الآن ....!!
اوباما .. الظاهرة والتحدي
د. احمد الأمين البشير
albashir2@hotmail.com
تحدثنا في المقالة السابقة عن الديمقراطية الامريكية وصلتها بالعلاقات الامريكية السودانية المتوترة ونعود اليوم للتعمق اكثر في الموضوع ونبدا بتلخيص الفقرة الاولى مع تعديلات يقتضيها السياق :
تبقى الديمقراطية الغربية في جوهرها، رغم مثاليتها في التطبيق، هي الاحسن والاقوى من بين انظمة الحكم التي عرفتها البشرية خاصة بعد انهيار الانظمة الشمولية الفاشية والنازية بنهاية الحرب العالمية الثانية (1945) والشيوعية في الاتحاد السوفيتي بنهاية الحرب الباردة (1989م) وذلك اولا لنزوع النفس البشرية للحرية وثانيا لضغوط الديمقراطية والرأسمالية الغربية المزدهرة وثالثا لتناقضات تلك الانظمة الداخلية. الذي يهمنا هنا هو بقاء الديمقراطية وازدهارها ولعل من اهم اسباب ذلك ما تحمله في جنباتها من قوى ومقدرات تصحيحية ،على رأسها الشفافية وحرية الرأى والعقيدة والمساواة امام القانون واهم من كل ذلك حق اختيار الحكام على جميع المستويات في انتخابات حرة نزيهة راتبة يعرف المواطنون مقدما وعبر دستور مكتوب مواعيدها والفترة المسموح بها لبقاء رئيس في الحكم، يتم بعدها تبادل السلطة طواعية دون توريث او تمديد مهما كانت الاسباب ، مثلا في الولايات المتحدة عندما يكون الرئيس المنتخب الجديد يؤدي القسم امام رئيس المحكمة العليا في الكونغرس يبدأ الرئيس السابق في مغادرة البيت الابيض مع اسرته دون جلبة او ضوضاء او مظاهرات احتجاج او تأييد. قواعد اللعبة واضحة ومعلومة و(يهبل) نفسه من يحاول العبث بتقاليدها او لوائحها.وما كان لاوباما اليتيم، ذى الاسم الغريب، غير الابيض ومتعدد الثقافات والاعراق ان يصبح مرشح الحزب الديمقراطي العتيد للانتخابات الرئاسية لعام 2008 رغم وجود العقبات امامه والتي تغلب عليها بالتصميم والتعليم في ارقى الجامعات والكاريزما مع حسن الحظ ودراسة واستيعاب قواعد اللعبة السياسية الديمقراطية الامريكية خاصة التحالفات والمرونة داخل الاجهزة التشريعية التي عمل بها مستفيدا من خبرة المنظمات اليهودية . رفع اوباما شعار التغيير في حين رفع غريمه الجمهوري الابيض جون ماكين شعار الاستمرارية. نفهم جيدا ان يرفع اوباما بمباركة حزبه شعار التغيير إذ ان حزبه الديمقراطي ظل بعيدا عن الحكم لفترة ثمانية اعوام حسوما حدثت خلالها تطورات هامة في سياسة الولايات المتحدة الخارجية وعلى رأسها حرب العراق التي تعارض اغلب دول العالم بها فيها الولايات المتحدة مبرراتها ومساراتها واخلاقياتها (سجن ابي غريب) وتكاليفها التي تكاد هذه الايام ان تعصف بالاقتصاد الامريكي وبالتالي العالمي. اذن اختيار اوباما الشاب شعار التغيير البراق في هذه الظروف اختيار موفق لاسباب شخصية واثنية وحزبية وامريكية ، اما اختيار جون ماكين لشعار الاستمرارية فهو بدوره لا يخلو من ذكاء وحنكة ومعرفة بنفسية الاغلبية الامريكية البيضاء فالولايات المتحدة الدولة الاعظم والقطب الاوحد متورطة حتى اذنيها في حروب ضروس قد تخسرها ان انسحبت ولن تكسبها ان بقيت وهي حروب لها ابعاد حضارية الانسحاب منها يعني الاعتراف بالهزيمة وخطل كل ما ظلت تقف من اجله خاصة بعد نجاح الصين الداوي في تنظيم واخراج اولمبياد خلاب ناجح بكل المقاييس ولذلك صلة وثيقة بأزمة دارفور، وكان تحالف "انقذوا دارفور" والمحافظون الجدد قد حشدوا كل طاقاتهم وكل جيشهم وكيدهم لافشاله وهذا موضوع سنعود اليه لاحقا ، وخاصة كذلك، بعد بروز روسيا كطائر الفنيق من تحت رماد الاتحاد السوفيتي البائد متحدية قوية وغنية ببترولها وغازها الطبيعي ورافضة (للحقرة) والافتئات الأوروبي الامريكي، وقد ينعكس ذلك في مواقفها داخل مجلس الامن خاصة في بعض المشاكل الشائكة كدارفور. قد يحدث هذا السيناريو بكل تفاصيله التي اوردنا وقد لا يحدث لنترك ذلك للظروف ولنغوص اعمق في تفكيك شعاري التغيير لاوباما والاستمرارية لماكين وامكانية تحقيقهما في بلد كالولايات المتحدة، القطب الاوحد في مجالي السياسة الداخلية والخارجية ، خاصة فيما يتصل بالشأن السوداني الذي تضافرت جهود جميع ابنائه لتجعله شأنا امريكيا خالصا يتساوي في ذلك الشماليون والجنوبيون والدارفوريون والتقليديون . فالمعروف عن الولايات المتحدة انها تنزع نحو البراغماتية لتحقيق مصالحها وتلتحف المثالية فيما يتصل بالتعامل مع الاخرين بمعنى آخر انها تضع مصالحها ومصالح حلفائها اولا دون مداراة او خجل (ولنضرب مثلا بالمحكمة الجنائية الدولية) حتى وان عنى ذلك التضحية بالاخلاق والقوانين ولكنها تشهر سلاح المثاليات كالديمقراطية وحقوق الانسان والمساواة عندما يتعامل الاخرون معها ومع حلفائها ولا يعتريها في ذلك ادنى خجل او تردد بحسبان ان ما هو خير للولايات المتحدة هو في نهاية الامر خير للآخرين لانها هي القدوة والاحسن وهي لم تصل الى ما وصلت اليه الا بسبب تفوق نظامها اخلاقيا وتقنيا وعلميا واقتصاديا. وهذا الموقف نابع من صميم الفلسفة البراغماتية فاندثار الانظمة السياسية الاخرى كالفاشية والنازية والشيوعية ما هو الا الدليل الدامغ على صواب ذلك، وهذا تفسير يجد فيه الامريكي المسيحي المؤمن مشيئة الله وارادته مجتمعتين ويرى فيه الامريكي العلماني عزيمة وتفوق الانسان الامريكي خاصة الابيض. ولا يفوتنا ان نضيف هنا ان للسياسة الخارجية الامريكية بعد آخر وهو تذبذبها بين العزلة المقصودة عن العالم ومشاكله وبين الانفتاح عليه، هذا التذبذب الانتهازي في طريقه الآن الى الانقراض بعد نهاية الحرب الباردة واستفحال امر العولمة فالولايات المتحدة تهيمن على مجلس الامن وسفراؤها ومبعوثوها الخاصون منتشرون في كل مكان خاصة في بلاد مفصلية كالسودان . ووضع السودان وضع فريد ففي الخرطوم سفارة امريكية وفي جوبا قنصلية امريكية وفي واشنطن سفارة على رأسها سفير جنوبي بالاحتكار للمنصب ومكتب لحكومة جنوب السودان ليس فيه شمالي واحد بالاحتكار كذلك ويرد واشنطن حكام وسياسيو الجنوب ومتمردو دارفور حيث تفرش لهم البسط الحمراء وتفتح لهم الاحضان الناعمة السوداء في حين توضع العراقيل امام المسئولين الشماليين وتتجهم الوجوه عند لقائهم.
