|
|
Re: تقرير لجنة التحقيق الإداري في حوادث الجنوب 1955< (Re: Gaafar Ismail)
|
مقـدمة: ربما يكون من المفيد للقارئ أن يعرف شيئا عن جغرافية ومواصلات وتاريخ وسكان الجزء من القطر الذي يتناوله هذا التقرير وقد قصدنا بما يلي أن نعطي صورة موجزة تحقق ذلك. 1- إن السودان الجنوبي رقعة واسعة من الأرض تبلغ مساحتها ما يربو على ربع مليون ميل مربع وتقع جنوب خط عرض 10 شمالا وتمتد إلى خط عرض4 .وتختلف النباتات فيها باختلاف الأمطار التي يتراوح مقياسها بين 30 و60 بوصة في السنة. وكلما توغلت جنوبا تتكاثف الغابات كطبيعة الأراضي الاستوائية. ويجري النيل الأبيض وسط هذه الرقعة ، ويطلق عليه اسم بحر الجبل قبل وصوله لبحيرة "نو". وهنالك هضبة غرب بحر الجبل تتخللها بعض الجبال. ويتكون الجزء الجنوبي الشرقي من سلاسل جبال ضخمة هي الأماتونق والدنقوتونا واللافيت.وتوجد في جنوب ملكال مستنقعات كبيرة عاقت سير الملاحة في بعض الأزمان. ويحد جنوب السودان من الجهة الجنوبية الكنغو البلجيكي ويوغندة وكينيا ومن الجهة الشرقية إثيوبيا ومن الجهة الغربية إفريقيا الاستوائية الفرنسية. 2- تختلف طرق المواصلات في جنوب السودان باختلاف الجهات. ففي مديرية أعالي النيل، إذا استثنينا الأنهار الصالحة للملاحة، فإنه من المتعذر استعمال العربات لمدة تقرب من التسعة أشهر في السنة. ويصلح نهر سوباط للملاحة في الفترة ما بين يونيو وفبراير. أما نهر بيبور أسفل أكوبو فيصلح للملاحة من يونيو إلى يناير ومن نقطة بيبور إلى أكوبو فإن الملاحة ممكنة من سبتمبر إلى أكتوبر. ويصلح نهر بارو أسفل جمبيلا للملاحة من يونيو إلى أكتوبر. وليست مديرية بحر الغزال بأصلح حالا من أعالي النيل فإذا استثنينا طريق العربات الصالح للاستعمال طول السنة بين واو وجوبا فإن النهرين الوحيدين الصالحين للملاحة هما نهر الجور أسفل واو من أغسطس إلى أكتوبر وبحر الغزال من مشروع الرق إلى وانق كاي من أغسطس إلى إبريل. أما المديرية الاستوائية فإن بها طرقا للعربات صالحة للاستعمال طول العام تربط مراكزها ببعضها البعض . وتنظم الخطوط الجوية السودانية سفريات جوية مرتين في الأسبوع لجوبا وملكال ومرة واحدة لواو. وفيما عدا ذلك فإن السفريات العادية بين شمال السودان وجنوبه تقوم بها البواخر النيلية. ويمكن السفر عن طريق البر لمدة ثلاثة أشهر في السنة عن طريق مديرية دارفور في الغرب أو جنوبا إلى ملكال وجوبا وقل ما تستعمل هذه الطرق البرية. 3- تسكن جنوب السودان قبائل شتى من الزنوج، ففي مديرية أعالي النيل وجزء كبير من مديرية بحر الغزال ينتمي أغلبية السكان إلى أحدى القبائل الثلاث الشهيرة : الدينكا ، النوير والشلك ويطلق علماء الأجناس على هذه القبائل اسم القبائل النيلية. يوجد في المديرية الاستوائية ما لا يقل عن أربعين قبيلة لكل منها تقاليدها وعاداتها ومعتقداتها الخاصة وأكثرها عددا الزاندي والباريا. ويتحدثون بلغات ولهجات مختلفة وتتفاهم هذه القبائل مع بعضها البعض بنوع من اللغة العربية الركيكة. وقد باءت المحاولات التي بذلت لجعل اللغة الإنجليزية أو اللغات الأخرى كوسيلة للتفاهم بين هذه القبائل المختلفة بالفشل. إن أثر الحضارة عربية كانت أو أوربية على سكان جنوب السودان ضئيل جدا وخاصة القبائل النيلية التي تقطن مديريتي أعالي النيل وبحر الغزال وذلك نسبة لطبيعة بلادهم ووضعهم الجغرافي وهم لذلك من أكثر سكان العالم تأخرا وشديدو التمسك بخصالهم وقوانينهم وتقاليدهم وعاداتهم القبلية. وهم أيضا شديدو المحافظة وغير سريعي التأثر بالمؤثرات الخارجية. وتشتهر القبائل النيلية بأن لها صفة المحاربين. وكانت الغزوات القبلية فيما مضى كثيرة تشنها القبائل القوية على الضعيفة. وقد وقفت هذه الحروب القبلية في الوقت الحاضر ولكن خطر تكرارها ما زال موجودا وأن السلطات متيقظة دائما لتفادي حدوثها. وللقبائل النيلية عدد كبير من الأبقار كما تملك قبائل شرق الاستوائية قليلا منها وتقوم بزراعة الذرة للغذاء. أما سكان غرب الإستوائية فليست لديهم ماشية وذلك نسبة لتواجد ذبابة مرض النوم. 4- لا يعرف عن تاريخ جنوب السودان قبيل سنة 1820م إلا النذر اليسير. ولكن بعد سنة 1850م ابتدأ كثير من الأوروبيين رحلاتهم لاكتشاف منابع النيل. وقد حاول المصريون أن يمدوا نفوذهم جنوبا بإنشاء نقاط على النيل حتى البحيرات الكبرى. وقد استعان خديوي مصر بخدمات كثير من الأوروبيين لتحقيق هذا الهدف وعين بعضهم كمديرين للاستوائية. وتعرف الحقبة التي سبقت 1885م بالتركية والحقبة بين 1850 وسنة 1898 بالمهدية.واشتهرت هاتان الحقبتان فيما يختص بجنوب السودان بغارات جلب الرقيق التي قام بها السودانيون الشماليون والمصريون. وقد بلغت تجارة الرقيق ذروتها في عهد الزبير باشا وابنه سليمان اللذين كانا بمثابة حكام بحر الغزال الأصليين. وقد نجم عن تجارة الرقيق هذه شعور كراهية شديدة للشماليين وخوف منهم. وقد استمر هذا الشعور لسوء الحظ حتى الوقت الحاضر. وقد وقفت تجارة الرقيق بعد الفتح المصري الإنجليزي في سنة 1898م. وسنبين مدى الأثر الذي لعبته هذه الحقبة التاريخية – إن كان ثمة أثر لها – في الاضطرابات التي حدثت في الجنوب فيما يلي من التقرير.
سأواصل إن شاء الله.
| |

|
|
|
|