شعب خيِّر لا يستاهل إلا الخير 2/4
القرية (13)
الفاضل إحيمر/ أوتاوا
كما ذكرتُ في مقالي الأول فإن الغرض من سلسلة مقالاتي هذه هو أن أبرز، في هذا الزمن العجيب، أننا كنا و يجب أن نسعى لأن نكون دائماً و رغم كل شيء شـــعباً خيِّراً طيباً كريماً و نبيلاً لا يستاهل ولا يستحق إلا الخير و بغيرِ ذلك يجب أن لا يرضى أو يقبل. كان المقـــال الأول عن تجربةٍ مررت بها أنا و المئات من المسافرين غيرى حينما أرغم هطول أمطار غزيرة قطاراً كنا نستغله على التوقف بمحطة مارنجان فتكفَّل أهل تلك المحطة، و جلُّهم من البسطاء محدودي الدخل، بإطعام ذلك القطار بأسره في كرم و اريحية وشهامة نادرة و لوجه الله و بلا منٍ أذى و دون أن يرجوا لقاء ذلك جزاءا أو شكورا.
كانت التجربة الثانية في فصل الخريف أيضاً، غير بعيدٍ عن مارنجان وبمنطقة البطانة التي بينها و بين الأمطار و الغيم و الدعاش عشق سرمدي و ود لا ينقطع. كنت متوجهاً إلى كسلا برفقة جدتي رحمها الله على ظهر واحد من تلك البصات التي تكون في الأصل لواري يتمَّ تحويلها إلى بصات سفرية و التي يُعرف عنها أنها "تخرِّم" من الشارع الرئيسي ولا تلتزم بخط سير ثابت أو جدول زمني معين غير الذي يراه السائق. على الرغم من أن الوقت كان خريفا،ً و ليس أجمل من الخريف في البطانة، فقد سارت الرحلة بصورة عادية و لم نكترث كثيراً أن وجدنا أنفسنا في مدينة حلفا الجديدة التي توقف بها السائق لساعاتٍ طوال لا اذكر عددها و لأسبابٍ لم اسع لمعرفتها فقد كنت سعيداً أن اتيحت لي فرصة رؤية مدينة حلفا الجديدة و المقارنة بينها و بين صور رأيتها لمدينة حلفا القديمة و أيقنت أنه ليس هنالك وجه للمقارنة أو سبيل، و أرجو مخلصاً أن يكون الحال قد تبدل الآن .... نحو الأحسن.
و الشمس تميل إلى الغروب تحرك بصنا متجهاً إلى كسلا بأمل أن يسبق السحب التي كانت تتلبد في الأفق و أن يهزم الرعود التي كانت تزمجر من حولنا فيصل "التاكا" بعد ثلاث أو اربع سـاعات لا أكثر. لم نهتم أو نغتم نحن لذلك فقد كنا تحت التأثير القوي لرائحة الدعاش المختلطة برائحة تربة أفرحها القطر و نفحات من "أريج" معاطن الإبل، و لعمري تلك خلطة ذات سحر لا يقاوم تحدث في المشاعر خدراً في تلذذٍ له نستسلم. لم يمض وقت طويل قبل أن أن أمطاراً غزيرة قد هطلت في منطقة علينا إجتيازها قبل وصول رحلتنا نهايتها و أن هطولها لا يزال مستمراً و قد أكدََ ذلك سائقو سيارات كانت تمضي في الإتجاه المعاكس استوقفهم سائق بصنا و استفسرهم في قلق بادي عن الطريق أمامنا. و كأنما السائق يشعر بحرج تجاه عرقلته برنامج رحلتنا أو تأخيره لنا أو أنه يريد أن يثبت لنا أنه قام بعمــل كل ما هو ممكن لتعويضنا عن ذلك، واصل السير غير أنه لم يمض بعيداً قبل أن يكون سيره خوضاً او مخراً فوق بحر ممتد يغطي جل المدى أمامنا أو تزحلقاً فوق تربة البطانة الرخوة الشديدة اللزوجــة حينما تبتل. توحل البص مــرة و ثلنية و ثالثة و رابعة و السائق يمني نفسه دون طائل بأن يخرج من تلك المنطقـة إلا أن وميض البرق الذي لم يكن ينقطع و انعكاسه على مياه تغطي على مد البصر المساحات الشاسعة التي أمامنا أقنعه بأن مواصلة السير هي عين المستحيل و أنها سوف تكون ضرباً من الحماقــة و المغامرة و المقامرة غير مأمـــونة العواقب في بصٍ به عدد من النســــاء و الأطفال و المسنين. إقترح السائق أن نعود ألى أقرب منطقة سكنية بها بعض الخدمـات و أن نمكث بها حتى الصباح، و قد عرفنا لاحقاً أن تلك المنطقة السكنية هي القرية (13) من قرى حلفا الجديدة.
كان توقفنا بطرف القرية و بالقرب من كشكين أو ثلاث لعلهما كانا سوق القرية أو موقفاً للبصات العابرة، و دون إعتراض من كائن من كان و كانما هو أمر بديهي و فرضية يمليها أتفاق غير مكتوب و عقد إجتماعي لا يناقش أو ينقض، أقر الجميع أن نترك البص للنساء و الأطفال و أن يبيت الرجال خارجه كيفما أتفق.
غير أن أهل القرية كان لهم رأي آخر و كأنما ناداهم منادي تقاطروا فرادى ثم جماعات نحو بصنا و مرة ثانية و كأنما الأمر لا يحتاج لنقاش أو أنه التصرف الوحيد المقبول في مثل تلك الحالات قضوا بأن يذهب النسـاء و الأطفال إلى البيوت و يمضون بها ليلتهم، فللنساء إحتياحاتهن، كما ذكروا، و أنه بإمكان من يشاء من الرجال أن يمضي ليلته بالقرب من البص أو داخله، و لو كان في بيوتهم متســع لكانوا قد قضوا بغير ذلك و ما اكرههم عليه، على استحياء، سوى ضيق منازلهم فقد كان معظمها من غرفتين إثنتين لا أكثر. لم يترك الرجالُ الرجالَ للبرد و المبيت فوق أرض رطبة ومبتلة فقد أحضــروا من البروش و أبسطة البلاستيك و الوسائد و الأغطية ما كفى و فاض فنمنا قريري الأعين هانئين دافئين بعد أن تجاذبنا مع من شاركنا من أهل القرية المبيت على الأرض الحديث حول ظروفهم الجديدة و كانت أحاديثهم تفيض شجناً و أســى و تتقطر حسرات و لوعة.
أصبح الصبح و قد فتحنا أعيننا على عدد كبير من الصواني الشديدة الأناقة و النظافة المغطاة بقطع خاصة من القماش "فوض" و في كلٍ منها شاي و لبن و فطير أو قراصة أو لقيمات أو بسكويت أُحضرت من كل بيت في القرية. و مهما نسيت فلست أنسى أنه حتى من البيوت التي كان الرجال فيها غائبون بسبب السفر أو العمل حرص النساء على أن يقمن بما رأين أنه الواجب فكانت السيدة تحضر ما أعدت و تقف في حياء و خفر أمام بيتها بأنتظـارمن يحمله إلى حيث كنا و كان جلهن يرتدي العباءءة التي عرف بها أخواتنا الحلفاويات قبل أن تُرتدى العباءة كرهاً أو تصير زياً سـياسياً أو أيدلوجياً أو تصير متاع دنيا و رياءا و بعضــــاً من عــدة النصب و الإحتيال أو ضرورات الشغل …….. و لا أظلم كل العباءآت.
لا أعرف كم كوباً من الشاي شرب كل منا فحينما تكون محاطاً بمجموعة من الحلفاويين بخفة دمهم و لكنتهم المحببة و ظرفهم و ذكائهم فلن تستطيع إلا أن تشرب و تشرب و لحسن الحظ كان شربنا ضحى و كان المشروب مُسكَّراً و ليس "مُسكِراً" (بفتح الكاف و ليس كسرها) و كان مع التمر و ليس منه.
بعد أن شربنا هنيئاً و أكلنا مريئاً كنا على استعداد لأن نغادر و أن نحمل بصنا إلى كسلا لا أن يحملنا. و على الرغم من أن من حولنا من اماجد كرام و افاضل أصروا أن نبقى حتى يستوي النهار و تجف الأرض فقد أوضحنا لهم أنه علينا أن نحاول حظوظنا و أن نواصل رحلتنا، و قبل أن نغادر كانوا قد جهزوا جراراً "تراكتراً" رافقنا و مركبات أخرى كانت ماضية في ذات إتجاهنا إلى أن اجتزنا المنطقة الوعرة.
مرة ثانية، كان في بصنا "إساقة" و "رياك" و "ســــاتي" و "أدروب" و "عدلان" و "ابرهيت" و "مُصلح" و "راميش" و كان فيه الملتحى و المخنفس، الموظف و التاجر و العامل و ربما العاطل، من يحمل "سامنسونايت" مليئة بالدولارات و من كان كل متاعه "حقة" بقيت بها سفتان جاد قبل لحظات بواحد منهما لرفيق درب و "ود عماري"، من هو متحزب أو متعاطف مع حزب و من لا يعرف ما هي الأحزاب أصلاً و لم يكن كل ذلك يهم اهل تلك القرية الرائع أهلها في شيئ فقد كان كلٌ منا في نظرهم إنساناً و كفىو كان في حاجةٍ لبعض العون فطغت إنسانيتهم على كل عامـل سواها فسَخَوا و جادوا بما استطاعوا لكل من كان هناك بلا استثناء أو تمييز، و قمة السخاء و الجود هو ما يجيء من منطلقات إنسانية و ما تقدمه لإنسان لا تعرفه و تكاد أن تجزم بأنك لن تراه مرة أخرى.
غادرت تلك القرية و أنا اكثر محبة للحلفاويين و للرقم (13) و قناعة بأننا لو تركنا لحالنا و على سجيتنا و تعاملنا بما هو راسخ في دواخلنا و تحت القشور و الأصباغ و المسوح التي فرضت علينا و الحلل المسخ التي ألبسنا إياها زمن قبيح لظللنا ذلك الشعب المتسامح المترابط الكريم الأصيل الطيب المجبول على الخير و على التسامي فوق الإختلافات الشكلية و الفروقات المظهرية و الذي تغلب إنسانيته و حبه للخير على كل خلة سواها و لتفادينا الكثير مما باعـد بيننا و أحال الود صداً و الوئام خصاماً و لداً.
و أنا أذكر بالخير أولئك النفر الكريم من أهل القرية (13) و أدعو بالخير للأحياء منهم و الأموات أقول لنفسي و للذين حولي، "إن أهلنا شعب خيِّر و لا يستاهل إلا كل الخير."
و نواصل.....
الفاضل إحيمر/ أوتاوا
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة