون!!! سنوات عديدة انقضت وجرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ اندلاع ثورة21 اكتوبر المجيدة في العام1994 حيث تعددت واختلفت انظمة الحكم في السودان وتغيرت من ديمقراطي الى شمولي وبالعكس اكثر من مرة.
وتبقى ثورة اكتوبر راسخة في ذاكرة الشعب كأفضل الثورات الحديثة في تاريخه.. السوداني دردشت مع احد جنودها المجهولين رغم دوره البارز في نجاحها.. فماذا قال سعادة السفير م/ والفريق د. الرشيد أبو شامة عن ذكرياته ودوره في تلك الحقبة الهامة...
* هل بوسعك العودة بذاكرتكم الى الوضع في القوات المسلحة آنذاك قبل اندلاع الثورة؟ ------------------------------------------------- - كنا ضباط برتب صغيرة رغم ذلك تأثرنا بما كان يحدث في الجيش وكنا نتداول مع بعضنا البعض رؤانا عن ذلك وتلمسنا ان الزملاء يكابدون نفس المعاناة وقررنا ان نجتمع في شكل تنظيم سري لمقاومة تلك الممارسات السالبة التي كنا ضحاياها في كثير من الاحيان. تم تشكيل التنظيم السري داخل القوات المسلحة حينها كنت برتبة الملازم وذلك في العام1961م وعقد التنظيم اول اجتماع له في حديقة المقرن ومن ثم تطور النشاط.
* ماهو السلاح الذي كنتم تستخدمونه آنذاك؟ ----------------------------- كان سلاحنا الوحيد هو المنشورات وحدث ان القت سلطات الامن عليّ بالقبض وانا متلبسا اوزع المنشورات في الشارع العام وكنت شخصيا من قام بكتابتها والاشراف على طباعتها وتوزيعها، ولقوة اعصاب الزميل الذي ضبط متلبسا معي اثناء التوزيع نجحنا في الافلات من قبضة رجال الامن ولم نتوقف عن العمل حتى اندلعت اكتوبر.
* اين كنت فيها وماهو دوركم في المرحلة؟ ------------------------------------- عندما اندلعت مظاهرات اكتوبر كنت حينها معسكرا ومسئولا عن سرية مهندسين في مطار وادي سيدنا بام درمان واذكر ان جاءني رسولا كان يعمل طبيبا في بريطانيا واسمه د.أمين ابلغني انه مبعوث من طرف المرحوم عبدالخالق محجوب ويريدني ان احضر بسريتي لاحتلال الاذاعة والسيطرة عليها ولان الموقف كان لايحتاج اكثر من مجرد احتلال الاذاعة للاطاحة بنظام الفريق عبود.
* هل استجبت لطلب عبدالخالق؟ -------------------------------- لا لم استجب لطلبه ورأيته مستحيلا لاسباب عديدة، منها لو صدقت فعلا نبؤة عبدالخالق بان النظام لايحتاج لاكثر من سرية للاطاحة به وانا من قمت بهذا الدور، اكون بذلك قد اسلمت السلطة السياسية في البلاد لحزب سياسي معين وانا ليس لي اي انتماء حزبي ايضا كان لابد من استشارة زملائي في الخرطوم ولا يمكن ان اقوم بعمل كبير مثل هذا من خلف ظهورهم واعتذرت للرسول عن تنفيذ تلك المهمة.
* وماذا بعد ذلك؟ ----------------------- بعدها مباشرة تم ابلاغي باجتماع في سلاح المهندسين برئاسة اللواء الطاهر المقبول واللواء عوض عبدالرحمن عليهما الرحمة وكانت التعليمات التي صدرت الينا ان نلتزم بالضوابط والقوانين والمحافظة على وحدة الجيش حتى لاينفرط عقده، وان ننفذ التعليمات التي تصلنا من القيادة العليا بحزافيرها.
* وهل التزمتم بتنفيذ تلك التعليمات والانصياع لها؟ ----------------------------- انا تحدثت مؤيدا ثورة اكتوبر التي كانت مظاهراتها قد عمت الشوارع وانتقدت نظام ثورة17 نوفمبر الامر الذي ادى الى المطالبة باعتقالي ضمن زملاء آخرين في التنظيم السري منهم المرحوم فاروق عثمان حمد الله.
* وكيف نجحت في الاستيلاء على الاذاعة؟ ---------------------------------- تم تكليفي من كبار الضباط الذين كانوا يحاصرون القصر الرئاسي بان استولي على الاذاعة واسيطر عليها وفعلا استطعت السيطرة عليها تماما الى حين اذاعة بيان الفريق عبود الذي تنازل فيه عن السلطة حينها قمت بتسليم الاذاعة للمرحوم محمد خوجلي صالحين.
* هل دعوتم لتطهير المفسدين في قيادة الجيش بعد نجاح الثورة؟ --------------------------------- بالطبع ومن الاشياء التي اعتقد انها كانت مهمة في نجاح اكتوبر ذلك البيان الهام الذي كتبه المرحوم العقيد علاء الدين محمد عثمان وتمت مراجعته في حديقة البلدية ومن ثم انتقل المجتمعون في الحديقة الى منزل الزميل منير حمد وهنا جاء فاروق حمد الله واستلم البيان وذهب به ولا يخالجني شك بان عرض البيان على وزراء وسياسي حكومة اكتوبر واجروا فيه بعض التعديلات الطفيفة وبعد ذلك قرأ هذا البيان في اجتماع عام بنادي الضباط حضره كبار الضباط في القوات المسلحة وكان البيان يطالب بتطهير كبار الضباط وقد حدث التطهير بالفعل وتمت اقالتهم ولكن ما لا اعلمه هو كيف انتقل البيان ليقرأه المرحوم العقيد آنذاك مبارك عثمان رحمة؟؟ حيث عرض البيان على بعض الضباط واعتذروا عن قراءته.
* بعد مضي كل هذه السنوات ما هو تقييمكم لثورة اكتوبر ولماذا فشلت وهل حققت طموحاتكم؟ --------------------------------------------- اكتوبر افشلها السياسيين.. واكتوبر لم تحقق طموحاتنا التي كنا نصبو اليها ورغم ان مشاركتنا فيها لم يكن هدفنا الاصلاح سياسي وانما الاصلاح داخل الجيش ومكافحة بعض الممارسات الفاسدة وبعد تكوين حكومة اكتوبر ساهمنا في اختيار القيادة الجديدة للجيش المكونة من اللواء الخواض محمد أحمد واللواء حمد النيل ضيف الله وكان ذلك في اجتماع عقد بمنزل المرحوم د.مبارك شداد وبحضور عابدين اسماعيل المحامي وكان معي في الاجتماع العقيد صلاح ابراهيم أحمد.
بالأربعاء طبولنا دقت وزوبعت الفضاء صيحاتنا شقت جدار الليل واقتحمت فناءه وتحدرت نارا بآذان الطغاة العاكفين على الدناءة الخائنين السارقين الحاسبين الشعب اغناماً وشياه بالأربعاء هتافنا شرخ السماء ? قبل اربعة واربعين عاماً من اليوم كانت الأربعاء الحادي والعشرين من اكتوبر.. تلك الأربعاء التي صورها محمد المكي ابراهيم لم تكن شؤماً ولم تكن اربعاً و(عقاب شهر) بل كانت اربعاء علمت شعوب العالم معنىً جديداً من معاني النضال السياسي.. معنى ان تثور الجماهير من أجل الحرية.. حرية التنظيم وحرية التعبير.. ولا شيء غير ذلك فالحياة كانت رغدة وكل متطلباتها مدعومة من التعليم والصحة والخبز.
وبعد ان سلمت قيادة حزب الامة السلطة الى قيادة الجيش خوفاً من تنامي حركة القوى الحديثة.. حركة العمال والمزارعين والمثقفين والتجار.. وهدفت الى ان يقف المد المتزايد والمتجاوب مع حركات التحرير في العالم في ذاك الزمان. واستمرت حركة السابع عشر من نوفمبر 8591 المباركة كما كان يسميها قائدها الفريق ابراهيم عبود - يرحمه الله- استمرت حكماً عسكرياً صرفاً يفتقر الى العمق الشعبي.. ولكن مع ذلك تمكنت من إنجاز بعض مشاريع التنمية وكانت الحياة سهلة.. العلاج مجاناً، التعليم مجاناً، كل ضروريات الحياة مدعومة.. بل بدأت مشروعات الاسكان الشعبي.. في بحري وام درمان والخرطوم..
كان الغائب الأساسي هو الحرية.. حرية التعبير وحرية التنظيم.. ضاقت الجماهير قبل قياداتها الحزبية وكانت كلمات شاكر مرسال هى التميمة التي ترددها الجماهير: ولدت سفاحاً فما أنت حر واجه مصيرك أو فانتحر? على مدى ست سنوات كانت جماهير العمال والمزارعين والشباب والنساء تبحث عن الحرية.. الحرية والتجاوب مع ما ينتظم العالم من المفاهيم الجديدة للديمقراطية ولمعنى ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. 2 جاءت ثورة اكتوبر بهذا الفهم وانتصرت ارادة الشعب التي لا تقهر.. فقد كان الجرح غائراً وكبيراً.. جرح التسليم ساعدت مجموعة الضباط الأحرار التي انحازت للجماهير على تضميده وعلاجه وانطلقت أصوات المبدعين شعراء وغناء.
ولكن لم تكتمل فرحة الشعب المتقدم على قياداته مثلما يحدث هذه الأيام بالضبط.
زحفت قوى التخلف واغتالت معاني ثورة اكتوبر.. ولم تغب على طلائع المبدعين في الذكرى الأولى.. قال هاشم صديق صاحب ملحمة أكتوبر الشهيرة يعلن ذلك الاغتيال الذي تم بليل: اطفوا الشمس وشيلوا السواد وخلوا الضمير يلبس ثياب الحداد مات الجمر تحت الرماد والسيف نعس جوه الجفير والقيد حرز رجل الجواد ومع ذلك وبعد مرور اربعة واربعين عاماً على ثورة اكتوبر ما زالت البذرة ترقد داخل الأرض بذرة معافاة ومحمية من التسوس.. بذرة تنتظر الماء ومتروك لجيل القرن الحادي والعشرين القيام بهذه المهمة.. مهمة رعاية بذرة اكتوبر حتى ينبت واقع الحرية والخبز والدواء والعلم.. لأن مستقبل اكتوبر يجب ان يظل أخضرَ بدل هذا الواقع الأغبر الذي نعيش.
كل عام وأنتم بخير هذا مع تحياتي وشكري
10-21-2008, 05:34 PM
mohamed kabbar mohamed kabbar
تاريخ التسجيل: 02-22-2004
مجموع المشاركات: 497
الحبيب بكرى الشكر على المادة الرائعة و التذكير باهم الاحداث التى صاحبت ثورة اكتوبر هى تذكرة للاجيال التى لم تعش تلك الفترة بعد اصبح الاعلام الرسمى يعتم و يتجاهل يا اكتوبر الاخضر الارض تغنى
تـحياتي ومـودتي، وشكري علي طلتك ومساهـمتك الـكريـمة،
*** - عندما اندلعت ثورة اكتوبر 1964، كنت وقتـها طالب بـجامعة القاهرة فرع الخرطوم كلية الحـقوق، وقـمت وقتها بتسـجيل يومي لاحـداثـها منذ لـحـظة اندلاعـها يوم 20 اكتوبر بالـجامعة وحـتي لـحـظة تنـحـي عبود عن السلطه في 30 اكتوبر من نفس العام. سـجـل دقيق واميـن بالصور والقصاصات الصـحفية واسـماء النشطييـن البارزين فيـها واسـماء رؤساء الاتـحادات والنقابات والقضـاة، سـجـل تاريـخي نابض وحـي. ولكن عنـدما جـئت لالـمانيا قبل 23عامآ تركت كل مـذكراتي ووثائقي بالسودان.
لك مودتي يامـحـمـد.
*************** ********************
نور الهادي نائب رئيس اتحاد أكتوبر يروي لـ( الصحافة)تفاصيل الإنتفاضة (1-2): لم يكن هنـــاك تخطيط لإنتــفاضــة وأحداث ساحة الشهداء كانت نقطة التغيير.
«44» عاماً مضت وذاكرة تلك الأيام مازالت تحتفظ ببريقها الذي خلد أكتوبر رمزاً للحرية، التى تلاحم من اجلها الشعب مع بنيه الطلاب في أروع مشهد نضالى يسجله التاريخ الحديث بين طيات دفاتره، وتخليداً لذلك المجد النضالي أدلى كثيرون برواياتهم التى توثق لـ 21أكتوبر، ولأهمية توثيق الحدث من صُناعه جلست الصحافة للباشمهندس أنور الهادي نائب رئيس إتحاد أكتوبر للشؤون الثقافية، وإستدعت معه ذاكرة تلك الأيام، حيث كان يدير ندوة الأربعاء 21 أكتوبر التى قُتل فيها القرشي وأدت لإشتعال الإنتفاضة، فسرد لنا تفاصيل ماجرى فإلى مضابط الحوار:
*أكتوبر ثورة اختلفت الروايات حول توثيقها، والكل ادعى أبويتها، كيف انطلقت لها؟ -------------------------------------------------- -البداية كان الشىء الأساسي الناس كانوا يتحدثون عن مشكلة الجنوب، وكانت هناك ندوات قبل ندوة «21»أكتوبر، و«21» أكتوبر نفسها ما كانت ندوة بغرض البحث في مشكلة الجنوب، بقدر ما هي كانت «جس نبض» للحكومة وإدارة الجامعة، وكانت ماشية في خط سياسي.
*بماذا اتسمت منابر النشاط السياسي الطلابي في تلك الأيام؟ -------------------------------- - هناك بعض التنظيمات الطلابية اتخذوا موقفاً من حكومة عبود، وبعضهم رأى التعاون ودخول الحكومة والمعارضة من الداخل، وهناك آخرون كان خطهم أن لا نتعاون، ولكن الإتجاه الإسلامي كان خطه واضحاً وهو عدم التعاون ولا أى نوع من التقارب، وهذه من الأشياء التى ذكرت في الندوات، عقدت وحركت شيئاً في الطلاب ومن ضمنها ندوة «10 أكتوبر» التى تحدث فيها الدكتور الترابي، وبدأ فيها نوع من التحدي لتثبيت إستقلالية الجامعة وحرية الرأى وأن يكون لنا دور في حل القضايا الوطنية، هذا الإتجاه بدأ يمضي بغض النظر عن الندوة أكتوبر.
*كيف كنتم تتعاملون مع الطلاب الرافضين للتحرك ضد النظام؟ ----------------------------------- - موضوع الندوة والتحدث عن مشكلة الجنوب كان عرض على مؤسسات الإتحاد ولم يمر، وفي النهاية رأينا في الإتجاه الاسلامي أن نقدمه كعمل ثقافي من قبل مكتب الشؤون الثقافية بإعتباري نائباً للرئيس ومهمتى الشئون الثقافية، فاقتنع أعضاء المكتب السياسي وكان حينها برئاسة حاج نور، إقتنعوا بما إقترحت وبدأت العمل.
*الإعتراض على عدم تمرير المقترح كان ينبني على ماذا؟ --------------------------------- - كان يقوم على أساس أن بعض الطلاب يرون أنه لا داعي للمواجهة مع السلطة، وبدأوا يتعاونون فعلاً مع السلطة، وكان أكثر تنظيم داعم لهذا الخط هو الجبهة الديمقراطية كإمتداد ومحور للشيوعيين ،تعاونوا مع الجهات الحكومية بحجة المعارضة من الداخل، وكانوا يقولون لنا إن الندوة هي إجهاض لكل مكتسبات الطلاب وحينما نسألهم عن تلك المكتسبات لا يجيبون.
*ندوة «10 أكتوبر» كانت الشرارة التى أدت الى الإنتفاضة كيف تم التحضير لها؟ --------------------------------------------
- كان الناس يتحدثون عن مشكلة الجنوب وعن الحريات العامة وأن مشكلة الجنوب لا تحل إلا عن طريق الحوار، والحوار لا يتم إلا في ظل الحريات الاساسية للفرد، الطابع السياسي كان موجوداً، وكانت الحكومة تمنع ممارسة هذا الحق بأية طريقة من الطرق وكانوا بفتكروا أنه أى رأى معارض هو مخرب وكانت هناك بعض المفاهيم السائدة لديهم كـ»اضرب بيد من حديد» وكانت هذه الندوة جزء من التظاهرة السياسية لإثبات حرية الرأى والمشاركة في الهم العام.
*كيف كان مشهد الطلاب وهم يتوافدون لندوة الأربعاء لمناقشة قضية الجنوب؟ ------------------------------------- - كان التصور للندوة هو أن نعملها كإستشعار، هل فعلاً إدارة الجامعة هى مع إستقلالية الجامعة وعدم تدخل الأمن والشرطة، هل هى مع حرية التعبير، كان الغرض منها أننا نرى أنها حق من حقوق الطلاب وحق من حقوق المواطن وبالتالي على أعلى مستوياته يفترض يكون معترف به داخل الجامعة.