الانتخابات الامريكية ستجري في مواعيدها المحددة دون شك وسيتم الاختيار بين اوباما بشعاره التغيير وجون ماكين بشعاره الاستمرارية هذا اذا لم تحدث مفاجأة غير سارة كموت احدهما او اغتياله وكلا الاحتمالين وارد. في العادة تنتهي الانتخابات الرئاسية بضجيجها وتكاليفها الباهظة في الولايات المتحدة وتنسى تدريجيا شعارات ووعود الحملة الانتخابية وتعود الامور الى حالتها في نطاق الخطوط الحمراء التقليدية للامبرارية الامريكيه الا فيما ندر ولكن الانتخابات الرئاسية هذه المرة مختلفة تماما اذ لم يصل من قبل مرشح غير ابيض الى المباراة قبل النهائية رافعا شعار التغيير وسواء فاز اوباما بالرئاسة او لم يفز فلن يتمكن منافسه الجمهوري من تجاهل شعاره او اتباعه ، ولا ننسى ان اوباما قد فاز في المباراة النهائية للحزب الديمقراطي على هيلاري كلنتون ذات الشعارات الليبرالية خاصة بين النساء. لا يستطيع جون ماكين ان فاز تجاهل عاملي العرق والجندر بل لا يستطيع الحزب الديمقراطي نفسه تجاهل هذين العاملين الديناماكيين. اما اوباما ان عاش وان فاز فسيطالب بدفع الاستحقاقات . واذا كان 17% من الناخبين الامريكيين حسب اخر الاستطلاعات يضعون مشكلة دارفور التي تصورها وسائل الاعلام كحملة ابادة عرقية من جانب العناصر العربية ضد القبائل الافريقية الى جانب بما في ذلك اغتصاب النساء الافريقيات كما يشائون
شئنا ام ابينا، ستكون دارفور الامريكية بالتجنس والحاصلة على كل حقوق المواطنة تماما كشقيقتها الكبرى المدللة حكومة جنوب السودان وحصلت مثلهاعلى النسية الامريكيه للتجنيس على العديد من الوعود المعلنة وغير المعلنة من المرشحين ومجموعات الضغط الثلاث الصهيونية والمسيحية التبشيرية وكتلة النواب السود في الكونغرس ومجموعات النساء فمن الأكيد ان مسألة السودان المزمنة جديد اكثر عنفوانا ان لم يشمل الله سبحانه وتعالى السودان بعنايته وما ذلك بكثير عليه جلت حكمته.كل ذلك يدفعنا في هذه الحلقة من كتابنا (اوباما .. الظاهرة والتحدي) لاثارة سؤالين الاول : ماذا سيحدث للعلاقات الامريكية السودانية المتوترة بعد الانتخابات وبداية الرئاسة الامريكية الجديدة في مطلع عام 2009م نفس العام الذي اختيرت نهايته للانتخابات في السودان وقد بدأت منذ الآن تكهنات بتأجيلها من الشريكين ، وضغوط امريكية لاجرائها في المواعيد المضمنة في بروتوكولات نيفاشا ؟ والثاني : ماذا اعددنا نحن كسوادنيين حكومة وشعبا لذلك هل ثمة من فتى متنفذ (يدق) صدره ويرفع شعار التغيير او شعار الاستمرارية في العلاقات الامريكية السودانية المتوترة.
السؤال الثاني : موجه لحكومة الوحدة الوطنية ولحكومة الانقاذ او ان شئنا التدقيق الى حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية بعد ان تعددت خطاباتهم ووفودهم ودرجة حرارة استقبالهم في واشنطن التي سيصبح لها رئيس جديد يرفع احد شعارين : التغيير او الاستمرارية.والسؤال هو كيف سيتعاماون مع الرئس الجديد وشعاره ؟.....
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة