|
|
Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55 |
|
إتهام البشير تأجيل أم تسويف ؟! الصادق حمدين
ما تقوم به فرنسا نيكولا ساركوزي هذه الأيام من تحركات سياسية تتضمن وعدا مشروطا بتعليق مذكرة توقيف الجنرال عمر حسن أحمد البشير وذلك باستنادها لنص المادة 16 من قانون روما الأساسي لسنة 1998 المكون لمحكمة الجنايات الدولية والتي تقرأ ( لا يجوز البدأ أو المضي في تحقيق أو مقاضاة بموجب هذا النظام الأساسي لمدة أثني عشر شهرا بناء علي طلب من مجلس الأمن إلي المحكمة بهذا المعني يتضمنه قرار يصدر عن المجلس بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، ويجوز للمجلس تجديد هذا الطلب بالشروط ذاتها ) . بالرغم من أن تحركات فرنسا وموقفها من قضية إتهام البشير ليس بجديد فقد قامت فرنسا ساركوزي بهذا الطرح منذ بدايات أزمة نظام الخرطوم مع محكمة الجنايات الدولية وجاء رفض النظام وقتها قاطعا لهذه المقترحات بل اعتبرها النظام طُعما للإيقاع به في مصيدة العدالة الدولية ولم تسلم فرنسا من أقذع العبارات التي تخطت العرف الدبلوماسي المتعارف عليه دوليا ، سبقت تلك المحاولة المبادرة الفرنسية – البريطانية حول دارفور بمناسبة لقاء رئيس الجمهورية الفرنسية نيكولا ساركوزي مع رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون في 20/يوليو 2007 والتي تمحورت حول أربعة نقاط أساسية لحل قضية دارفور إلا أن النظام كعادته وضع هذه الحلول في إطار نظرية المؤامرة وهرب إلي الأمام ينشد حلولا بطريقته هو لا بالطريقة التي يراها الآخرون لحل قضية دارفور . الملاحظ لنص المادة 16 من نظام روما الأساسي يجد أن نطاق تطبيقها يتم داخل مجلس الأمن وبموافقة كل الأعضاء المكونين له ولا يكفي أن تكون لدولة عضوا فيه رؤية سياسية مختلفة للحل حتى يتم تطبيقها بطريقة آلية ، فرنسا وضعت شروطها للنظام لمناقشة تطبيق البند السادس عشر من قانون المحكمة الجنائية الدولية لتأجيل الإتهام بحق عمر البشير لمدة عام قابلة للتجديد ، وسؤالنا الذي نري فيه وجاهة بفرض قبول حكومة المؤتمر الوطني لهذه الشروط ، هل استوفي النظام شروط المادة 16 نفسها حتى يتم تطبيقها بتعليق إتهام البشير ؟ أتي الحديث عن المادة السادسة عشر " إشارة إلي طلب الإتحاد الإفريقي أن يتحرك المجلس بشأن توصية أوكامبو بتوجيه الإتهام بحق البشير " وطلب كل من ليبيا وجنوب إفريقيا مدعومتين من الصين وروسيا مجلس الأمن بتضمين فقرة تجميد مذكرة توقيف البشير في مسودة قرار المجلس ، وأخيرا المبادرة القطرية ومدخلها للحل هو أن تجري محاكمات " عادلة " لكل من ارتكب جرائم بدارفور وكل تلك المحاولات والمبادرات أسها المشترك هو السلام في دارفور أو بمعني آخر السلام أولا ولم توضح لنا تلك المبادرات ما الذي يمنع من أن يسير تحقيق السلام وإقرار العدالة جنبا إلي جنب طالما أن هناك إتهام ومتهمين وجرائم لم ينكرها أحد وأين هو السلام في دارفور حتى يتم إعطاء البشير فرصة لحفظه أو صناعته أو حتى محاولة جادة لإحيائه ؟ إذا كان المعني بذلك اتفاقية " أبوجا " فإنها لم تخرج من غرفة العناية المشددة منذ التوقيع عليها وحتى موتها السريري داخل غرف قصر غردون باشا إلي أن توقفت كل أعضاءها الحيوية وفارقت الحياة وذلك بترك من وقع عليها القصر وذهابه غاضبا حيث أتي وهي الآن جثة هامدة في انتظار مراسم الدفن ، أما إتفاقية نيفاشا والتي عُرفت بإتفاقية السلام الشامل ولم نر للسلام شمولا منذ توقيعها وحتى هذه اللحظة وماذا يفيد الشعب السوداني شمولها والموت بأشكاله المختلفة لم يتوقف لحظة حتى بين طرفيها ، فذهاب البشير أو بقاءه لا علاقة له بإنفاذ هذه الاتفاقية فالضمانة الوحيدة لها هو ما جاء بها من بنود فغياب د. جون قرنق لم يلغ بندا واحدا منها وهو أحد قطبيها فلماذا تتأثر نيفاشا بذهاب البشير ؟ وهل تُوضع الاتفاقيات بافتراض خلود موقعيها ؟! أما تلك الاتفاقيات التي تمت نتيجة للعلاقات السرية بين طرفيها " المؤتمر الوطني وآخرين " فقد أًجهضت وهي جنينا في طور التكوين وذلك لغياب عنصر الإشهار فيها فدخل أطرافها بيت طاعة الإنقاذ وهم مجبرون ، كل تلك الإتفاقيات التي حملت اسم " السلام " كانت نتيجة لحروب دامية حامل لواءها كان هذا النظام وعلي رأسه عمر البشير المطلوب دوليا الآن ، فهل المجتمع الدولي علي استعداد لمنحه فرصة أخري ليرتكب مزيدا من المآسي بحق شعب يحكمه غصبا ؟! وما الحروب الطاحنة التي شهدتها دارفور بعد وضع مدعي محكمة الجنايات الدولية مذكرته أمام القضاة لتوقيف عمر البشير وتحريك النظام لآلته الإعلامية ووصفه لثوار دارفور بقاطعي الطرق واللصوص حتى يبرر حربه ضدهم ، ومجزرة معسكر كلمة الرهيبة ، والإعتقالات العشوائية التي تتم بحق أبناء إقليم دارفور ، ومسرحية إختطاف الطائرة التابعة " لصن أير " في رحلة إيابها من نيالا إلي الخرطوم والطريقة المكشوفة لتشويه نضال ح ت س بقيادة عبد الواحد بزعم أن الخاطفين يتبعون له ، وآخر المسرحيات الإنقاذية هي عملية إختطاف السياح الغربيين ومازال عرضها قائما حتى اللحظة ولم ينجل الموقف حتى إنبري في تبرع يحسد عليه المتحدث باسم الخارجية السودانية وأشار بإصبع الإتهام ونسب تلك العملية لإحدى حركات دارفور المسلحة والغرض من هذه العملية هو الفدية " باليورو " كما جاء بتصريحه مع إن العملية تمت بالتراب المصري ، ونحن بدورنا نتساءل في هذه النقطة لماذا يتكبد ثوار دارفور كل تلك المشاق للذهاب لمصر والمعروفة بقوة أمنها والقيام بهذه العملية ؟ هل خلت كل من دولة تشاد وإفريقيا الوسطي أو حتى الكاميرون من الرعايا الأجانب والسياح وهي الدول الأقرب جغرافيا والأكثر ثغرات أمنيا لمسرح العمليات بدارفور ؟! أم إن الأمر كله لا يخلو من " سلبطة " سياسية ؟! والنقطة الثانية إذا كان المقصود من هذه العملية هو الفدية فهذه الحركات لها مقدرة الوصول لاي جهة في السودان ولم نسمع يوما بعمليات سطو قامت بها إحدى هذه الحركات ولم يقل أحد أن من أهداف عملية الذراع الطويلة السطو علي بنك السودان بما فيه من عملات مختلفة السهلة منها والصعبة وما بينهما ، هذه هي بعض الخطوات الصبيانية لمستقبل سلام سيرعاه البشير ونظامه الذي وضع كل الشعب السوداني في ظروف أدت وستؤدي بمن بقي منهم إلي التهلكة لا محالة ، فالأمر لم يعد أمر دارفور فقط وإن كان القيد الزمني " الجرائم التي حدثت بعد عام 2002 " الذي حدده قانون المحكمة الجنائية الدولية مجال مكان تطبيقه دارفور فقواعد الإنصاف والعدالة والوجدان السليم تتطلب من المجتمع الدولي النظر بشمولية أكبر لمأساة هذا الشعب المغلوب علي أمره والذي ظل ينزف حتى الموت منذ مجيء البشير وزبانيته . المتابع لمجريات الأمور قد لا يندهش لموقف الدول العربية لأن ما يجري في داخل دولهم لا يقل فظاعة وبشاعة عما يجري في السودان فهذه السُنة إذا جرت الآن علي البشير ونظامه فلن يسلم القادة العرب منها مستقبلا لأن مقولة " الثور الأبيض " حاضرة دائما في أذهانهم ، أما موقف حكومة قطر ومبادراتها ذات الحزم والتي من بينها " المحاكمة " العادلة بواسطة " القضاء الوطني " لكل من تورط في ارتكاب جرائم بدارفور فلم نسمع لهذه الدويلة صوتا بإدانة الذي حدث بإقليم دارفور ، ولم ننس عملية تصدير حكومة الإنقاذ لخبرائها الإنقلابيين لتنصيب الأبن مكان أبيه في عملية تجسد الغدر في أبشع صوره ، فهل يكون رد الجميل للإنقاذ علي حساب مأساة أهل السودان ؟!!! أما العجب العجاب فقد أتي من الدول الإفريقية ممثلة في إتحادها وبعض تحركات زعمائها ، لا يستطيع أحد الإدعاء بأن سجل الحكومات الإفريقية نظيفا من إنتهاك حقوق الإنسان الأساسية بشتى صوره ولكن عنصر الدهشة مرده أن معظم الدول الإفريقية قد صادقت علي نظام روما الأساسي المنشئ لمحكمة الجنايات الدولية وكان القادة الأفارقة الأعلي صوتا عندما وُضع موضوع الرؤساء وحصانتهم في طاولة البحث فأجمع كل قادة الدول الإفريقية الأعضاء في المحكمة بأن حصانة الرؤساء والزعماء لا تشكل حماية لمن يرتكب جرائم خطيرة و جسيمة بحق الإنسانية ، وإذا كانت الحصانة لا تصلح دفعا لعدم المساءلة القانونية كما نص قانون المحكمة الجنائية الدولية في مواده فإن الأمر لا يخرج من مبدأ شخصية المسؤولية الجنائية وذلك إنه بمجرد توفر ركن الإسناد حيال الجرائم المنسوبة للمتهم تكون المسؤولية الجنائية قائمة تجاهه كفرد وليس " كرئيس " وبقدر ما يتعدد الجناة تكون معايير مساءلتهم فردية كل حسب مشاركته في الجرم المنسوب إليه ( فاعل أصلي ، مشارك ، مساهم ، مساعد ، محرض ، في موقع يجعله عالما بوقوع الجرائم أو مفترض به العلم بوقوعها ، في موقع يمكنه من منع حدوثها ) مع الأخذ في الإعتبار إن مبدأ المساءلة الفردية لا يسقط عن الدول بإعتبارها ذات معنوية مسئوليتها بموجب القانون الدولي علي أن مكان بحث مسؤولية الدول هو محكمة العدل الدولية وليس المحكمة الجنائية الدولية ، فهل بعد كل هذا تعلو أصواتا لتقول بأن المستهدف هو السودان وما محاولة إتهام البشير إلا مدخل لنهب ثرواته وتقسيمه ؟ أما المبادرة الفرنسية والتي أشك في قبول النظام بأحد الشروط الواردة فيها وهي تسليم كل من المتهمين كشيب وهارون لأن هذين المتهمين بمثابة " حبتين " في عقد طويل يشكل قادة النظام ما تبقي منه . من المعلوم أن الدول الأوربية لا تتبني مبادرات علي إنفراد فكل المسائل السياسية تُقتل بحثا في " القاع " ثم تعلو إلي " السطح " وتتبناها إحدى الدول وموقف فرنسا مثال ، مثل هذه المبادرة من دولة واحد أو عدة دول بتأجيل محاكمة البشير بحسب اعتقادي تصطدم مع مبدأ هام وهو مبدأ عالمية حقوق الإنسان الذي أقره مؤتمر فينا عام 1993 والنقلة النوعية التي صاحبته في مجال حقوق الإنسان والحريات الأساسية وتجارب الإنسانية علي مدي عدة عقود 1948 – 1993 فحماية لحقوق الذات الإنسانية وتعزيزا لمبادئ العدالة ووضع الحد لظاهرة الإفلات من العقاب أنشأ المجتمع الدولي المحكمة الجنائية الدولية لتعتبر آلية حاسمة لملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم ضد الإنسانية ومساءلتهم قضائيا بهدف غلق مسالك التحصن بالإفلات من العقاب ، فالمحكمة الجنائية الدولية نتاج لجهد إنساني مضن للجم الدول غير المسؤولة ومحاسبة كل من ينتهك حقوق شعبه ، ويجب تذكير الدول صاحبة هذه المبادرات بأن السلام لا يكون سلاما إلا إذا كان عادلا وما جدوى العدالة إذا تم التراخي في تحقيقها وما قيمتها إذا جاءت متأخرة ، فقضية دارفور تمثل محكا عمليا حقيقيا لكل النظريات التي وُضعت لحماية الإنسان وحقوقه .
umniaissa@hotmail.com |
© Copyright by SudaneseOnline.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة
الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة
عن رأي الموقع