*في اثناء هذا التدافع نحو قضية الجنوب كيف كان تفاعل الطلاب الجنوبيين ومشاركتهم فيه؟ ------------------------------------------------------- - كانت تنظيماتهم ضعيفة جداً وما كان لديهم تجاوب، ولم يكن لديهم حتى شكل تنظيمي واضح، كانوا يتقابلون بين المحاضرات في لقاءات عادية ليست سياسية.
*من كان يدير الإتحاد في تلك الفترة؟ ----------------------------------------- -المكتب عندما دعا لندوة الأربعاء21 أكتوبر كان مكوناً من عدة تنظيمات لأنه الإنتخاب كان يتم عبر التمثيل النسبي وتكوينه كالآتي «4 إتجاه إسلامي «4» جبهة ديمقراطية و«1» الفكر الحر» وعضو من المؤتمر، وكان رئيس الإتحاد ربيع حسن أحمد الذي كان متواجداً خارج السودان في تلك الأيام، وكانت السلطات قد اعتقلت لجنة الإتحاد السابقة التى تم إبتعاثها لتقديم مطالب للحكومة وكانت برئاسة حافظ الشيخ الزاكى ولم يتم الإفراج عنهم إلا بعد هدوء الأحوال. عموماً الدعوة لتلك الندوة كانت بيدي، وتم إتصال بإعضاء الشئون الثقافية ورموز الإتجاهات وطلب بعضهم أن يكون في مؤخرة المتحدثين، وإعتذر الأخ حسن عابدين «المؤتمر» بدايةً لضيق الوقت وأوضحت له أنه سيقدم في مؤخرة المتحدثين، وواضح إنه الندوة لن يتاح لها الإستمرار. وقبل الأخ بابكر عبد السلام من الجبهة الديمقراطية أن يكون المتحدث في نهاية الندوة، المهم تحدث في بداية الندوة الأخ آدم، والمقبول الحاج محمد .
*يقال إن حصار البوليس للندوة أتى بعد رفض رئيس الاتحاد الإنصياع لأوامره بفض الندوة؟ ----------------------------------------------------- - لم يكن رئيس الإتحاد، كان رئيس الندوة وكنت أنا بإعتباري رئيس مكتب الشؤون الثقافية، وكنا طبعاً عارفين ومتوقعين أنه الشرطة ستأتي، وقد حصل الحصار وكان وقتها معظم الطلاب قد وصلوا لمكان الندوة.
*أين كانت الندوة ومتى؟ ----------------------------------- -كانت في ميدان داخليات البركس بعد المغرب، وقبلها كانت هناك محاولات لندوات لكن سلطات الجامعة قامت بغمر الميادين بالمياه بما فيها دار الإتحاد، ولكن في الآخر حولناها الى البركس.
*كيف بدأت الندوة وأنتم محاصرون؟ ----------------------------------- -الحصار بدأ بعد أن إكتظت ميادين الداخليات بالطلاب، بالرغم من قطع الإمداد الكهربائي وغمر الميادين بالماء، وكان الحصار سريعاً، وعند بداية المتحدث الأول آدم من أحزاب الوسط توجه قائد الفرقة بالتنبيه مستعملاً آلات تكبير الصوت، وذكر رئيس الندوة عدم التجاوب مع النداء وإستمرار الندوة، وعند فراغ المتحدث الاول من حديثه وكان قصيراً تم تقديم الأخ المقبول الحاج محمد للحديث وتكررت نداءات المكرفون من قبل الشرطة التى تجمعت بكثافة في مكاتب شرطة السفارات المتواجدة بالقرب من الجامعة وتحدث في تلك الندوة د.محمد عبد الحليم، وحسن الترابي وبشير محمد سعيد وكان مؤيداً للحكومة، وكان حسن الترابي أكثر المتحدثين وضوحاً في الحديث عن الحريات والموقف السياسي، وفي تلك الايام وفي غمرة الحماس أحرقت الجماهير بعض الصحف التى كان موقفها في جانب الحكومة.
*قبل بداية الندوة كان في إتصال بينكم والشرطة؟ ----------------------------------------------- -لا ابداً، الندوة بدأت في مواعيدها ومع بداية المتحدث الأول وصلنا إنزار بأن نفض الندوة، وهدد قائد الفرقة بإستعمال القوة، طلبنا من الطلاب الصمود كما طالبنا المتحدث بالإستمرار في حديثه، فسمعنا أصوات أعيرة نارية وأخرى لمسيل الدموع، طلبنا من إخواتنا الطالبات التوجه لمكان محمى معين بمساعدة بعض إخوانهم. وتعالت الهتافات الحماسية، مزيج من أصوات الأعيرة والهتافات، وبعدها بعض صيحات الألم، وبدأء الجنود بعد إقتحام الندوة التحرك داخل الغرف وبين الممرات، وبدأت المواجهة وجهاً لوجه، والإنسان وقتها لا يستطيع ان يعرف تفاصيلها لأنه ما في إضاءة كافية.
*أين وكيف قتل القرشي؟ ------------------------------ - أنا لا أستطيع أن اقول لك بالتحديد كيف قتل، وهناك روايات كثيره جداً، في ناس محققين ممكن يعرفوا بالضبط هو كان وين، ناس يقولوا طلقه طائشة وهو كان في الداخلية وآخرون يقولون إنه يتواجد مع بقية زملائه في الندوة، وبحكم وضعيته انه طالب في الصف الأول يرجح أنه كان موجوداً طبعاً في منطقة البركس، لكن ما في زول ممكن يحدد ليك بالضبط وين، لأنه الضرب كان مستمر ولم نعرف من تساقطوا، وفي ناس حاولوا يخرجوا ما قدروا، وفي بعض أساتذة الجامعة عرفوا أنه في شىء حاصل وتحركوا من نادي الأساتذة كان موقعه في أول شارع وانت قادم من بري ومنهم د.على محمد خير، وحسن الترابي، والشرطة صدتهم.
*كم من الوقت إستمرت هذه الإشتباكات؟ ------------------------------------------- - حوالى الساعتين أو ثلاث بعد المغرب
*وماذا بعد ذلك؟ ------------------------- - بعد أن هدأت الأحوال والشرطة إنسحبت، طبعاً أدت مهمتها تفريق الندوة حسب فهمهم، وكانوا قد دخلوا الى بعض العنابر وحدثت مواجهة هناك، وبعض منهم أسقطوا من الطابق الأول، وبعضهم وجهوا السوانكي الى صدور الطلاب.
*متى عرفتم بمقتل القرشي؟ ---------------------------- - في نفس الليلة بعد ما هدأت الأحوال، الناس لم يستطيعوا أن يخرجوا من السور، وعملنا إجتماع طارىء للجنة الإتحاد في ذلك المكان وكانت الجلسة برئاستي، ودون في المحضر بالحرف بأني أتحمل كل تبعات هذه الندوة لأن هذا أمر خاص بالمكتب الثقافي وأنا الذي سعيت له وأمثل إتجاهاً معيناً لأنه عندنا قناعة تامة بأهميته، السكرتارية دونت ذلك في المحضر، وسألنا بعد ذلك عن الحاصل ولم نعرف كل شىء بل تردنا الأخبار إنه زول إتضرب، لتاريخ لم يُرى ذلك المحضر وأخفي تماماً وكانت هذه آخر مرة أعضاء اللجنة يروه فيها حيث إختفى تماماً بعد ما تبلورت الصورة وظهرت الإمور وعُرف من كان معارضاً ومن كان مع الحكومة، فإختفى المحضر من الوجود رغم مطالبتنا للسكرتير الشيخ رحمة الله «طيب الله ثراه» من الجبهة الديمقراطية، وكانت هذه من القضايا التى أثيرت بعد أكتوبر بعدة سنوات لتثبيت هذه الأشياء.
نعود لتشييع القرشي بعد ذلك حاولنا نمشي نشوف الحاصل شنو، وعرفنا إنه عندنا طالب إسمه القرشي قتل، وكان تشييعه في اليوم التالي يوم الخميس 22 أكتوبر، حدثت خلافات كانت الحكومة ترفض التشييع، لكن إضطر أساتذة الجامعة ونقابة المحامين وبالطبع إتحاد الطلاب كان موجوداً على الإصرار على التشييع، حتى ميدان عبد المنعم للصلاة على الجثمان هناك. السلطات إعترضت وكان معها قاضي موجود خارج المشرحة في شارع المستشفى، وجاءت قوة من الشرطة والطلاب كانوا متواجدين وجاء الأساتذة لابسين الرول ومعهم المحامين، وبدأ التفاوض مع القاضي و»القانون حينها يلزم بعدم إنطلاق النار إلا بعد موافقة القاضي المسئول المرافق للشرطة» وكان هناك تفاوض مع القاضي المسئول على رأسه د.حسن الترابي ممثلاً عن الأساتذة، وأذكر ان أحد المحامين أثناء التفاوض وإسمه كمال الدين عباس وكنا واقفين ونحاول التقدم والقاضي مُصر أن لا نتحرك خطوة وإلا يأمر بفتح النار، فقال له كمال يامولانا ما أتوقعتك في آخر عمرك تصدر مثل هذا الأمر في هذا الموقف.
*وكيف جاءت الموافقة على التشييع؟ ----------------------------------------- - في نفس المكان وبعد التفاوض آنف الذكر قال القاضي ما عندي مانع لكن يكون هناك خط محدد تلتزموا به وتذهبوا وتصلوا عليه وتتفرقوا دون مظاهرات، فعلاً إلتزمنا وإستلمنا الجثمان من المشرحة وتحركنا حتى وصلنا ميدان عبد المنعم، والناس كانوا عند عهدهم مع القاضي وإتفقوا ان يذهبوا بالجثمان مباشرة الى قرية القراصة، إنتهت الصلاة وكان الإمام هو السيد الصادق المهدي الذي قدمه د.حسن الترابي، والذي تحدث بعد ذلك مذكراً الإلتزام بالعهد ومندداً بأن لهيئة التدريس قصاص لهذا الدم.
*كيف إنطلقت التظاهرات بعد ذلك؟ --------------------------------------- -حديث د.حسن الترابي بأن «لهيئة التدريس قصاص لهذا الدم» هذه الكلمات اثارت الحضور وعاطفته الجياشة، وتلاه بعد ذلك هتاف من د.حسن عمر المحاضر بكلية القانون، وتبادلنا معه الهتاف ونحن على ظهر عربة الجثمان دون ان نشعر بما نقول وتأجج الموقف وتمحورت المظاهرات الى كل إتجاه حتى رأينا طائرات الجيش الصفيره تحلق فوق رؤوس المتظاهرين، مما أثارت الناس زيادة.
* التنسيق بينكم كإتحاد طلاب والفعاليات الأخرى من النقابات والهيئات التى شاركت في الإنتفاضة كيف كان يتم؟ ----------------------------------------------- - منذ البداية كان الباب مفتوحاً وكنا نتصل مع قادة الأحزاب والمعارضين لنظام الحكم العسكري، فيهم ناس إلتزموا بلقاءاتنا المتكررة ومظاهراتنا التى أقريناها، وفيهم من «زاغ» مننا وعارفين سلسلة منهم، والإتصال كان يتم عبر الأشخاص القائدين لهذه التنظيمات وكان في غاية السرية، والإتصالات الشخصية كانت سريعة جداً بتكليف شخص للإتصال بفلان مثلاً من الناس، لإعتبار ان الأساتذة كانوا معنا، وفي علاقات بيننا والإتحادات المختلفة. المحامين كانوا على إتصال معنا وكانوا أكثر تيم له الأثر في أكتوبر.
*هل كان هناك تخطيط للقيام بالإنتفاضة، أم ان تطورات الأحداث قادت لها دون ترتيب؟ -------------------------------- -لا، ما كان في أى تخطيط مسبق إنه في اليوم الفلاني يحصل كذا، كانت شىء إستشعاري وتحدى وأى حاجة بالشكل هذا يمكن أن تنبع منها حاجات تانية، الوضع كان مواتي لأي حاجة، وهناك السياسة والناس كانوا ينتهزون أية فرصة للحديث في السياسة.
*** - رغـم الـمظاهرات العارمة يومي 21 و22 اكتوبر وسقوط ضحايا وجرحي وايضآ بالرغم من امتلأ مستشفي الخرطوم وامدمان بالمصابيـن والجرحي وانتشار رجال الشرطة بالشوارع الكبيرة ومداخل الكباري واصوات البمبان والقنابل المسيلة للدموع طةال اليومين واغلقت المحلات التجارية محلاتها خوفآ من التكسـير، وبالرغم من قلة الموظفيـن بمكاتبهم الحكومية والباقون كانوا مع الشارع الهادر، الا ان الاذاعة السودانية " هنا امدرمان " كانت تواصل برامجـها العادية المليئة بالاغاني الغرامية واللقاءات مع المسؤولين حول مواضيع لاعلاقة لها بما يحـدث بالعاصمة المثلثة من احـداث كبيـرة،
*** - كانت الاقاليـم البعيدة عن الخرطوم بل وحـتي ضـواحـي العاصـمة المثلثة بعيـدة عن مايجري في الخرطوم. وماكان احـدآ ملمآ بصـورة تامة بما يجـري في العاصـمة، وكانت التليفونات هي الوسيلة الوحـيدة لهم لمعرفة الاخبار ولكن بصـورة مـختـصرة ومـبهمة،
*** - كان اللواء محـمد طلعت فريد وزير "الاستعلامات والعمل" قد اصـدر توجيهاته للصـحف بعدم نشر اي اخبار عن المظاهرات واخبار الجرحـي واعـطي توجـيهاته الصارمة للاذاعة والتلفزيون بعـدم بث اي اخبار عن مايجري بالشارع وان تستـمر البرامـج الاذاعية كما هي بلا تغييـر،
*** - اصـدر اللواء مقبول الحاج الأميـن وزير الداخلية وقتها اوامره للضباط ورجال الشرطة باستـخدام الرصاص الحـي اذا دعي الحال لذلك، وامر ضباطه بعدم التسأهل مع المتظاهرين، واصـدر امرآ باغلاق جامعة الخرطوم الي اجـل غير مسـمي ولحـين استتاب الامن،
*** - كانت البصات السفرية تسـير رحـلاتـها اليومية بصـورة عادية كل يوم الي الاقاليـم البعيـدة ولضـواحـي الخرطوم. قام المسافرون من الخرطوم لهذه المناطق بنقل اخبار مايجـري في الخرطوم، ويبـدو ان البعـض " زودوها حـبتيـن " فوصـفوا الحال في الخرطوم وشبهوها بكارثة المت بسكانها ...وان مئات الجـثث ملقية بالشوارع باهـمال شديد لاتـجـد من يلـمها ويسـترها،... وان المستشفيات قدامتلئت بالاف الجـرحي والمصابييـن ...ورجال الشرطة يطلقون الرصاص علي اي شـئ يتحـرك بالشوارع!!!
*** - كان الوضع يومي 21 و22 اكتوبر ممتلئآ باحـداث العاصمة المثلثة ولم تشارك فيها جماهير الاقاليم باي دور يذكر، ولكن ماان حل صباح يوم 23 اكتوبر الاوكانت شوارع الخرطوم مزدحـمة بالأف الذين قدموا من المناطق البعيدة لنـجـدة الخرطوم " الكارثة "!!!!
د. محاسن عبد العال: ثورة اكتوبر العظيمة حققها الشعب السوداني بقيادة القوى السياسية الثورية والتي قادت الاضراب السياسي والعصيان المدني لإنهاء النظام العسكري وتحقيق الديمقراطية وسيادة الحكم بقيادة القوى الوطنية الثورية للجماهير الباسلة التي تحملت عبء النضال ابان سلطة نوفمبر العسكرية. فيحق لنا ان نحتفل به لنستقي الدروس والعبر مما قدمته ثورة اكتوبر العملاقة.
كما يحق لنا ان نحيي ذكرى شهداء النضال الوطني عبر تاريخنا الثوري والوطني كما يحق لنا ان نحيي ونضم صوتنا للمناضلين الذين لا زالوا يقبضون على الجمر من اجل تحقيق الديمقراطية والتنمية المتوازنة والحرية وسيادة حكم القانون من اجل بناء سودان العزة والسلام وطناً للجميع.
ويحق لي ايضاً ان اذكر ان مشاركة المرأة السودانية في ثورة اكتوبر 4691 ومشاركة المرأة السودانية بحركة الجماهير منذ اعلان النظام العسكري لحل الاحزاب السياسية والمنظمات الجماهيرية بما فيها الاتحاد النسائي السوداني فمنذ صباح اغتيال الديمقراطية والحرية فقد نظمت المرأة نفسها للعمل السري ضد النظام العسكري في قلب حركة النقابات والسياسيين والطلاب وكل الوطنيين بقيادة الحزب الشيوعي الذي نظم وقاد العمل السري ضد نظام نوفمبر العسكري.
وكان للمرأة السودانية مواقف مشهودة سجلها التاريخ فقد قادت أول موكب رغماً عن حظر نشاط الجماهير وسار ذلك الموكب النسائي من دار الاتحاد النسائي بام درمان والتي كانت تقع بالقرب من المحكمة الشرعية وذلك لتسليم مذكرة للسفارة الفرنسية في الخرطوم للمطالبة باطلاق سراح المناضلة الجزائرية جميلة بو حريد، وكان ذلك قبل تجمعات الرجال. هذا ولم يتعرض البوليس لذلك الموكب بل تابعه من ام درمان الى الخرطوم ثم عائداً لدار الاتحاد النسائي مرة اخرى بام درمان.
هذا كما نظمت الحركة النسائية موكباً آخر احتجاجاً على سماح حكومة نوفمبر للطائرات التي حملت السلاح للمعارضين للزعيم الافريقي (لوممبا) لتمر عبر سماء الخرطوم وقد سلم الموكب مذكرة احتجاج لوزارة الخارجية وقد كانت تلك المواكب قبل مواكب الرجال وقد تصدى البوليس لحماية تلك المواكب فقط ولم يفرقها.. ليس هذا فحسب بل شاركت المرأة في الاجتماعات السرية في العاصمة والاقاليم للتحضير للاضراب السياسي وشاركت عضوات الاتحاد النسائي في تجميع النساء العاملات في كل موقع للمشاركة في الاضراب السياسي.
وشهدت ساحة القضائية حضوراً مكثفاً من النساء مع جماهير الرجال والذين لم ترهبهم حشود الجيش والدبابات التي احاطت بمباني القضائية وكانت على استعداد لضرب الجماهير التي ملأت الساحة ولم تخيفها البنادق التي كانت مصوبة نحوها. ولكن تراجع الجميع واخلى المكان عندما طالبه مولانا عبد المجيد امام رئيس القضاء آنذاك طيب الله ثراه عندما طالبه بالانسحاب ثم اعلن الاضراب السياسي العام واعلنت الجماهير موقفها لتنفيذ الاضراب السياسي وقيادة النضال الثوري لاسقاط النظام العسكري.
هذا كما شاركت ممثلات المرأة الدكتورة خالدة زاهر والاستاذة فاطمة احمد ابراهيم في اجتماعات جبهة الهيئات السياسية والتي قادت النضال لاستكمال ثورة اكتوبر المجيدة، والتي قادت المناقشات مع حكومة نوفمبر لتسليم السلطة للقوى السياسية. وظلت الجماهير التي نفذت الاضراب السياسي تحتشد امام دار اساتذة جامعة الخرطوم لتتابع تطورات الموقف وتؤدي ما يطلب منها من القيادة الوطنية. وفي يوم 82 اكتوبر وأثناء النهار اعلنت جبهة الهيئات رفض سلطة الرئيس ابراهيم عبود تسليم الحكم لجبهة الهيئات لقيادة القوى السياسية وتم اعلان الرفض للجماهير التي كانت محتشدة لمتابعة الموقف السياسي فتحركت الحشود الجماهيرية نحو القصر وهتافاتها الداوية تعلو (الى القصر حتى النصر).
وكان لي شرف المشاركة في ذلك الموكب المهيب ضمن العديد من النساء وكانت بجانبي في المقدمة الاخوات السيدات حياة مصطفى ام عادل اطال الله عمرها والاخت فوزية حسن التجاني - طيب الله ثراها - ولم تخيف الجماهير حشود الجيش التي كانت تصوب بنادقها نحونا من داخل القصر ومن داخل وزارة التجارة من الاتجاه الثاني ولم تتردد الجماهير في السير والهتاف (الى القصر حتى النصر) مع إنهمار الرصاص من اتجاه القصر فبدأت الجماهير من الخلف تنادي السائرين بالرقاد على الارض بعد ان تساقط القتلى والجرحى من المقدمة ولكن لحسن الحظ فقد كانت قيادة الجيش من وزارة التجارة من الضباط الاحرار والذين امروا جنودهم بعدم الضرب وإخلاء المكان والعودة للثكنات مما حافظ على حياة الكثيرين وعندما توقف الرصاص ونهضنا من الارض كانت ثيابنا مغطاة بالدماء والتي ظننا انها من دماء الجرحى والقتلى الذين تساقطوا بالقرب منا ولكن عندما بدأت السير شعرت بعدم القدرة على تحريك رجلي اليسرى والتي كانت الدماء تسيل من فخذي الايسر فعرفت اني نلت وسام شرف برصاصة غادرة ضمن ثوار اكتوبر وشهداء النضال. ولم اكن اشعر بالالم ولكني عرفت في المستشفى ان الرصاصة استقرت في فخذي مما سبب التخدير وعدم الاحساس بالالم وظللت افخر بما نلت من شرف مع رفاق كثيرين بعضهم استشهدوا وتوجوا ارواحهم مهرا للديمقراطية ووسامي... هذا دفعني لاقول الشعر في اول احتفال بثورة اكتوبر عام 5691م حيث قلت:
يا اكتوبر حبابك جيت تعانق ابريل تضوي البيت بعدما ثارة فاتت في ستار الليل وقوت شعبه انسرق ما بين عميل وعميل وشبابه سدوه في سجون الخائن الرعديد يا اكتوبر حبابك جيت وما غشيتنا ساعة جيت جيتنا بخيت بشارة النصر وقت هزينا بيك القصر يا اكتوبر حبابك جيت جيتنا تصحح التاريخ لقيت الشعب كل تمام وقدم صفوة الفرسان من عمال ومن زراع ووطنيين ومن طلاب ومهنيين وفي قلب الجموع بنات النيل قدن الثورة للصامدين وقالن ارح نعيد البسمة للباكين يا اكتوبر تعال اسرع زنادك داك في المشرع بس ينقصه الكبريت وحبة زيت وساعة النصر حين هليت
واخيرا المحبة والتقدير لارواح الشهداء والمناضلين والوطنيين الداعين لاخراح السودان من هذا النفق والساعين لبناء سودان العزة والديمقراطية والحرية والسلام.
من أجندة الغموض: ------------------------ حقائق يوثق لها كمال خشم الموس!!!
*** -ثورة 21 أكتوبر (64) وحقائق منسية.... *** -مدير مكتب الرئيس عبود يفتح ملفات كانت غائبة.... *** -من اطلق الرصاص على الجموع المحتشدة بساحة القصر الجمهوري? اللواء (قسم الله عبدالله رصاص) يدلي بشهادته للتاريخ.... *** -ماهو دور الرائد مظلي (زين العابدين) (الزينكو) في تلك الأحداث؟!
إضاءة: ------------------- 44 عاماً بأكملها مضت على أحداث ثورة 21 اكتوبر.. أكبر ثورة شعبية تطيح بنظام عسكري وتعيد البلاد إلى حكم الليبرالية البرلمانية.. كانت اكتوبر بالتحديد 21 اكتوبر 1964م هي القيس الثوري الذي مازال يؤمض.. ولأن اكتوبر جزء لا يتجزء من تاريخ السودان.. فهي حدث غير قابل للمحو ولا النسيان. وثورة 21 اكتوبر 1964م مازالت رغم تعاقب السنوات ومرور الحقب حُبلى بالكثير.. فيها الغاز لا يمكن نسيانها.. كدنا ان نحفر القبور لنصل الى «التاريخ المعلومة» التي دفنت مع جثث رجال كانوا صُناعاً للحدث او كانوا شهود عيان.
* ولأنني أهوى النبش قررت ان انبش أحداث اكتوبر 1964م وان اقف عندها ومعي القراء ليكونوا شهود جدد.. يطلعون معي على النقطة التي تحفل بحقائق غائبة.. بالتحديد اود ان أعرف (من هو الضابط أو القائد الذي اصدر اوامر الضرب بالرصاص على جموع الشعب التي كانت تحيط بالقصر الجمهوري وتحتشد مطالبة بذهاب السلطة؟!.
من قتل الأبرياء في ذاك اليوم الحالك من اكتوبر 1964م بالتحديد قبل أيام من قرار الفريق إبراهيم عبود بالتنحي عن السلطة؟!. أعيد السؤال ماذا حدث في ساحة القصر آنذاك وحول الأجساد إلى جثث في حدائق القصر الجمهوري؟! .. دعونا نطالع ونبحر..
* ذات مساء رمضاني جاء في فصل شتاء وكُنت مدعواً للإفطار بمنزل سعادة اللواء إبراهيم النور سوار الدهب (رحمه الله).. الدعوة كانت قبل وقفة عيد الفطر بـ«4» أيام في 1996م ـ 1997م ديسمبر نهاية 1996م واوائل يناير.. واللواء إبراهيم النور سوار الدهب كان قبل تقاعده يشغل منصب مدير مكتب الفريق إبراهيم عبود وكاتم أسرار الحريبة.. وعمل في الجيش السوداني حتى تقاعد برتبة لواء في 1970م.
* وللتاريخ.. أقول أن اللواء سوار الذهب هو أول من بادر للتعرف بيّ عندما كُنت رئيس تحرير صحيفة إجتماعية ناجحة وكُنت حينها أعمل في فتح الملفات الغامضة والأحداث التي عصفت بالبلاد وشغلت الناس ولم تُنسى بعد.. وكانت البداية إستعراضنا لمسيرة الإنقلابات العسكرية في السودان حيث كُنا في البداية نستعرض معلومات أرشيفية حول تلك الإنقلابات، ولكن عندما وصلنا الى إنقلاب «البكباشي» علي حامد محمد عثمان ضابط الجيش العمرابي الأصل والأخ الشقيق لمولانا الدرديري محمد عثمان اول رئيس للقضاء في السودان.. شغل المنصب بعد مغادرة الجيش الإنجليزي للبلاد وإنتهاء حقبة الإستعمار.
* وقال لي اللواء إبراهيم النور سوار الدهب أني أدعوك للجلوس معي في منزلي بحي الواحة بمنطقة كوبر.. وجلست معه طويلاً.. ملكني عبرها مستندات ووثائق كتبها بخط يده.. خاصة وقائع محاكمة البكباشي (علي حامد) وأعوانه حيث كان اللواء إبراهيم برتبة البكباشي (المقدم) وكان قد تم تعيينه عضواً في المحكمة العسكرية التي عقدت لمحاكمة المشاركين في إنقلاب (علي حامد) وهو إنقلاب عسكري إستهدف الإطاحة بنظام الرئيس الفريق إبراهيم عبود. سرد الوقائع وأستوقفته طويلاً لأن إنقلاب المقدم (علي حامد) يُعد هو أول إنقلاب عسكري تخرق فيه القيادة العليا للدولة والجيش الأعراف العسكرية فقد صدر الحكم بالإعدام على اغلب الضباط الذين شاركوا في ذلك الإنقلاب وكان الحكم غريباً جداً حيث حدد التنفيذ بمقولة (الإعدام شنقاً حتى الموت).. والمحكوم عليهم ضباط يعدون من حملة الشرف العسكري.. وإعدام الضباط يكون في جيوش العالم اجمع بالرمي بالرصاص.
* قال اللواء بكل ثقة أن الرئيس عبود لم يوقع بالتصديق على تلك الأحكام ولو فعل الرئيس عبود ذلك لكان سهلاً عليّ معرفة ذلك لأن كل الأوراق الداخلة والخارجة من مكتب الرئيس عبود تمر بي.
وأكتفى بهذا القول.. لم يعطني أية معلومة تفيد بمن وقع على التصديق على تلك الأحكام.. بل قال لي لقد أنصفني الحزب الشيوعي السوداني المحظور حين أصدر كتابه الذي ُُُسمي بالكتاب «الأسود» وأنصف موقفي خلال المحاكمة وبعدها.. حيث رفضت إعدام الاخوين (كبيدة) وذكرت أنه لا يحق لنا إصدار الحكم على شقيقين.. وقد لقى إعتراضي قبولاً.. فقد إستثنى احد الأخوان (كبيدة) وحوكم ـ بالسجن المؤبد. * أسلفت ما ذكرت حتى اعطي نبذة قصيرة للرجل الذي كُنت صديقاً له رغم فارق السن وقد كان يكتب معي مقالات تحت عنوان «تاريخ ما أهمله التاريخ».
* 21 اكتوبر من جديد; --------------------------- أعود بالقراء ثانية إلى الافطار الرمضاني شتاء 96/1997م يومها قلت لسعادة اللواء.. دعني أعود بك لأحداث ثورة أكتوبر 1964م .. أين كُنت؟ وماذا حصل؟ * أجاب اللواء سوار الدهب لعلك تريد تاريخاً معيناً.. فصحت أريد بالتحديد أن أعرف حقائق ما حدث في تلك الأيام الحالكة وأخص بالتحديد اليوم الذي أطلق فيه الرصاص على الجموع المتظاهرة في حدائق القصر الجمهوري والتي كانت تحاصر القصر الجمهوري وتهتف بسقوط حكم الرئيس عبود..
* قال اللواء سوار الذهب.. في ذلك اليوم كان كل أعضاء المجلس العسكري الإنتقالي في داخل مكاتبهم بالقصر الجمهوري والرئيس الفريق إبراهيم عبود داخل مكتبه وبالطبع كنت في مكتبي .. وكُنت أعرف ان الحالة الأمنية في البلاد قد وصلت الى الحالة (جيم) .. وهو مصطلح عسكري يعني أنه قوات الشرطة قد عجزت عن فض التظاهرات ورفعت تقريراً بذلك إلى اللجنة الأمنية العليا وفي هذه الحالة يكون على القائد العام للقوات المسلحة ان يصدر قراراً بإعلان حالة الطوارىء.. وتترك قرارات حظر التجوال لوزير الداخلية .. ويتم إنزال قوات الجيش بكامل تسليحها (لبس خمسة) (لبس الميدان) وتكون التعليمات أن يتم إطلاق الرصاص للقتل إن دعت الضرورة ذلك دون الرجوع إلى قاضي مرافق.
* ويومها تولى الرائد مظلي (قسم الله عبدالله رصاص) قيادة القوة المظلية التي قامت بتأمين القصر الجمهوري من الخارج شمالاً وشرقاً وغرباً وجنوباً وبالعودة لسؤالك أقول لك لم تصدر أي أوامر من داخل القصر لإطلاق الرصاص على الجُموع المتظاهرة لا الرئيس عبود فعل ذلك ولا أعضاء المجلس العسكري اصدروا أي قرار بهذا.
* قُلت لسعادة اللواء إبراهيم لقد ارجعتني إلى المربع الأول.. فماذا أفعل؟.. قال لي ولماذا لا تسأل (قسم الله عبدالله رصاص) فالرجل تقاعد برتبة لواء ركن وهو قائد عسكري فذ لا يخاف شيئاً وسيقول لك الحقيقة كاملة.. وماذا حدث خارج اسوار القصر الجمهوري في اكتوبر 1964م قبل أيام من قرار الفريق ابراهيم عبود رئيس البلاد الذي أعلن فيه حل المجلس العسكري الحاكم ومجلس الوزراء.. وبقي حاكماً لمدة عام حتى لا يحدث أي فراغ دستوري إلى حين تشكيل أول حكومة قومية
* مناشدة (قسم الله رصاص): ---------------------------- وكتبت مناشدة صريحة في الصفحة الأولى من الصحيفة التي كنت أعمل فيها.. رئيساً للتحرير.. وبعد يومين أتصل بي سعادة اللواء ركن قسم الله عبدالله رصاص ـ الذي كنت أعرفه منذ أن كُنت في العاشرة من عمري فقد كان صديقاً رائعاً لوالدي رحمه الله حسن سليمان خشم الموس وكان والدي ينادي اللواء قسم الله بإسم (بارتلو).
* إفادات اللواء قسم الله رصاص: -------------------------------- وجاء إلينا سعادة اللواء ركن قسم الله عبدالله رصاص بنفسه.. وسلمني مظروفاً بداخله رداً مكتوباً يجيب عن سؤالي «من أطلق الرصاص على العزل والأبرياء من حشود الشعب التي كانت محتشدة في حدائق القصر الجمهوري تهتف بسقوط النظام وتؤكد زحفها لإحتلال مقر السلطة الحاكمة للقصر الجمهوري؟».
* قال اللواء قسم الله رصاص او كتب في رسالته التي أعدها (شهادة لم يوثق لها أحد بعد) وما تزال معي..
كنت ومنذ بداية أحداث ثورة 21 أكتوبر 1964م وبعد أن اعلن القائد الأعلى للجيش حالة الطواريء والأحكام العرفية.. والمسؤول الأول عن سلامة وأمن القصر الجمهوري.. حيث يعد القصر هو مقر السلطة الحاكمة للبلاد .. وكنت أيامها برتبة الرائد مظلي.. واغلب ضباط وضباط صف وجنود من سلاح المظلات.
في يوم اطلاق النار على الحشود خارج القصر الجمهوري.. والذي حدث عصراً.. كنت ومنذ الصباح منشغلاً بتوجيه قواتي لقفل شارع النيل بالأسلاك الشائكة ووضعت قوة تمنع التحرك في شارع النيل منذ بداية الشارع عن الفندق الكبير وحتى بوابة القصر الجمهوري الغربية وكل المداخل الفرعية لشارع النيل.
* وتلقيت عبر جهاز اللاسلكي الموصل بالعربة المدرعة التي كانت بالخارج اتصالاً مباشراً من السيد الرئيس الفريق عبود.. طلب مني التوجه إلى رئاسة القضائية لإستلام مذكرة مرفوعة من قضاة البلاد وإتحاد المحامين وموقع عليها رئيس القضاء ونوابه وكافة قضاة السودان.. وهي رسالة الفريق ابراهيم عبود نطالبه بالتنحي عن السلطة وأعلنوا فيها أنضمام الهيئة القضائية بأكملها.. كما أعلن إتحاد المحامين ايضاً (الإنضمام إلى العصيان المدني والتوقف تماماً عن العمل حتى يعلن الرئيس عبود تنحيه عبر الإذاعة.
* طلب الرئيس عبود إستلام المذكرة واحضارها الى القصر.. مع الحيلولة دون وصول موكب القضاء والمحامين إلى القصر الجمهوري.
نفذت الأمر وتسلمت من السيد رئيس الجهاز القضائى أيامها وأخاله كان مولانا «عبدالمجيد امام» قاضي المحكمة العليا المذكرة وعدت بعربتي إلى حيث القصر الجمهوري وفوجئت بارتباك شديد.. وطلبت من الضابط الذي يليني وكان مسؤولاً في غيابي توضيح ما حدث.. فأجاب (أن أفراد من جنود القوة التي يقودها الملازم مظلي (زين العابدين محمد أحمد عبدالقادر) قد فتحو نيران بنادقهم على جمع من الحشود.. وبسؤال الملازم (زين العابدين) أجاب بأن ما حدث كان تصرفاً فردياً.. بادر به ثلاثة من الجنود لاحظوا محاولة بعض من المتظاهرين مواصلة التقدم إلى حيث كان الجند يرابطون وطالبوهم بالتوقف عن التقدم.. وعندما لم ينفذ الأمر.. (فتح الجنود النار) اطلقوا الرصاص حماية لأنفسهم.
وما قاله الملازم مظلي (زين العابدين محمد أحمد عبدالقادر) نفى فيه أن يكون قد أصدر أوامر بالضرب إلى جنوده وأن جنوده تصرفوا وفقاً للتنوير في حالة الطوارىء والحالة (جيم) وهي الحالة التي يتولى فيها قوات الجيش مسؤولية الأمن.. في هذه الحالة انهم يطلقون الرصاص (ضرب مؤثر) (shoot to kill) وقال اللواء (قسم الله) في ختام إفاداته أن الحقيقة عند الرائد مظلي (زين العابدين محمد أحمد عبدالقادر).
ثورة الشعب السودانى وغضبته العارمة الكاسحة ضد الدكتاتورية العسكرية المتمثلة بنظام الفريق إبراهيم عبود المعروف بنظام 17 نوفمبر والذى استولى على الحكم فى 17 نوفمبر 1958م كانت ثورة شعبية بكل المقاييس.
الشرارة الأولى للثورة إنطلقت من دار إتحاد طلاب جامعة الخرطوم إثر ندوة سياسية مساء 21 أكتوبر 1964م تحدث فيها مندوبى الأحزاب السودانية التى كانت محظورة بقانون وكان موضوع الندوة عن الحرب فى الجنوب السودانى .
كان النظام فى ذلك الوقت يكثف من الهجمات العسكرية ضد من أسموهم المتمردين الجنوبيين وكانت الخسائر البشرية التى تتكتم عن إعلانها الحكومة تتصاعد مما خلق جواً مشحوناً بالغضب لدى الشعب الذى يقتل أبناؤه من الجانبين.
من قبل كان النظام فاقدأ للتاييد الجماهيرى نتيجة التآمر الواضح فى الإتفاقية التى أفضت إلى إغراق مدينة وادى حلفا والقرى النوبية العريقة والتهجير الكارثى لأهلها مقابل ثمن بخس.
وكانت ثورة النوبيين متقدة ولم تنطفىء حتى مع التنفيذ الفعلى للتهجير وإعادة الإسكان فى حلفا الجديدة.
فور إنتهاء الليلة السياسية فى دار الإتحاد بجامعة الخرطوم إنطلقت تظاهرة طلابية من دار الإتحاد إلى مساكن الجامعة لتلتحم فى تظاهرة أكبر إلى الخارج رغم قوانين الطوارىء التى كانت سارية.
لم تتردد قوات امن النظام فى إقتحام مساكن الطلبة المشهورة بالبركس وإطلاق الرصاص على الطلاب الغاضبين الذين كانوا يرددون الهتافات المدوية ضد النظام الغاشم فسقط القرشى كأول شهيد بين الطلاب وتبعه عبد الحفيظ وحرّان .
تفاعلت الأحداث فى اليوم التالى بالجامعه وسرعان ما إنتقلت الهبة الشعبية إلى الشارع فى تلاحم فريد بين العاملين فى الخدمة المدنية من موظفين وعمال وقضاة ومحامين لثلاثة أيام متتالية. وعم الغضب جميع مدن السودان فى إنتشار عجيب للهبة الشعبية.
كان اليوم الحاسم هو يوم 24/10/1964م حيث شهد الميدان الواقع أمام القصر الجمهورى التظاهرة الأقوى والأعنف . وبما أن النظام أعلن الأحكام العرفية نتيجة لهذه الهبة الغاضبة ضده فقد أُنزل عسكر الجيش بكامل عتادهم حتى الدبابات إلى الشوارع.
واجه العسكر التظاهرة التى كانت تتجمهر مع الهتافات أمام القصر الجمهورى فى الميدان الذى سمى بعد هذا اليوم بميدان الشهداء واجه الجمهور الأعزل بإطلاق النار من الآليات الثقيلة فسقط من خيرة أبناء الوطن العشرات.
فى طليعة من سقطوا فى هذا اليوم المشهود، إبن أبوراقة البار وعريس ثورة أكتوبر: فرح عثمان صالح أحمد ( ضرغام ) . كان الشهيد فرح عثمان صالح من أبناء أبوراقة الغيورين والمنافحين عنها . ولم تكن قد مضت على إلتحاقه بالوظيفة فى الخدمة المدنية سوى أعوام ثلاثة وكان يعد العدة حينذاك للإقتران بأحدى حرائر أبوراقه ولكنه ويا للقدر زُفِّ إلى الخلود مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.
لقد قصرنا جميعنا كما قصّر كل من كتبوا عن ثورة أكتوبر بالإهمال عن ذكر وتخليد الشهيد فرح عثمان صالح ونحن هنا نضع هذا الإسم العزيز على أبوراقه كعقد فى جيد هذا الموقع ولا نشك أن روحه الطاهرة تباركه الآن.
قبل أن نسترسل فى سير الأحداث بعد اليوم العاصف فى يوم 24/10/1964م وهو اليوم الفصل بين حكم العسكر الدكتاتورى وبين العهد الديمقراقى الثانى فى التاريخ السودانى سأحاول أن أعطى القارىء الكريم نبذة عن شهيد الوطن وعريس ثورة أكتوبر خالد الذكر فرح عثمان صالح.
الأسم: فرح عثمان صالح أحمد ضرغام: --------------------------------- وحيد أبويه وأختطفه القدر قبل الزواج الوالد: عثمان صالح أحمد ضرغام . هو شقيق كلٍ من خليل صالح أحمد ضرغام وجعفر صالح أحمد ضرغام وليس لهم أخوات. الوالدة: فاطمة فرح قريشى شقيقة كلٍ من عبد الحميد وإبراهيم قريشى ومحمد سليم وأخواتها طماية فرح والدة عمر وعطيه، ومبروكة فرح زوجة سيد عثمان الشهير بسيد صعيدى.
لقد توفيت الوالدة فاطمة فرح خلال دراسة إبنها الوحيد بمدرسة قبة سليم الأولية بالسنة الرابعة. وبما أننى كنت قريباً جداً من الشهيد فرح وكنا صديقين حميمين فقد كنت أعلم كم كان يتألم مرتين لرحيل أمِّه ، تارة بسبب فقدها وأخرى لتألم أبيه الضعيف . وقد كان رحمه الله باراً بهما وأغدق عطفه بعد رحيلها على والده المسن رقيق الحال دون تبرم أو شكوى.
المراحل الدراسية: بعد الدراسة بمدرسة قبة سليم الصغرى إلتحق الشهيد بالفصل الإضافى بمدرسة عبرى الإبتدائية والذى خصص للذين أقتربوا من تجاوز سن الثانية عشر بالمدارس الصغرى. ثم عاد الشهيد للإعادة ضمن دفعتنا بمدرسة قبة سليم إذ رفّعت لمدرسة أولية وكنا الدفعة الأولى فى هذه المدرسة. جلسنا والشهيد لإمتحان الشهادة الصغرى وقبلنا بمدرسة عبرى المتوسطة فى العام الدراسى 1957/1958 .
وقصة قبوله بالمدرسة المتوسطة بعبرى كانت حكاية. ففرح كان ذو قامة فارعة مع بنية ممشوقه والناس يومئذ يلجأون للتسنين الطبى لتقدير السن وكلنا لم نكن نملك شهادات الميلاد الأصلية.
كانت هناك لجنة للقبول من نخبة من أهل البلد وتمثل المدرسة بهذه اللجنه بناظر المدرسة وتتولى اللجنة معاينة كل طالب ناجح قبل القبول النهائى . وبما أن فرح كان فارع الطول كما قلنا وشهادة التسنين تقدر عمره بحوالى 13 عام فقد إنتفض الناظر المهيب الأستاذ على أحمد على ( وهو معتمد وادى حلفا لاحقاً خلال التهجير) ورفض قبوله.
هنا حدث مشهد درامى وهو أن والده المسن الذى رافقه لحضور اللجنة توسل إلى أعضاء اللجنة ذاكراً لهم أن هذا الفتى هو ذريته الوحيدة فى هذه الدنيا وهو زينة حياته الموحشة سيما بعد وفاة والدته وهو بعد فى الإبتدائية. كان والد فرح يتحدث إلى اللجنة بأسلوب صادق بسيط ومؤثر وعيناه مغرورتان بالدموع. هنا هز الموقف الإنسانى كل أعضاء اللجنة ولان الناظر الصارم أمام مرافعة الشيخ الكبير وقبل فرح عثمان بعبرى المتوسطة وتنفسنا نحن أصدقاءه الصعداء فقد كان الموقف مؤلماً لنا جميعاً.
لم يحالف الحظ شهيدنا فى الولوج إلى المرحلة الثانوية مثل غالبية دفعتنا الذين كانوا ضحيه حدث فردى مؤسف نالوا على أثره عقوبةً جماعية. وأصل القصة أن أستاذا يدرس مادة الجغرافيا للسنة الرابعة النهائية لأول مرة أراد أن يحرز الطلبة فى مادته الدرجات الكبرى ( طبعاً طمعاً فى تقييمه وترقيته هو وليس من أجل الطلاب) وكان يدعى الطاهر عمر عبد العزيز من شمال أواسط السودان . فى صبيحة يوم إمتحان ورقة الجغرافيا ذهب هذا الأستاذ الهمام حاملاً بشخصه القهوة للمراقبين داخل الفصل وهم يهمون بفض ورقة الإمتخان واستطاع إختلاس النظر ومعرفة موضوع سؤالين من الورق المكشوف أمامه ثم هرول خارجاً من الفصل.
وعلى الفور جمع من أستطاع من الطلبة المنتظرين دخول الفصل لأداء الإمتحان وكشف لهم ما رآه فى هذا الوقت الضيق.
وما كان من الطلبة المتوترين أصلاً والذين تنقصهم الثقة بأنفسهم إلاّ قطع ما رأوه مناسباً من كراسات المادة والدخول بما قطعوا إلى الفصل. وكانت الطامة الكبرى حين ضبط ذلك المراقب المشهور وهو الأستاذ عقارب أحد الطلبه وهو يناول زميله تلك القصاصات ( البخرة ) .
لم يتردد الأستاذ عقارب فى التوصية بإلغاء أجوبة مادة الجغرافيا لكل الفصل لمدرسة عبرى المتوسطة وهذا ما كان .
لقد حالف التوفيق عدد 12 طالب فقط فى الدخول إلى الثانوية فى هذا العام مقارنة بعدد يفوق ال 45 للأعوام السابقه من جملة 50 طالب بالفصل. وهكذا جرّ ذلك الأستاذ وهو الأستاذ الوحيد الذى لا أذكره بالخير بين سائر أساتذتنا الذين نجلهم جميعاً حتى هذا اليوم . وهكذا فقد العديد من أقراننا وأصدقائنا فرصة الخول للثانوية.
الشهيد فرح لم يفكرفى الإعادة فقد كان مهموماً بشأن والده المسن الذى يعيش دون أنيس أو رعاية كافية. لذا كان خياره التالى أن يلتحق بالعمل ويعجل بالزواج ممن رآها الأصلح كزوجة له وراعية لأبيه لذا فقد خطب فور إلتحاقه بالخدمة المدنية بالبريد والبرق ( على ما أذكر وليصوبنى من هو أعلم منى بذلك ) ولكن الإرادة السماوية أرادت له أن يكون عريساً للثورة ومهراً للحرية التى تمتع بها الشعب السودانى قبل سرقتها مجدداً فى العام 1969م.
«44» عاماً مضت وذاكرة تلك الأيام مازالت تحتفظ ببريقها الذي خلد أكتوبر رمزاً للحرية، التى تلاحم من اجلها الشعب مع بنيه الطلاب في أروع مشهد نضالى يسجله التاريخ الحديث بين طيات دفاتره. وتخليداً لذلك المجد النضالي أدلى كثيرون برواياتهم التى توثق لـ 21أكتوبر، ولأهمية توثيق الحدث من صُناعه جلست الصحافة للبا شمهندس أنور الهادي نائب رئيس إتحاد أكتوبر للشؤون الثقافية، وإستدعت معه ذاكرة تلك الأيام، حيث كان يدير ندوة الأربعاء 21 أكتوبر التى قُتل فيها القرشي وأدت لإشتعال الإنتفاضة، فسرد لنا تفاصيل ماجرى فإلى الجزء الثاني من مضابط الحوار: -------------------------
*كم يوم إستمرت المظاهرات بعدما إنطلقت من ميدان عبد المنعم؟ --------------------------------- - ما بقدر اقول ليك كم يوم بالضبط، لأنه بعد تحرك موكب التشييع الى قرية القرشي بدأ الناس في أرجاء البلاد ينظمون المظاهرات، وبتنظيم سلس من الخرطوم أو بدون ذلك، متظاهرو بعض المناطق القريبه وفدوا الى الخرطوم. بعد إسبوع تقريباً هدأت الأمور إذ بدأت جبهة الهيئات مباشرة أعمالها وإستمرار تكوينها من الجهات التي لم تلتحق بها.
*كيف كانت الحكومة تتعامل مع هذه المظاهرات بعد مقتل القرشي؟ ----------------------------------- - كما أشرت سابقاً بدأت بحزم من قبل تسليم الجثمان وقررت عدم تسليمه، ثم تلى ذلك ما سردت، أما عند القضائية «رئاسة القضاء» كان يتم الإعداد لموكب يحمل عريضه للقصر وفى مقدمته ممثلو أساتدة جامعة الخرطوم والطلاب والمحامون والمنظمات الأخرى، مُنع الموكب من التحرك وكانت فرقة البوليس مدججه بالسلاح وعلى إستعداد لإطلاق النار، ولكن في النهاية خرج قاضي المحكمة العليا مولانا عبد المجيد إمام وردد بالميكرفون موجهاً حديثه للشرطة «أنا قاضي المحكمة العليا، عبد المجيد إمام آمركم بالإنصراف وعدم التصدي للموكب. اما في ساحة الشهداء فلقد تظاهر الناس يرددون «الى القصر حتى النصر» بعد أن سمعوا ببعض الإتصالات وإعتقدوا أن الأمور قد هدأت فأطلقت عليهم الأعيرة النارية من اشجار حدائق القصر وسقط عدد كبير وإمتلأت المشرحة بمستشفى الخرطوم وجرح عدد من الطلاب والمواطنين.
*البعض يرى أن رفض القوات الحكومية إطلاق النار على المتظاهرين شجع خروج الجماهير في التظاهرات؟ ----------------------------------- -القوات لم تتصدى بإطلاق النار بعد يوم 21 أكتوبر، وفي كثير من الأحيان رفضت إطلاق النار وهذا ما شجع كثيرين للخروج في التظاهرات، لكن الضرب الذي حدث في ساحة الشهداء كان من داخل القصر الجمهوري من ناس الجيش وليس الشرطة.
*من كان يتعامل مع المتظاهرين في الشارع؟ -------------------------------------------- - في ساحة الشهداء كان الجيش، والشرطة في كثير من الأحيان كانت تحاول أن تخفي نفسها إلا من أجبر. بعد ساحة الشهداء بدأت المظاهرات تأخذ شكلها الشعبي بمعنى الكلمة وبدأت الوفود تتوافد، هنا كان لابد أن تكون في جهة من الجهات عشان تنظم الناس، فكان تكوين جبهة الهيئات من الأحزاب والتنظيمات والإتحادات والنقابات، لتناقش الوضع الراهن والشىء الممكن يحصل، حتى جاءت حكومة سر الختم الخليفة.
*أثناء الأحداث هل قام السيدان بأى إتصال معكم؟ --------------------------------- - الأحداث تتابعت وبسرعة مدهشة فبعد التشييع بدأت البيانات تصدر وعلى مقدمتها بيان أساتذة جامعة الخرطوم وحسب علمي أن د.حسن الترابي هو الذي كان على رأس صياغته وفيه تقديم لإستقالاتهم ويفهم من بعض كلمات البيان أنها استقالة لا مشروطة ولا موقوته إلا بزوال ذلك النظام، وبدأت الدعوة للإضراب العام وذلك بالإتصال بالنقابات وإتحادات العمال والمزارعين.
من قبل الأحداث وعلى مدى 17 نوفمبر كان الاتحاد ينظم المظاهرات واللقاءات مع بعض القادة السياسيين السابقين ما أمكن ذلك، وكان ذلك من خلال ما سمي بالجبهة الوطنية وهناك من كان يعدنا بالخروج تظاهراً ولا يفي، وبحكم تكوين الاتحاد فالصلة متواجده بين الطلاب مع انتماءاتهم الخارجية وكانت هناك اتصالات مع السيد الصادق المهدي إذ لم يكن هناك تمثيل لهم في الإتحاد.
*هل تمت أية اعتقالات أثناء الإنتفاضه لقيادات طلابيه؟. ----------------------------------------------------- - لم يجروء أحد على إعتقال أي من الطلاب، والقصة كانت إما مجروح أو شهيد، لكن لم تحدث أى إعتقالات أثناء التظاهرات. الاعتقالات قبل 21 اكتوبر كانت عاديه ولجنة الاتحاد السابقه لهذه اللجنة برئاسة الأخ حافظ الشيخ كانت داخل كوبر، واللجان السابقة كانت تعتقل ويفرج عنها وبعضها طالها الحرمان من الدراسة.
*هل كانت لكم منشورات تقومون بتوزيعها؟ ------------------------- - لم نستخرج منشورات لأن العمل لم يكن مخططاً له، لكن قبل ذلك كانت في منشورات بتطلع من التنظيمات والجمعيات، الى أن قامت جبهة الهيئات والوضع إستتب، وإقتنع الرئيس عبود بالتغيير وحل كل أجهزته واستمر الرئيس عبود لفترة بسيطة.
*كيف كان الإعلام ينقل أخبار الإنتفاضة في ذلك الوقت؟ ------------------------------ - تلك الفترة كانت قصيرة جداً كما أسلفت والتحرك فيها سريع ولم ينشغل الناس بالتوثيق الكتابي ولكن لا أستطيع تجاهل دور صحيفة الصحافة أثناء تلك التحركات ولا دور الأستاذ عبد الرحمن مختار في ذلك الوقت، ولا أستطيع نسيان ما فعلته الجماهير بدور بعض الصحف من حريق لها بحكم موقفها من ندوات اكتوبر ومساندتها للنظام منها صحيفة الرأى العام. فالمعلومات عن الإنتفاضة كانت تصل للناس عبر الإتحادات والنقابات المهنية أو بالوصول لجامعة الخرطوم مباشرة.
*هل صحيح أن الحكومة حاولت إستخدام سياسة إلهاء الجماهير بمباريات كرة القدم؟ -------------------------------------------- - هذا كان سابقاً منذ مجيء 17 نوفمبر في أعياد الثورة التى كان يتم فيها صرف بزخي، والمظاهرات تنطلق دائماً الى أن وصلت أكتوبر، حينها وصل تفكير النظام الى أنه ما محتاج للجامعة كلها إلا كلية الطب لأن الهندسة يمكن أن تدرس بالمعهد الفني والزراعة بمعهد شمبات.
*كيف أبُلغتم بسقوط النظام ؟ -------------------------------- - سقوط النظام كان في اكتوبر نفسه وبعد ايام معدودة من الندوة، وكان ببيان أصدره الفريق ابراهيم عبود بحل المجلس المركزي وحل مجلس قيادة الثورة بعد أن تفاقمت الأحداث وتدخل العقلاء وتم التفاوض بين الحكومة وممثلي الإتحادات والنقابات واستاتذة الجامعة الذين كانوا بجانبنا منذ البداية، وكان هناك وسطاء من الضباط اذكر منهم عمر الحاج موسى ومزمل غندور وهم من ضباط الجيش الذين كانوا يتمتعون بمكانة رفيعة بين أقرانهم.
*كيف تمت عملية تسليم السلطة من عبود؟ ----------------------------------------- - كان كل شيء يسير بخطىً حثيثه ولكنه تدريجي، فمنذ البداية في 22 اكتوبر بدأت اتصالات مكثفة مع رموز السياسة السابقين، وإتصالات مكثفة مع النقابات والاتحادات تبلورت مؤخراً في شكل الجبهة الوطنية «جبهة الهيئات» وكان لأساتذة جامعة الخرطوم دور كبير وعلى رأسهم من هو في مجال القانون، تكونت الحكومة وتم إتفاق حول الفترة الإنتقالية.
*هل إرتضت كل القوى السياسية بقسمتها في 21 أكتوبر؟ -------------------------------- -بعد اسبوع أو يزيد من 21 أكتوبر وبعد حل المجلس المركزي ومجلس قيادة الثورة وتكوين جبهة الهيئات وتكوين حكومة أكتوبر، كانت هناك ليلة سياسية إحتفالية بساحة معهد الخرطوم الفني «جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا حالياً» وأثناء الكلمات المقدمة من ممثلي جبهة الهيئات صعد الأستاذ فاروق أبو عيسى الى المنصة ومستعملاً مكبرات الصوت وبحماس بالغ قاطع المتحدث وأبلغ الجماهير بأن هناك تحرك من قبل قوة من الجيش تهدد الثورة وعلى الجماهير التوجه الى دار أساتدة جامعة الخرطوم والتمترس هناك، وإقامة المتاريس لحماية الثورة ولقد بَدأوا بالفعل في إقامة المتاريس، كما وجه وبمعية د.عز الدين على عامر، على حماية السفارة الأمريكية خوفاً كما زعموا التحرش بهم، تحركت الجماهير الى المكان الذي ذكر، وإتضح من واقع الحقائق أنه لم تخرج أى قوة نظاميه من معقلها قط، وفي دار الأساتذة هناك دار نقاش حاد بين أعضاء الحزب الشيوعي والمنظمات التى لها علاقة بالحزب وأعضاء الإتجاه الاسلامي، وسميت تلك بليلة المتاريس، واستنتج معظمهم حينذاك أن الشيوعيين أرادوا إحداث انقلاب داخل الحكومة والإنفراد بها، وكانوا فعلاً يمثلون الأغلبية بحكم تمثيلهم الحزبي والنقابات الموالية لهم ومنهم فاروق أبوعيسى، الشفيع أحمد الشيخ، شيخ الأمين، وفاطمة أحمد إبراهيم وآخرون، فأرادوا إنفراداً بالحكم والوصول إليه بمزيد من التفويض من جبهة الهيئات وتكريس سلطاتها ومد فترة التفويض والاستفادة من وجود الهيئات التى تحت تأثيرهم، أحيطت تلك المحاولات بجدار ضاري إشترك فيه من الاسلاميين عبد الله حسن احمد، محمد صالح عمر، حسن الترابي.
*أكتوبر أختطفتها الأحزاب قبل ان تصل لميسها؟ ----------------------------- -الأحزاب قديمة التأسيس لم تكن واعية ولو انها كانت واعية لما كانت 17 نوفمبر ولا 25 مايو ولا 30 يونيو، فهي لم تقم بدورها الكامل، وعندما كانت 21 أكتوبر دعيت بطبيعة الحال للمشاركة في جبهة الهيئات وفي الحكومة الإنتقالية.
*برأيك اكتوبر هل كانت شرارة تغيير أم منعرجاً لانحراف كبير؟ ------------------------------ -اكتوبر كانت شرارة تغيير، طالبنا بالتغيير من حال الى حال. ومعلوم علمياً أن أى تغيير كيميائي، فيزيائي، او سياسي اجتماعي تشوبه فترة من عدم الاستقرار... وتؤثر فيه البيئة بعواملها الكثيرة والضوابط التى وضعت من قبل صانعي التغيير.
فأكتوبر ما كانت إنحراف أفتكر إنه كان في تغيير، المشكلة إنه الإنحراف يأتي من بعض الناس، فإذا تعقلت الناس وعملت بضميرها لكنا خلاف ما عليه الآن.
أبناء اكتوبر هم الذين أكلوها وليست اكتوبر التي أكلت أبناءها كما يحدث عادة في الثورات!! الثورات يقوم بها أناس بدوافع، وما هم نفس الناس الذين يستمروا بها، وهذه واضحه جداً في التاريخ، والناس تختلف دوافعهم، فيهم المتسلق وغيره. سئل سر الختم الخليفه عن تجربته بعد أكتوبر فقال في حاجتين مستغرب ليهم أولاً: ناس من أعز أصدقائي وأعلم منى عندما جئنا للحكومة يسألونى عن ارشاداتي ونصائحي، الامر الثاني: يأتيك ناس يحاولوا يأثروا عليك هؤلاء تنابلة السلطان، يحومون حول السلطان ويسمعونه يريد وما يريدونه وقال كنت حريص في البداية أن يدخل حديثهم ويخرج بالأذن الأخرى ولكن بعد فترة أتأثرت ولا يخرج حديثهم كله.
*كيف تم التوافق على سر الختم الخليفة؟ ------------------------------ -لم يكن سياسياً وكان مقبولاً عند الشماليين والجنوبيين، كان معلماً بوزارة المعارف عمل بجنوب السودان في آخر أيامه، فاضاف رصيداً بذلك، ووجد قبولا من الجميع، وهو مشارك في جبهة الهيئات.
*أكتوبر عكست تسامح العسكر أكثر من كونها إنتصاراً ضدهم؟ -------------------------------- - لابد من الرضوخ للإرادة الشعبية، وهذه هى المرجعية بغض النظر عن طبيعة وتصنيف الحكم، فإذا كانوا من العسكر فهم جزء من الشعب، والحكماء متواجدون في كل الأحوال، لكن طبيعة التربية زمان بتختلف من الآن، يعني تلك الأجيال تربيتها مختلفه، كانت في علاقات طيبه بين السياسيين بمختلف توجهاتها وتنظيماتهم، وكذلك مستوى الفهم الناس أفقهم واسع وعندهم نوع من التفهم وتقبل الآخر وما في تعصب.
*أكتوبر التى أتت لكسر قيود الشمولية إستفادت منها الأنظمة الدكتاتورية لكسر قوة النقابات والهيئات والإتحادات التى أتت بها؟ -------------------------------------- -الإنسان بطبيعته بستفيد من تجاربه السابقة وتجارب الآخرين بحسب ذكائه يستغل ذلك لمآربه طيبه كانت أم خبيثه، المشكله إنه الناس كانوا في قبضة عسكريه ما فيها أى حريه وفي خط معين، بعدها جاء شىء من الإنفتاح بعد أكتوبر، هنا كان لابد من تدخل عوامل الضبط والتحكم، لتثبيت الوسطيه في هذه العمليه، فالقصة قبضة شديده وبعدها إنفتاح شديد، فالناس يحتاجون للوسطية بين الإثنين.
*كيف استفادت الأحزاب من دروس اكتوبر؟ ------------------------------ - قبل 44 عاما كان الجدل حول حرية الرأى والتعبير واطلاق الحريات العامة واطلاق المعتقلين وحل مشكلة الجنوب، الآن نحن بكنانه نكرر نفس المطالب الأولى ونتكلم عن حل مشكلة دارفور، علماً أن دارفور حينها كانت أكثر رتقاً رغم المطالب الحيوية التى كانت تطرحها جبهة نهضة دارفور آنداك. الحزب الحاكم الذي اعطى مسوغاً لـ 17 نوفمبر هو نفس الحزب الحاكم الذي أعطي مسوغاً لـ25 مايو وأعطى مسوغاً لـ30 يوليو فهل إتعظ وتدبر، مفترض ألا يلدغ بأكثر من مرتين.
*ما هى برأيك الأخطاء التى أرتكبت بعد أكتوبر؟ -------------------------------- -الشعار الخطير «التطهير واجب وطنى» الذي رفع بعد 21 أكتوبر، وإستمر عليه الأمر بعد 25 مايو ثم أتى بعد ذلك في 30 يونيو تحت مسمى «الصالح العام». التاريخ يثبت ان التنظيمات السياسية لا تتواءم مع المؤسسات العسكرية في تحالف دائم حتى لو كانت على نفس المفاهيم، لان تدريب كل منهم وإعداده للحياة يجعلهم لا يتفقون على الآليات حتى في الأداء اليومي، وتجربة مصر في الخمسينات واضحة وتجربة سوريا في الستينات اوضح، عندنا أثبتت الوثائق تفاهم رئيس الحكومة آنذاك مع قادة 17 نوفمبر ومن ثم مباركة السيدين، كما تعاون الحزب الشيوعي مع قادة 25 مايو ثم توالى التعاون مع أحزاب شتى بعد المصالحة «والعودة» وقادة 30 يونيو كان منطقهم ألا وصول للحكم الديمقراطي إلا بعد بلوغهم 30 يونيو ثم التحول التدريجي الى ذلك ولكن تفرق القوم أيدي سبأ. أخطأت النظم السابقة ولا نود أن يتكرر الخطأ، اخطأت عندما ارتكزت في تثبيت السلطه بإستعمال بوليس الجلابية، والبوليس السري، والأمن بأوصافه المتعدده، مهمة الأمن هي تحسس الأحوال العامة بغرض معرفة هموم الناس من واقع حياتهم، وإبلاغ أخطاء الحكم للحاكم بسرية تامة حتى يستطيع أن يصلح ما أخطأ فيه، وهذا يؤدي الى الحكم الراشد والرشيد والعادل كما أوضحته استراتيجيات الدولة.
إستدراكات من الحلقة الأولى.... ------------------------------------ *ورد ان بابكر عبد السلام من الجبهة الديمقراطية طلب ان يكون المتحدث الأخير في ندوة 21 أكتوبر والإسم الصحيح هو بابكر الحاج. *ورد إسم محمد عبد الحليم ضمن المتحدثين في ندوة 21 إكتوبر والإسم الصحيح هو أحمد عبد الحليم، وكان مع الآخرين في ندوة 10 أكتوبر وليس 21 أكتوبر، لأن ندوة الأربعاء 21 أكتوبر الحديث فيها كان مخصصاً للطلاب فقط. *بعد إقتحام الشرطة لندوة 21 أكتوبر هتف رئيس الندوة منشداً «إذا الشعب يوما اراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر ولا بد لليل ان ينجلى...الخ، فتعالت الهتافات الحماسية التى أدت لصمود الطلاب.
الخرطوم : شوقي مهدي- » عاماً هو عمر ثورة «21» أكتوبر التي كانت في ستينيات القرن الماضي، فقد كانت ثورة شعبية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، حيث أعلن الإضراب السياسي الشامل الذي شل حركة الدولة السودانية، وقد شملت فئات كثيرة من الشعب بمن فيهم العمال والطلاب والتجار وحتى الشرطة، هذه الثورة كما يراها كثيرون هي أول ثورة تنوير حقيقية ضد الظلم، بل غيرت نظرة العالم للسودان والسودانيين، ففي السابق كان يطلق على السودان «رجل افريقيا المريض» بحكم انه لم تكن له مشاركات بصورة فاعلة في حركات التحرر العالمي وقتها، ولم يكن له دور يذكر.
ولكن اكتوبر هي التي حولت نظرة القومية في السودان، وبالتالي غيرت مفاهيم كثيرة في العمل الثوري والديمقراطي، ولعل أهم ما يميزها انها لم تتم عن طريق الاحزاب، وانما كانت حركة جماهيرية حقيقية نبعت من الشعب ولم تنتسب لأي حزب سياسي.
ولكن الآن وبعد «44» عاماً من تاريخ هذه الثورة التي غيرت العمل السياسي داخل البلاد، كيف ينظر اليها شباب اليوم؟ وما هي التحولات التي احدثتها تلك الثورة في نظرهم؟ وما هي آثارها المباشرة وغير المباشرة على جيل اليوم؟ تساؤلات كثيرة وضعناها امام الشباب والطلاب، فخرجنا بالحصيلة التالية: وقبل ان ندلف الى ثنايا هذه القضية التي اختلفت روايات كثيرة حول التوثيق لها، يجب علينا ان نوضح حقيقة بعينها هي ان المساحة ادناه هي محاولة لمعرفة ما يدور في عقول شباب اليوم عن تلك الثورة، وكيف لشباب اليوم أن يتعلم من التجارب السياسية لمن سبقوهم.
فهل تعلم شباب اليوم فعلاً من تلك التجربة؟ وهل مازلنا نذكر كيف زحفت الجماهير الغاضبة من النساء والرجال على السواء تجاه القصر الجمهوري لمحاصرته، حيث انهمر عليهم الرصاص من فوهات بنادق الجيش لصدهم، وقبل ذلك كانت هنالك أحداث كثيرة تدور خلف الكواليس في جامعة الخرطوم اختلفت حولها الروايات، الا ان الرواية الأكثر شيوعاً أثبتت حالة الاصطدام بين الطلاب والبوليس في حرم الجامعة، لينتج عن ذلك استشهاد الطالب «القرشي» شهيد الحركة الطلابية الاشهر على مر النضال الطلابي، فقد سقط برصاص البوليس مضرجاً بدمائه.
هذه الأحداث والذاكرة المليئة بالتحولات والمآسي التي احدثتها وقتذاك، طرحتها اليوم بعد «44» عاماً على هبة النور أحد الكوادر الخطابية، التي بدأت تتحدث عن ثورة أكتوبر قائلة إنها من الثورات الوطنية التي يجب أن نحتفي ونفتخر بها في تاريخنا السياسي والوطني، حيث كانت ثورة عفوية تعبر عن الشباب والطلاب في ذلك الوقت، وهي التي افرزت ادبا جديدا في السياسة، وان القيادات الوطنية كانت لديها الحساسية تجاه شعبها، بالتالي انسحبت عندما شعرت بأنها أصبحت غير مرغوب فيها من قبل الشعب.
وتعود هبة لتقول إن هذه الثورة تمثل لهم باعتبارهم شباباً رمزاً للديمقراطية وتلاحم الشعب، وبالتالى تبقى اضافة حقيقية للعمل الديمقراطي، وبالتالي تبقى الاستفادة من أكتوبر في نظرها هي أن الامل يجب أن يبقى فينا ونستفيد من التجربة، فهي النور الذي ينير لنا الطريق، وهي التي ارست دعائم في شتى مجالات الحياة حتى الادبية منها، فلا يزال الناس يذكرون: أكتوبر الممهور بالدم أهلاً صباح الخير الا أن الثورة كانت تكاملية بين الشعب وجميع الأحزاب السياسية ضد النظام الشمولي وقتها «نظام عبود»، وبكل قيمها لم يعد تعاطيها وسط جيل اليوم بالصورة المطلوبة، بل نجد كثيرا منهم مع الأسف يرى أن الثورة هي مجرد اسم ليس له معنى، وهذا ارجعه لضعف الانتماء الوطني.
أما الباشمهندس التوم فيقول إن اكتوبر ثورة مجيدة، وكانت نقطة أو علامة مهمة في التاريخ السوداني أرست مبدأً للنضال وترجمةً صادقة لأشواق وأحلام الشعب تجاه قيادة راشدة قام بها الشعب السوداني. ولا نستطيع أن ننسبها لكيان سياسي معين، بل الشعب هو الذي تحرك لاجل هدف واحد، وجاحد في نظر التوم من ينسب هذه الثورة لحزب او فئة.
ومن أعظم انجازات اكتوبر التحول الديمقراطي الذي طرأ على الحكم في السودان، بيد انه لم يستمر طويلاً.
وثورة اكتوبر صارت ذكرى منسية عند الشباب، لانه لم يكن هناك تواصل اجيال في وجدان الشعب السوداني لنقل تفاصيل الثورة الكاملة والعمل الذي تم فيها. وهذا ان دل على شئ انما يدل على عدم النقل الموضوعي للتاريخ والكتابة التوثيقية من قبل الجيل الذي عاصر ثورة اكتوبر، اللهم الا في أشعار محمد المكي في رائعته اكتوبر.
ويعود التوم ويقول إننا نحن جيل اليوم لم نشعر بأي تغيير على أرض الواقع أحدثته ثورة اكتوبر، بل مازلنا نعاني حتى الآن من التركة الاكتوبرية، بمعنى ان ذلك يتجلى في عقدة الاجيال السابقة، فما أن تجلس مع أي من الجيل الذي شهد اكتوبر حتى يقول لك نحن عملنا كذا وكذا، وفي النهاية يبقى الامر جعجعة بلا طحين، ولكن هذا لا يقلل من شأن الثورة في حد ذاتها، فلو كانت هذه الثورة في اي مكان في العالم لظلت شعوبها تعيش فوائدها ومكتسباتها، لأنها ستكون ثورة في شتى المجالات. ولكن نحن اختزلناها في السياسة فقط، بالتالي بقيت ذكرى يتداولها بعض معاصريها.
ولا بد لأكتوبر ان تكون ثورة للتطور وثورة على كل المفاهيم المتحجرة، وثورة في الفكر والصناعة والاقتصاد وكل مجالات الحياة.
تركت التوم والتقيت بمحمد الامين ابو نائب الذي قالها لي صراحة ان اكتوبر لم تعد تعني لجلينا شيئاً، اللهم الا معلومات يحفظها بعضنا، فأنا مثلاً اعرف عنها انها الثورة التي اسقطت نظام عبود في 1964م، وكانت حدثا فريدا في تاريخ السودان. ولعل الهدف الذي هيمن على افق الثورة كان هو الطالب الجامعي وقتها «أحمد القرشي» الذي ارداه النظام قتيلاً من قبل قوات الأمن عقب مواجهتها مع الطلاب في حرم جامعة الخرطوم. وكانت ثورة اكتوبر بالدرجة الاولى ثورة الطلاب والاطباء والمهندسين والمهنيين والمحامين والاساتذة الجامعيين والموظفين والعمال خاصة عمال السكة الحديد.
ولكن من المؤسف أن ما كتب عن ثورة أكتوبر حتى الآن من باب التوثيق والتحليل مازال نذراً يسيراً، وأن الكثيرين من الذين شاركوا في صناعة أكتوبر قد ماتوا من غير ان يتركوا أثراً مكتوباً، ومن غير ان يقوم الدارسون بالتوثيق عنهم، وبالتالي بقيت اكتوبر حدثاً تاريخياً مهماً، ولكن فقط في اذهان من عاصروها، ولم نر منها نحن باعتبارنا شباباً شيئاً بحجم الثورة التي يتحدثون عنها، اللهم الا مقالات تصدرها الصحف كل عام من باب التوثيق ليس الا.
وحديث أبو نائب هذا يفتح الباب واسعاً امام اسئلة كثيرة حول مدى معرفة فئة الشباب بالثورة نفسها، دعك من التحولات والاحداث التي طرأت على المسرح السياسي بعد الثورة، فقمت باختيار عينة عشوائية من بعض طلاب الجامعات، فوجدت ان اثنين من أصل عشرين يعرفون ما حدث في ثورة اكتوبر، الا ان البقية تفاوتت معرفتهم ما بين التاريخ نفسه والرئيس الذي كان يحكم السودان وقتها، فصدق أو لا تصدق أن احداهن قالت لي إنها لا تعرف العام الذي حدثت فيه الثورة، ولا تعلم ما الذي حدث في ذلك الوقت، ولكنها ثورة وقامت، ولكن هنالك أحد الاصدقاء يرسل لي كل عام يوم الثورة رسالة بهذه المناسبة، سألتها ماذا تعرفين عن الشهيد القرشي؟ فاجابت بأنها لم تسمع به في حياتها.
وسحر تقول إنها سمعت عن اكتوبر فقط من والدها، فقد كان يحكي لها بأنه اشترك في مظاهرة اكتوبر، وانا على علم بأنها الثورة التى انهت حكم عبود، ولكنها لا تعنى شيئا لها الآن، ولا تجد اثرا لها ولا حتى اى ثورة حدثت بعد ذلك، وقال لا ننفى عدم المعرفة عند الشباب بتاريخ بلدهم، ولكن نؤكد أن الثورة فعلا لم تترك اى اثر مكتوب ولا محسوس، ولم تعد تعنى شيئا بالنسبة لنا بصفتنا شبابا ومواطنين سودانيين.
أما يوسف الكتيابي فيقول إن «21» اكتوبر هي ثاني أكبر ثورة في السودان، اذا وضعنا في الاعتبار أن ابريل 85م هي من اكبر الثورات، وهي التي ادخلت السودان في عهد الديقمراطية، وكان لها الفضل في تنشيط الاحزاب السياسية القائمة حالياً، والسودان كان بالفعل محتاجاً لثورة في تلك الحقبة من الزمان. اما عن الأثر السياسي والاجتماعي فيقول الكتيابي إن التاريخ لم يسجل تلك الملحمة، بالتالي غابت عنا نحن الشباب كثير من المعلومات عن تلك الثورة، وكثير منا لا يعرف أكتوبر الثورة، دعك من الاثر الاجتماعي والتحولات التي ظهرت بعد الثورة، فهي لا تمثل شيئاً بالنسبة له، والتحولات التي حدثت في ذلك الزمان لم تعكس أية آثار في واقع اليوم، وقال شخصياً لا اري ان هنالك سببا لتبقى الثورة في ذاكرتي، لانني لم اعايشها ولا اري آثارها اليوم، ولكن فقط اتذكر ان هنالك ثورة كانت في ستينيات القرن الماضي أثرها لم يتجاوز الـ «21» اكتوبر.
********************** **********************
التعليقات ( لصحيفة الصحافة ): -------------------------------
1/ محمد مصطفى - (ليبيا) - 25/10/2008 ------------------------------------------------- ...............وهل يعني سقوط السلطنة الزرقاء على يد الدولة العثمانية وعدم امتداد اثرها حتى الان انها تلغى من الذاكرة السودانية :وكذلك سقوط الدولة المهدية على يد الحكم الثنائي وكذا ثورة 1924 وانتفاضة 1948 التى قد خرجت فيها معظم المدن السودانية الى الشوارع ،هل هذا كله قد مات وانتهى فى عهده فقط ،وهل الذين اعلنو الاستقلال من داخل البرلمان وفشلو فى ادارة الدولة الوطنية هل نلغى دورهم التاريخي ايضا فى خروج المستعمر؟! وهل نلغى الدور التاريخي لثورة اكتوبر كثورة قاومت الطغيان ونجحت فى هزيمته ،فاذا قلنا عمليا ان اكتوبر قد ماتت فكيف جاءت ابريل بل ومن اين تعلم ثوار ابريل النضال بعد 20 عاما ونصف من اكتوبر.
2/ سامر - (الامارات) - 25/10/2008 --------------------------------------- لا يمكن لثورة ان تغبر في نفوس من عاصروها مهما كان فإنها قامت وحققت اهدافها أو جزء من اهدافها هذا هو المحك الرئيسي كان الهدف إقتلاع النظام الدكتاتوري وازاحته اذا حققت الثورة احد اهم اهدافها ولكن يمكن ان تقول ماذا حدث بعد الثورة ,هذا ما لم ينجح فيه قادة تلك الحقبة. أعتقد انها ثورة فريدة في التاريخ السياسي السوداني الحديث وغي العالم العربي بأجمعه.
-------------------------------------------
3/ محمد عبد الله برقاوى - (دولة الامارات العربية المتحدة) - 25/10/2008 -------------------------------------------------------------------- عموما انا واحد من الذين عاشوا ابام اكتوبر فى مقتبل وعى السياسى ..كنت وقتها قى نهاية المرحلة الابتدائية حسب المراحل الدراسية القديمة اى اربع سنوات لكل مرحلة.حيث اغلقت المدارس زهاء العشرة ايام نتيجة الاحداث الرهيبة التى شهدتها العاصمة المثلثة وبعض كبريات مدن السودان.. كان الاهل يمنعوننا من مغادرة الحى فى اطراف امدرمان ولكننا كنا نشاهد الدخان الكثيف يتصاعد من عدة مناطق فى الخرطوم وام درمان وبحرى.
وكانت الاذاعة تكرر بيانات التحذير للمواطنين بعدم التظاهر والتقيد بساعات حظر التجول..على كل حال اكتوبر قصة وغصة فى ان واحد علقت فى حلوق من عاشوها او صنعوها ولم يحس بطعمها الجيل الحديث الذى لم يسمع الا النذر اليسير عنها.
لان اثارها قد محيت من جدران شارعنا السياسى الذى تأكل كذاكرتنا التى لا تؤرخ جيدا فتندثر الاحداث مع الاجساد التى تضمها الاجداث..اى القبور..ولعل عدم معرفة شابنا بثورة اكتوبر او ابطالها..تذكرنى طرفة ظريفة..حيث التقى الاخ محمد ابراهيم عبودبشاب فى احدى رحلات الطيران فاراد التعرف عليه..قال الشاب اسمى فلان ورد عليه محمد بانه محمد ابراهيم عبود الم تسمع بعبود فقال الشاب فى براءة( اهو فنان حقيبة من القدامى ) وذلك المثل يكفى..
10-26-2008, 03:44 AM
ترهاقا ترهاقا
تاريخ التسجيل: 07-04-2003
مجموع المشاركات: 9929
شكرا أخ بكرى على هذا المقال التوثيقي بالرغم من إنو لمن اسمع كلمة عبود ستين شيطان بيطلعوا في راسى ، وليعلم الاجيال كيف كان الشعب السوداني قويا قويا يطالب بحقوقه ويرفض الظلم رغم بطش العسكر
** فاطمة غزالي: ------------------------- تمر ذكرى ثورة أكتوبر هادئة كما النسيم يداعب أفئدة عشاق الديمقراطية ويحرك عقول ما فتئت تبحث عن أكتوبر أخرى بثوب جديد، ومخرجات ليس بالضرورة ان تكون كمخرجات أكتوبر الثورة، بل بالضرورة ان تخرج البلاد من الأزمة الوطنية، التي ظلت لأعوام طويلة عصية على الحل، أرهقت عرابي السياسة فيئس الشعب وملى بطيء الايقاع.. وحنكة الساسة وبات منتظراً المعجزة الالهية لترفع اللعنة من هذا الوطن الذي أرسى أدب الثورات الشعبية فكانت أكتوبر ومن بعدها أبريل نماذج التحرر من القبضة الشمولية لكل العالم العربي والاسلامي لا غرابة في ان لا تدق الطبول وتنشد الأناشيد لتذكر الأجيال بان الـ 21 أكتوبر 1964، كان ميلاد عهد ديمقراطي جديد، يوم تراجع العسكر إلى سكناتهم وجعلوا الحاكمية للشعب، من بعد الله.
عزيز علينا ان نظل بعد 44 عاماً نبحث عن اكتوبر أخرى تضع لنا معالم الطريق نحو الديمقراطي، ومن حقنا كأجيال ان نحاكم من أضاعوا الحرية والديمقراطية وأورثونا دورة خبيثة انقلاب عسكري، انتفاضة شعبية وما بين الدورة والأخرى ظل الشعب السوداني باقٍ على مكانته فلم يترقى سلم العلم الأمن رحم الله، منهم مَنْ يعاني رهق المرض والعوز لم يرى طيبياً في حياته وآخرين في الدرك الأسفل من الجهل لدرجة انهم لا يعرفون ما يدور من حولهم أي لا يعرفون ماذا تعني كلمة رئيس الجمهورية، كما لا يدرون اين تقع عاصمتهم، كل هذا نتاجاً لأزمة من يحكم السودان، تاركين وراءهم كيف ننمي ونطور السودان مع العلم بأن السودانيين طالبوا بالاستقلال شوقاً منهم للحرية والديمقراطية، لذا سرعان ما جاءت أكتوبر عندما اقحم الجيش نفسه في السلطة، وتلتها ابريل للقضاء على شمولية نميري.
الآن تمر ذكرى أكتوبر والأغلبية من القوى السياسية تسعى لوضع لبنات للتواثق على تحقيق الديمقراطية والحرية التي أثر غيابهما على أوضاع السودان فكانت الحروب والصراعات أملنا ان يأتي أكتوبر القادم ويجد الشعب السوداني ينعم بالديمقراطية.
*** - ثورة 21 أكتوبر (64) وحقائق منسية «2».... *** - لماذا أطاع ضابط الشرطة أوامر «عبدالمجيد امام» ولم يطلق النار وانصرف بجنوده؟.... *** - تفاصيل لحظة إعلان «العصيان المدني» وإنهيار حكم عبود....
44 عاماً بأكملها مضت على أحداث ثورة 21 اكتوبر.. أكبر ثورة شعبية تطيح بنظام عسكري وتعيد البلاد إلى حكم الليبرالية البرلمانية.. كانت اكتوبر بالتحديد 21 اكتوبر 1964م هي القيس الثوري الذي مازال يؤمض.. ولأن اكتوبر جزء لا يتجزء من تاريخ السودان.. فهي حدث غير قابل للمحو ولا النسيان.
وثورة 21 اكتوبر 1964م مازالت رغم تعاقب السنوات ومرور الحقب حُبلى بالكثير.. فيها الغاز لا يمكن نسيانها.. كدنا ان نحفر القبور لنصل الى «التاريخ المعلومة» التي دفنت مع جثث رجال كانوا صُناعاً للحدث او كانوا شهود عيان.
* ولأنني أهوى النبش قررت ان انبش أحداث اكتوبر 1964م وان اقف عندها ومعي القراء ليكونوا شهود جدد.. يطلعون معي على النقطة التي تحفل بحقائق غائبة..
* قلت من قبل إن ثورة 21 اكتوبر 1964م والتي صارت نسياً منسياً.. هناك جيل بأكمله لا يعرف ماذا حدث في أكتوبر 1964م.. دخل الشهيد القرشي ورفاقه النفق المظلم حتى الفريق إبراهيم لم يعد هناك مَنْ يعرفه.. أو يذكره بخير أو بشر.
سقطت حقبة كاملة من السنوات بكل ما فيها من أحداث داوية وعاصفة.. وتحملت الحكومات المتعاقبة على سدة السلطة المسؤولية كاملة في عملية تفكيك التاريخ وتغييب أحداث بعينها.. حدث في تواصل سير عجلة التاريخ ما يعرف بـ«خلل» الموقف.. رغم أن التاريخ لا يملكه أحد ولا يحق لأي من كان أن يتلاعب فيه.. لأنها «سيرة حياة أمة» وسيرة الأمم «تُتلى غير ناقصة».. أعود لأقول إني أمارس عشقي اللا متناهي لعملية «نبش» الأحداث.. إني ألهث بكل ما أملك خلف معلومة.. فالمعلومة مهما كانت صغيرة يكون لها دور غير منقوص لإكمال خارطة طريق الأحداث.
أعود لأقول إن ثورة اكتوبر رغم كل ما قيل عنها لا تزال حبلى بالكثير.. وخلف «الأكمة» ما خفيَّ!
* صناع اكتوبر. ----------------------- ولإستكمال مساري في «نبش الأحداث» في قصة ثورة 21 اكتوبر 1964م.. سعيت بكل ما أملك لكي أحظى بمقابلة أحد صناع ذاك الحدث.. وأحد الذين كان لهم الدور القيادي في المشاركة الفاعلة للهيئات والتنظيمات السودانية وكافة قطاعات الشعب والأحزاب الذين أجمعوا على أن يكونوا يداً واحدة وصمموا على إنهاء حكم الرئيس عبود.
ودلني صديق وزميل اسمه «عماد» على منزل مولانا الأستاذ «عبدالمجيد امام» وكان منزله أيامها جنوب غرب سينما أم درمان وغرب مدرسة الأميرية بشارع الموردة في مدخل سوق أم درمان الكبير.
* وعقب صلاة مغرب ذات يوم ذات شهر من 1997م.. كنت هناك أطرق باب «مولانا» عبدالمجيد امام النائب العام ووزير العدل الأسبق ورئيس المحكمة العليا الأسبق وأستاذ القانون بعدة جامعات.. والرجل صاحب «دور بارز في أحداث ثورة اكتوبر».
عرّفته بنفسي فأخذني بالحضن.. فهو من أهل الموردة القدامى.. وتألم كثيراً عندما سألني عن صحة والدي وأخبرته بأن والدي انتقل إلى رحمة مولاه.
* 21 اكتوبر لماذا؟. ----------------------------- قلت له: مولانا وأستاذي «عبدالمجيد امام» إني استأذنك بأن أعود إليك وبالأحداث إلى الوراء بعيداً.. تحديداً إلى أيام ثورة اكتوبر واليوم الذي أطلق فيه الرصاص على المواطنين العزَّل في حدائق القصر الجمهوري.
قلت له: لقد قال لنا الرائد مظلي - أيامها - «قسم الله عبدالله رصاص» إنه كان موفداً لإستلام مذكرة القضاة والمحامين.. فأين كنت يومها؟
* سرح مولانا بعيداً.. وقال بإنفعال: لقد اعدتني إلى يوم كان محتشداً بالأحداث والرجال.. وأصحح معلومة هنا.. أن الرائد الذي ذكرته جاء ليستلم مذكرة موقعة من كل فعاليات الخدمة المدنية وقياداتها.. وكنا في القضائية.. القضاة ويمثلهم بابكر عوض الله الذي كان الموكول له التفاوض مع «أبو رنات».. وكنت مع بابكر عوض الله ممثل القضاء الحالي.. وكان الأستاذ عابدين إسماعيل والأستاذ محمد أحمد محجوب ومبارك زروق يمثلون القضاء الواقف «المحامين».. أما الأطباء فقد كان يمثلهم دكتور طه بعشر.. بينما مثّل الأستاذ علي محمد أحمد ومحمد أحمد علي أساتذة الجامعات.
كان «أبو رنات» يتفاوض معنا ويطلع اللواء «محمد أحمد عروة» وزير الداخلية بما يدور.. وفي نهاية التفاوض رفض وزير الداخلية السماح لموكب الهيئات الذي يتقدمه القضاة بالسير وكنا نصر على أن يسير الموكب مهما حدث.
* في أثناء المناقشة سمعت صوت ضابط بوليس يتحدّث بمايكرفون وينادي على الجموع المحتشدة بالقضائية.. »اتفرقوا فوراً.. أو سوف نطلق النار».
وتحركت من مكاني بسرعة ووقفت في أعلى سلم القضائية وصحت في ضابط الشرطة «أنا عبدالمجيد امام قاضي المحكمة العليا.. بهذا أمرك بأن تجمع القوة التي معك وأن تنصرف».!
وتقبل الضابط أوامري.. وأدى التحية العسكرية وغادر المكان مع القوة التي كانت معه وهو الحكمدار «قرشي فارس».. أطاع الأمر بصفته ضابط شرطة عليه طاعة أوامر القضاء.. أيضاً كنت أيامها أستاذاً للقانون بجامعة القاهرة فرع الخرطوم وكان الضابط «قرشي فارس» من طلابي بالكلية.
* واصل مولانا عبدالمجيد حديثه قائلاً: «بعد مغادرة ضابط الشرطة وقوته للمكان قلنا ما دام الرئيس عبود رفض تسيير الموكب فلماذا لا نكوّن له لجنة تحمل مذكرتنا التي تطالبه بالتنحي عن السلطة.. وقبل الاقتراح تم اختيار ممثل لكل مهنة من القضاة.. مولانا عابدين اسماعيل من المستشارين القانونيين عبدالمجيد عبدالرحمن وركبوا في عربة وجزء آخر منّا في عربة ثانية وغرب مباني القضائية اعترضت طريقنا قوة من الجيش.. وسمح لنا ضابط القوة بالمرور بشارع الجامعة.. توقفنا ثانية مع حوار وزارة الزراعة وبعد أن سلمنا المذكرة لـ«أحمد حسن الضو» كسر الباوران.. لكي نسلمها إلى الرئيس عبود وطالبنا بالتحقيق في مقتل الشهيد القرشي.
* وعدنا إلى القضائية.. وعندما مر الوقت ولم يستجب النظام للمذكرة ولم يحرّك ساكناً وقررنا إعلان «الاضراب العام» العصيان المدني وحدثت الهوجة واجتمع كل من بابكر عوض الله وشخصي وعدد من المهندسين والمهنيين وحصل إتفاق إعلان البيان رقم واحد وهو «الاضراب العام»، حيث تقرر أن يتوقف العمال عن العمل في كل مرافق ومؤسسات الدولة.. إلى أن تتنازل القوة العسكرية الحاكمة وأن يعود الجيش إلى ثكناته ، وهذا البيان تم طبعه ووزع في كل مدن السودان والنتيجة أن اليوم الثاني لصدور القرار كانت البلاد فيها في حالة شلل كامل.
وأنا عائد إلى منزلي بالموردة تأملت شوارع الخرطوم الخالية.. فقلت هذه بداية النهاية.. لا يمكن لهؤلاء الناس أن يحكموا فراغاً.. إذ لا توجد حياة وصدق توقعي فبعد ثلاثة أيام أعلن الرئيس عبود حل المجلس العسكري الحاكم ومجلس الوزراء.
** من المحرر: --------------------- كانت السطور السابقة حاوية لحديث مثير وشيّق مليء بالأحداث والحقيقة.. قول من رجل كان علماً في حياته المهنية والعادية.. وكان رجلاً لكل العصور وصل إلى أعلى المناصب في الدولة.. ونال ثقة القضاء داخل السودان وعالمياً وعربياً.. وبقي إلى أن وافاه الأجل المحتوم كتلة من النشاط والإصرار وقوة العزيمة.. كان جسده الضامر عنواناً للتحدي.
* من أجندة الغموض نتواصل. ---------------------------- بإذن الله نواصل حلقات جديدة من «أجندة الغموض« في أعدادنا القادمة، وستكون الحلقة القادمة امتداداً لأقوال وشهادة جديدة لمولانا «عبدالمجيد امام» عن قصة اختياره رئيساً للوزراء في بيان تشكيل حكومة انقلاب المقدم «حسن حسين» في 5/9/1976م.. تلك الحركة العسكرية التي نجحت في الإستيلاء على السلطة وأذاعت بيانها الأول.. وصمدت لـ«6» ساعات.. وبعدها تم القضاء عليها.. ثم إلقاء القبض على كل المشاركين فيها.. حيث تمت المحاكمات داخل سلاح المدفعية بعطبرة وتم تنفيذ أحكام الإعدام رمياً بالرصاص بمنطقة «وادي الحمار» حيث شربت الصخور الجرداء دماء وأحداث كانت.
حيث أوضح مولانا «عبدالمجيد امام» بأن رجلاً غريباً لا يعرف اسمه سيذكر لاحقاً، قال مولانا «إن هذا الرجل قَبِلَ بأن يكون «شاهد ملك» وشهد شهادة زور.. وأن عدداً من الضباط وجنود الصف أُعدموا بشهادته الكاذبة.. وأن هذا الرجل أقسم زوراً وشهد كذباً بأنه قد حضر مع محامي معروف وأقنعوني على قبول المنصب وشهد بأني أديت لهم القسم بالكلمات والولاء.
* إنّ عبدالمجيد امام فتح لنا شهادة جديدة في قصة حركة عسكرية أخمدت سريعاً.. رغم أنها أطاحت بحكومة نميري.. وذهبت الحركة إلى النسيان رغم زعم بعضهم بأنها أول حركة عسكرية إسلامية يقودها اسلاميون لا ينتمون للتيار الحزبي الإسلامي.. بينما قال البعض إنها كانت ثورة قوامها «ضباط الصف» الذين نالوا الترقيات الإستثنائية من نميري بعد اندحار الإنقلاب الشيوعي في العام 1971م.
عبدالله كرم الله من مناقب الاحتفال بذكرى الاحداث الكبري، ان كل احتفاء يسلط الضوء على وجوه الادعاء! ويظل وجه الحقيقة كالوضوء. فللكذب اوجه عدة، وللحقيقة وجه واحد لمعانه كالفضة.
* وهذا ما حدث في الاحتفال هذا العام بالذكرى"44" لهبه اكتوبر المجيدة.
* اولا: لقد ذكر الاستاذ محجوب عروة، بان عمه المرحوم اللواء محمد احمد عروة، الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية، كان من حكمة الرجل العاقل الرشيد، الا تدخل قوات الامن الي حرم الجامعة وذلك لحرمتها، بعكس راي البعض في المجلس الاعلى للقوات المسلحة الحاكمة وقتها، الامر الذي جعله يهجر المنصب الى بلدته كسلا بدون إعلان.
- قد يقول البعض، بأن الاخ محجوب منحاز لعمه في كل الخطوب.. ثانيا: لقد وضع النقاط على الحروف السيد محمد على محمد سيد احمد بما ادلي به، اول من امس لصحيفة آخر لحظة الغراء، بحكم انه كان قائدا لقوات حفظ الأمن وقتها وقد ذكر بانه رابط بقوته التي قوامها 75 جندياً بأسفل كبري بحري، حتي ينفض الاجتماع بسلام، لكن الطلبة المشحونين حصبوهم بوابل من الحجارة حينها دخلت القوة"مضطرة" الى"البركس" لانهاء ذلك، وحين اشتد الهجوم من قبل طلاب شحذوا وعبوا نفسيا، في العموم دخلت القوة "الداخليات" لاستتباب امن معدوم، وعند الانسحاب وجدوا المنافذ قد غلقت عليهم بكل باب! حينها امر باطلاق "البومبان" ثم اطلاق الرصاص في الهواء لا في المليان، والقدر هو الذي ذهب برصاصة لغرفة الشهيد القرشي واشعلت الميدان.
- والتحقيق الذي جرى مع قائد القوة اثبت انه ادي الواجب بمهنية كاملة ومنضبطة بلا زيادة او نقصان، يكفي ان الحجارة والعصى حملها "كومران". - ولقد أمن ايضا ان السيد وزير الداخلية كان وقتها بمدينة كسلا، والذي أتي بعد ذلك بحكم مسئوليته على عجل.
ثالثا: - لقد كانت لي جلسات مطولة مع المرحوم محمد احمد عروة بعد صلاة العصر بمسجد حاجة النية، او بعد صلاة المغرب بمنزل صديق المرحوم محمد يوسف على موسي مطافئ السودان.
ولقد ذكر لي الكثير من الاشراقات التي كنت اعجب كيف لعروة "ابناء" لم يسجلوها بالصوت والصورة لفائدة اجيال وللتاريخ كبناء.. - ومما ذكره لي: أ- على الرغم من كل الاحداث، اقنع عبود كل اعضاء المجلس بعدم التفريط في مسئولية الحكم! الي ان اتت جبهة الهيئات، وكان من ضمنهم الشيخ على عبدالرحمن، الذي سأله عبود مندهشا بأي صفة اتيت يامولانا؟ اتيت ممثلا للحسيب النسيب الذى اعلانا.
ولم يصدقه، واتصل بالدائرة ببحري وحين استوثق قال لمجلس الحكم: أهـا إحنا القاعدين ليها شنو؟ وخرجوا من القصر بكرامتهم وبماء وجههم. ب- بمناسبة امتيازات مالية ضخمة يرفل فيها احد جيرانه كمسئول رفيع بالخدمة المدنية على عهد نميري! لم يتمتع بها في فاني الوجود كل اعضاء المجلس بما فيهم عبود.
مفارقة كبرى صاحبت احتفال السودان بالذكرى الرابعة والأربعين لثورة أكتوبر، فلم تكن هناك دولة أو جهة سياسية على استعداد للصرف من جيبها أو وقتها أو صبرها للاحتفال بهذه المناسبة التاريخية "فتكرَّمت" شركة تجارية من القطاع الخاص "مشكورة" لتنظيم الحفل على أوسع نطاق ممكن واستدعاء أهم فنانين سودانيين -محمد وردي ومحمد الأمين- لإحياء الذكرى العطرة باستاد الهلال، هي شركة "أوفانسس" كما تقول أخبار الصفحات الرياضية.
لم يفت الأستاذ محمد وردي بذكائه السياسي المعهود أن يتساءل أمام الجمهور، وينتزع التصفيق للحديث قبل أن ينتزع التصفيق "المضمون" لأناشيده الاكتوبرية عندما قال: اتفق الجميع على ثورة أكتوبر وحققت اجماعاً وطنياً غير مسبوق، فالترابي تبناها وأهل اليسار قالوا إنهم قد قدموا شهيدين فيها، والعساكر تحدثوا عن حصارهم للفريق ابراهيم عبود.. ولكن لماذا لا يحتفلون باكتوبر بالرغم من أن جميع القوى السياسية تتحدث عن شراكتها الأصيلة في اندلاع هذه الثورة؟!
قطعاً لم يكن محمد وردي ذاهلاً أو غافلاً عن جملة الحقائق التي تُثيرها تساؤلاته، ولكنه اختار موقف الفنان أو "الملاك" الذي يطرح الأسئلة ليجيب عنها الآخرون ويعلمون أنفسهم بأنفسهم، خصوصاً بعد أن نالت "اكتوبر الجريحة" ما نالت من تجاهل وتجريح واستخفاف، إما جهلاً مشفوعاً بحسن النية وتراكم الإحباطات أو عمداً وقصداً لأن أكتوبر واطروحاتها وشعاراتها تعني تهديداً لمواقع البعض واستئثارهم بالسلطة، التي تهددها "الديمقراطية" أو "الثروة" التي يهدد "الوعي الاشتراكي" المنادي بتوزيعها ونثرها عدلاً اجتماعياً على العالمين.
صحيح أن الزخم العارم الذي رافق ليالي الثورة المجيدة قد انقضى أجله، لكنه لم يكن "صيحة في واد" بل ارتفع بوعي الشعب السوداني، حتى أصبح فاصلة تاريخية بين ما كان قبلها وما صار إليه هذا الوعي بعدها. فقبل اكتوبر كانت قضية الحقوق والاستحقاقات السياسية والاجتماعية مسألة غائمة وغير مؤطرة في العقل الجمعي للجماهير السودانية، ولكنها بعد "اكتوبر 1964م" أصبحت شيئاً آخر أكثر تحديداً، وتنظيماً ووضوحاً في هذا العقل. فالأدب السياسي والرؤى الاجتماعية التي تم ضخها إبان تلك الثورة كانت كافية لانضاج البصيرة الشعبية بحيث لا تفوت عليها فائتة ولا يمكن استغفالها بأي "بيان سياسي" مخاتل أو خادع، لذلك لم يكن في وسع الأنظمة التالية التي تنكرت للحريات السياسية أو العدالة الاجتماعية الحصول على أيه "شعبية حقيقية" إلا في أوساط نخب أو صفوات أعمتها "الايديولوجية" أو أعوتها "المصالح".
صحيح، وكما أشار الأستاذ وردي، فإن "الهبَّة" لم تستثن أحداً، أو على الأدق لم تحاول أي من القوى السياسية القائمة في الساحة النأي بنفسها عنها، لكن يصح أن البعض من هؤلاء "كان يغني على ليلاه" وليس "ليلي الاكتوبرية" جاء كل منهم يتأبط أجندته ومشروعه الخاص الى ساحة العرس الاكتوبرية، وقرأ الجميع أن الوقت قد أزف بعد أن تحطمت مراكب نوفمبر على شلالات الحرب الأهلية في الجنوب وتصاعدت الحركة السياسية والمطلبية في الجنوب وانقضى أجل "التسامح السوداني" مع تشديد القبضة الحديدية، حتى أصبح تفويض عبدالله خليل بك للقيادة العسكرية لتدبير شؤون البلاد واقرار الامن واطلاق التنمية تفويضاً بلا معنى، ولحسن حظ الجماهير الاكتوبرية فإن القيادة العسكرية كانت على درجة من الزهد والعفة والتعقل والانضباط –على الأقل في معظم أركانها- بحيث رجحت قرار التخلي عن الحكم وإخلاء مقاعده بأقل الخسائر، ومن الشهادات القيّمة والأكيدة على هذه الحقيقة التاريخية ما أورده وزير داخلية نوفمبر اللواء محمد أحمد عروة رحمه الله في صحيفة "السياسة" السودانية بتاريخ 27 اكتوبر 1978 -اي قبل عشرين عاماً، عندما رد على مقال للاستاذ عبدالوهاب بوب المحامي في "يوماتي" بتلك الصحيفة، والذي زود أحد قراء (السوداني) الاستاذ محجوب عروة أخيراً بنسخة منه، رأيت أن أفيد منها في هذه "الإضاءة"، من جهتين الأولى هي أن الوعي الديمقراطي قد بلغ مرحلة من التراكم والتقدم بحيث بات ذهاب "الحكم العسكري" ضرورة، والثانية هي الاستعداد الكامن لدى قيادة الحكم النوفمبري إلى مغادرة المنصة بنفس اليسر الذي أصعدهم إليها.
يقول اللواء عروة في شهادته التي تنم عن قدر كبير من الأمانة والشجاعة: "خطؤنا، وليس خطيئتنا، هي أننا بدأنا إعادة الديمقراطية متأخرين بعض الشيء، ومن خلال إجراءات تدريجية مثل مجالس المديريات والمجلس المركزي والتي اشترك فيها الكثير من رجالات الأحزاب، ولكن ربما كان الضرر بأننا انشغلنا تماماً بالتنمية الاقتصادية وتحقيق الاستقرار، وهذا كان على حساب سرعة التقدم في مسألة اعادة (الحياة النيابية) للبلاد"، وفي هذا فهو يعتبر فترة الحكم النوفمبري (مرحلة من الطوارئ)، بعد أن جاءوا الى السلطة السياسية "مرغمين ومتحملين لمسؤولياتنا تجاه هذا البلد".
أما عن كيف غادروا المنصة وسدة الحكم فهو يورد شهادة جوهرية ونصية عما قاله رئيس النظام الفريق عبود في اللحظة الحاسمة عند اندلاع المظاهرات ووقوع الاضطرابات، ويذكر كلمات عبود التي كانت: "يا أخوانا في إيه؟... السبت دا مافي واحد جعان.. مافي واحد عريان.. عاوز إيه؟ الأحزاب؟ طيب نسلّمها للأحزاب" ويختم اللواء عروة بالقول: وفعلاً تم ذلك فوراً...
ومن أسف، فهناك من لا يزالون من شهود أكتوبر، ومن لم يشهدوها من تقاصر تقديرهم للتحول النوعي الذي رافق تلك الثورة، وكانت حصيلته وعياً كبيراً بالحقوق والاستحقاقات. وعي لم يجد طريقه للتنفيذ، ووضعت "العصى في دواليبه" ولكن لم يذهب أدراج الرياح والدليل والشاهد الماثل أمام ناظرينا اليوم هو أن الاستحقاق الديمقراطي، "تعثر" ولم ينهزم أبداً لانه بات جزءاً من روح الأمة، وروح الأمة لم تخرج بعد.. فهي ما زالت تغني لاكتوبر الذي كان فيها كما قال شاعرنا "منذ الأزل".
******************** ********************
( 2 ) -
في احتفالية كبرى بمناسبة أكتوبر: وردي ومحمد الأمين يغنيان للوطن. ------------------------------
الخرطوم: نشأت الإمام/ تصوير: جاهورى- تحت شعار «معاً نغني للوطن» جاءت أمس الأول الليلة الاحتفالية التي جمعت بين عملاقي الغناء السوداني، د. محمد وردي والموسيقار محمد الأمين، والتي نظمتها شركة «أدفايزرس» بمناسبة ذكرى أكتوبر.
وبدا المسرح المتنقل الذي أقيم وسط استاد الهلال بادرمان، باذخاً للحد البعيد، وكذلك العربة التي تجاوز طولها الثمانية أمتار والتي قامت بايصال العملاقين إلى ذات المسرح، وهو تقليد يتم لأول مرة في السودان، أسوة بما يتم عند استقبال النجوم في العديد من الدول.
لكن كل ذلك الابهار، لم يتجاوز انبهار الجماهير -والتي تدافعت منذ وقت مبكر- لتشهد لقاء السحاب والذي جمع بين العملاقين لأول مرة في حفل كامل منذ سبعينات القرن الماضي.
ومنذ انطلاقة الحفل، أدرك الجمهور ان الأسباب التي ساقها العملاقان عندما تم تأجيل الحفل عن تاريخه المعلن في الواحد والعشرين من هذا الشهر ليصادف ذكرى أكتوبر، هي أسباب معقولة وملموسة، وهي تمثلت حينها في أن وردي وود اللمين قالا بأن هناك ضيقاً في الوقت، خاصة وأن أغنيات أكتوبر لم يتغنيا بها لوقت طويل، وتحتاج الفرقة الموسيقية الكثير من التدريب عليها، حيث أن الفرقة التي عزفتها معهم سابقاً، لم يتبق منهم إلا القليل من العازفين، لذا كان لابد من التجويد حتى تخرج الأعمال بهذه الجودة التي أتت عليها الأغنيات في الليلة.
وجاءت انطلاقة الحفل الذي شرفه الأستاذ سيد هارون وزير الثقافة بولاية الخرطوم، والأستاذ الفاتح عز الدين معتمد امدرمان، بأغنية «أهلاً صباح النور» والتي استهل بها محمد الأمين الحفل بعد «رمية» حوت مختارات من أشعار متفرقة، وتلاها بأغنية «شهر عشرة، ليأتي وردي ويغني «نشيد كرري» والذي جاء بعد «أبداً ما هنت يا سوداننا» والتي غناها وردي من قبل في احتفالات الاستقلال، واستمر وردي يغني مقاطع منتقاة من أغنياته، ولم يكن تجاوب الجمهور حينها كبيراً، حتى بدأ في غناء «شعبي الأسمر» حتى تعالت الهتافات وبدأت الأكف رحلة التصفيق المدوي، والتي تواصلت بعد ذلك مع أغنية «قطر النضال» وهي الأغنية التي كان قد غناها وردي لأول مرة وهو في الحبشة، والأغنية غنيت بنفس لحن «تعال يلا» العاطفية.
وتحدث وردي عن ثورة اكتوبر قائلاً: إن اليمين واليسار وحتى الجيش اشتركوا في ثورة أكتوبر، وأضاف: جئنا نغني اليوم لأجيال لم تشاهد أكتوبر أو تسمع أغنياتها، ثم غنى «أصبح الصبح»، والتي وقف الاستاد معها على رجليه وهو يردد خلف وردي ومحمد الأمين الذي انضم اليه في ترديد الأغنية.. ومن ثم اختتم محمد الأمين الليلة بأغنية «اكتوبر 12»..
********************* ********************* " أن الاستحقاق الديمقراطي، "تعثر" ولم ينهزم أبداً... لانه بات جزءاً من روح الأمة، وروح الأمة لم تخرج بعد.. فهي ما زالت تغني لاكتوبر الذي كان فيها كما قال شاعرنا "منذ الأزل".
عندما تدخل استاد الهلال في الزمان المحدد أمسية الجمعة الحادي والثلاثين من اكتوبر والميعاد حفل عملاقي الفن السوداني محمد وردي ومحمد الامين يستقبلك شاب تكسو وجهه ابتسامة الترحاب وبعد ان يفحص كرت الدعوة في هدوء يأذن لك بالدخول ويقول لك (امنياتي بسهرة سعيدة) وساعة وصولي الى المقصورة الرئيسية روادتني رغبة عارمة بأن اكسر الحواجز واذهب الى المدرجات الشعبية كان الجمهور يرسم لوحة زاهية وهو يتمايل على انغام اكتوبر مع وردي وود الامين.
ما اجمل حفلات الاستادات هذه ثقافة لم تشع في الخرطوم ولكنها مهمة وحيوية وضرورية ففيها متعة للفنان في الالتحام مع الجماهير وفيها متعة للجماهير في التعبير عن الفرح في الهواء الطلق بعيدا عن بروتوكولات القاعات المكيفة وتقليدية المسارح!!
كان استاد الهلال مسرحاً جديداً لالتحام الفن الجميل مع الجمهور المتعطش ، كل شيء كان مختلفا هناك العربة المميزة التي جاء بها وردي ومحمد الامين الى المسرح (روزلويس) والمسرح نفسه كان مميزا هو من نوع نفس المسارح التي شاهدتها في المهرجانات العربية يجمع بين روعة التصميم وتقنيات الاضاءة والصوت الحديثة.. مسرح يستحق ان يصعد عليه محمد الامين ليغني (شهر عشرة حبابو عشرة) ويستحق ان يصعد عليه وردي ليغني (باسمك الاخضر يا اكتوبر الارض تغني)..
كان ود الامين يمنح الغناء عافيته ويعيد بعث الاغنية الوطنية من جديد التي انزوت في ركن قصي مع طوفان الاغنيات الهابطة، وها هو محمد الامين يعيد بثها في الذكرى الرابعة والاربعين لاكتوبر الاخضر وكان وردي مبدعا وذكيا في نفس الوقت وهو ينثر مع روائعه الغنائية بعض العبارات الذكية مثل قوله ان كل التنظيمات السياسية اتفقت على اكتوبر فالاسلاميون تبنوها وعقد الترابي ندوة بخصوصها واهل اليسار قالوا انهم قدموا شهيدين فيها.. والعسكر تحدثوا عن حصارهم للفريق ابراهيم عبود. وتساءل وردي لماذا لا يحتفلون باكتوبر؟ واستشعر وردي الظرف السياسي وبدل الخرطوم بدارفور في رائعة محجوب شريف (متين تضحك سما دارفور حبيبتنا ومتين تصفا).
واكتملت روعة المشهد عندما صعد وردي ومحمد الامين الى المسرح وغنيا سوياً: أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باق واذا الفجر جناحان يرفان عليك واذا الحزن الذي كحل هاتيك المآقي فرحة نابعة من كل قلب يا بلادي.. اغنية اشعلت المدرجات بالتصفيق وتمايل معها الجميع طربا ووسط الجمهور كانت تقف جوليا وردي ملوحة بأكف الاعجاب لوالدها وبالتأكيد انها لن تحرم محمد الامين من هذه التحايا.
الحفل أكد بما لا يدع مجالا للشك ان الجمهور متعطش للفن الجميل الذي يلتصق مع قضايا المجتمع ورغم قيام مباراة في نفس التوقيت باستاد المريخ الا ان استاد الهلال شهد حضورا جماهيريا كبيرا وتبقى الساحة الفنية في انتظار مبادرات مثل هذه المبادرة الذكية التي قام بها شباب شركة (ADVISERS) وحقيقة هؤلاء شباب يستحقون الاشادة لروعة الفكرة ودقة التنفيذ، فكثيرا من الافكار تضيع في بلادي لعشوائية التنفيذ ولكن شباب (ADVISERS) اعادوا الثقة من جديد ان الغد أفضل.
في المنصة الرئيسية كان يجلس معتمد ام درمان الدكتور الفاتح عز الدين ووزير الثقافة والاعلام بولاية الخرطوم الاستاذ سيد هارون عمر، وسيدرجل يقف خلف كل الحراك الثقافي بالخرطوم ويعمل في صمت.
وقد أسهم في تذليل كافة الاجراءات الرسمية حتى خرج الحفل بالشكل المطلوب وتستحق الاجهزة الامنية بولاية الخرطوم ايضا اشادة خاصة أولا على تصديقها لهذا الحفل وثانيها على نجاحها في تنظيم الحفل ولنا ان نتخيل اذا تم إلغاء هذا الحفل ما هو الاثر السياسي الذي يمكن ان يخلفه وهذه الاجواء المريحة الان مع هذه الاصداء الايجابية ان المحك الاساسي للاجهزة الامنية يبقى ورهانها على حفظ النظام في كل الظروف، اما مظاهر الايقاف والمنع والحجب ففي عالم السماوات المفتوحة لم تعد مجدية وعلى العكس فإن اثارها سلبية جدا ومن هذا المنطلق فإن الاجهزة الامنية بولاية الخرطوم تستحق الاشادة لانها استشعرت الابعاد السياسية والامنية والفنية والاجتماعية، واحسنت تقدير الموقف.
وايضا فإن حضور الاخ معتمد ام درمان كان له بعده الايجابي ولا يمنعني اختلافي مع الدكتورالفاتح عز الدين مع اعماله وافكاره في ام درمان ان اقول له احسنت هنا!.
ان هذه المبادرة يجب ان تفتح الباب واسعا لمبادرات جديدة تحرك الساحة الفنية التي تحتاج الى تضافر الجهود الرسمية والشعبية.
ان الغزو الثقافي في الفضائيات والانترنت الذي يقدم لنا اجيالا مستلبة ثقافيا وفنيا وشباب مطربتهم المفضلة نانسي عجرم وشابات معجبات بتامر حسني يستلزم ان نقدم مشروعا ثقافيا موازيا وهنا لا ادعو لعدم الاستماع الى الاغاني العربية وانما ادعو الى تفعيل الغناء السوداني واعادة تقديم الاغنية بشكل في المسارح وتصوير اغنيات على طريقة الفيديو كليب وفتح النوافذ للافكارالمبدعة والطاقات الشبابية وتشجيعهم، واتوقع ان يقوم التلفزيون ببث هذا الحفل بعد ان يوفي الشركة المنتجة حقوقها كاملة وبهذا يكون التلفزيون قد أسهم في الحراك المطلوب في الساحة الفنية.
وارجو ان يتم البث بعد الترويج للحفل حتى يتسنى للذين لم يحضروا لاستاد الهلال ان يشاهدوا الحفل عبر شاشة تلفزيون السودان، واعتقد ان الصحافة الفنية قامت بدور ايجابي في الترويج لهذا الحفل الذي حقق نجاحا يدعو للتفاؤل بقيام مبادرات جديدة تعيد الصحو للساحة الفنية.
11-04-2008, 10:54 PM
altahir_2 altahir_2
تاريخ التسجيل: 11-17-2002
مجموع المشاركات: 3949
مع كامل تقديرى للاستاذ بكرى الصايغ على كل ما قدمه اقول انه تاريخ ناقص ومقصرومبتور فى حق اعلام كبار شاركوا فى صنع هذه الثورة اعدادا وتظاهرا ونضالا واعتقال الا ان التاريخ المزيف لم يذكرهم فقط لانهم غير شيوعيين او طائفيين . واود ان اسالك فقط ثلاث او اربعة اسئلة. من الذى افتتح سلسلة الندوات بجامعة الخرطوم حول قضية الجنوب التى كانت الشرارة لثورة اكتوبر المجيدة؟ من الذى اقترح تنفيذ الاضراب السياسي والعصيان المدنى فى مكتب نقابة المحامين ؟ من الذى جمع توقيعات القضاة والمحامون السودانيون لتنفيذ الاضراب رغم حظر التجول؟ من الذى هتف الى الثكنات يا عساكر فى ليلة المتاريس والتى كان الترابى والصادق المهدى يحاولون فيها المتظاهرين للتفرغ بهدؤ ومن ثم تبعة الاخرون بالهتاف وواصلوا التظاهر؟ وهذا فيض من غيض. ضياء الدين ميرغنى
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة