بسم الله الرحمن الرحيم
الفساد في مجالي الإعمار والإنشاءات ..
توفيق منصور (أبو مي)
http://www.tewfikmansour.net
الفساد لا شك يشكل قضية خطيرة للغاية وخاصة في دولة مثل السودان تمر بظروفٍ معقدة . فالسودان قد عانى كثيراً ومنذ الاستقلال من جراء السطو على المال العام ومن الفساد بأشكاله العلنية والمستترة ، وذلك على مستوى الشمال أو الجنوب وعلى صعيد معظم الأجهزة والمؤسسات والأفراد .. وقد شاب مؤسساتنا التي أممت أو خُصخِصت، أو بعض التي أنشئت حديثاً الكثير من الشبهات التي كانت تستوجب وقفة حازمة في المتابعة والتدقيق .. ولكن !!..
هذا ومع انطلاقة البناء والتعمير ، ومع تباشير المشروعات العملاقة التي بدأت إرهاصاتها تطل برأسها ، زائداً المشاريع المرتقبة والخاصة بالتنمية والتعمير والإدماج في الجنوب ، وبقية المناطق المهمشة في البلاد فستكون فرصة استشراء سرطان الفساد أكبر وأوسع إن لم نتدارك ونحتاط لأمرها وذلك بكل الجدية اللازمة.
والفساد في حقيقة الأمر لا يشمل فقط من يسطو على المال العام والمرتشي من الأشخاص ، بل كذلك الشركات الكبرى وحتى العملاقة .. ويوجد الفساد على مستوى الدول الفقيرة والنامية والصناعية ، ويشمل الصغار والكبار والمجموعات الخطيرة (المافياوية) . وتحضرني هنا قصة كمثال لنوع من أنواع الفساد حكاها (بكل فخر)! أحدهم في السبعينات بحلفا الجديدة لصديقٍ له وهو في حالة تجلي وأنا كنت بقربهما مسترقاً للسمع ، فقد حكى ذاك الشخص بأن المسؤولين كانوا يعطونه في حلفا الجديدة نشرات وملصقات لعطاءات هامة تخص المنطقة والمشروع ، فكان يذهب لأمكنة إلصاق الملصقات والإعلانات وإرضاءً لضميره الميت كان يلصق الإعلان ويكلف أحد الصبية بأن يتبعه ويقوم بتمزيق الإعلان بعد دقائق من عملية اللصق وهكذا ، وأخيراً يذهب لتاجرٍ بعينه بسوق حلفا الجديدة ويعطيه كل المعلومات التي تخص الأمر ! ومن ثم يقوم ذاك التاجر بالتقديم لذاك العطاء باسمه وبعض الأسماء الوهمية الأخرى لأجل الانفراد بالعطاء ..!! هذا وقد استمر ذاك الأمر كما حكى لسنين عدة !. هذا المثال أسوقه فقط كطرفةٍ حقيقية ومأساوية ، ولكن في حقيقة الأمر فإن أمر الفساد يشمل أموراً أكبر وأعقد من هذا المثال البسيط . والفساد شمل التلاعب في الأيام الغابرة بالحجوزات وتذاكر السفر في السكة حديد والنقل الجوي في سوداننا مما أثّر سلباً على تطور قطاعيهما ، حيث كانت تُحجز معظم المقاعد للتلاعب بها في السوق الأسود مما كان يؤدي دوماً إلى سفر (المركبة) والكثير من مقاعدها شاغرة !، وشمل التلاعب على سبيل المثال (كوتات) السكر حيث حُرم منها في أحوالٍ معينة أهلنا في الجنوب وبأيدٍ جنوبية !! وكذلك كان من حصيلة الفساد العديد من المشاريع الفاشلة . وفي الحقيقة لا يمكن حصر أنواع الفساد في هذا الحيز الضيق ولكن بالطبع أنواعه كثيرة ومتعددة ..
هذا ونأمل بأن الأجهزة المستحدثة في بلادنا لمتابعة ودرء أمر الفساد أن تجتهد في هذا المضمار الخطير وأن لا يطولها هي أيضاً سم الفساد.. كذلك نتمنى أن تقوم المنظمات الدولية التي تتابع أمر الفساد وكشفه والتنبيه لخطورته بأن تستمر في مجهوداتها الطيبة وأن لا تتأثر ببعض الاحتكاكات السياسية ذات المآرب المعروفة..
وهنا لا بد لنا من أن نتطرق لمنظمة الشفافية الدولية (Transparency International) والتي ركز أحد تقاريرها على موضوع الفساد في قطاع الإنشاءات ، حيث كان الشعار الذي رفعه التقرير : (الفساد في قطاع الإنشاءات من نتائجه إفقار الدول وزهق الأرواح) .. ومنظمة الشفافية الدولية هي منظمة غير حكومية ، وهدفها (المعلن) هو محاربة الفساد في كل مكانٍ في العالم ، وهي منظمة تهدف إلى نشر مفهوم الشفافية بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني في مختلف أرجاء العالم ، ومقرها برلين بألمانيا ولها مكتب أبحاثٍ في لندن، ولها أذرع تمتد إلى (85) موقع بالعالم . هذا وقد سبق لرئيسها أن صرح قائلاً في وقت تقريرها الذي أصدرته عن الفساد في الإنشاءات "إذا تغلب المال على القيم، تكون النتائج وخيمة وتتمثل في منشئات رديئة الجودة ومضيعة للمال والجهد والوقت، ونهبٍ لموارد الدول وقتلٍ للأرواح في الكثير من الأحوال) ..
هذا وتراني أركز على التقرير الخاص بالإنشاءات لأنها هي شاغلنا وهاجسنا في هذه الأيام ، خاصة وأن ذاك التقرير المشار إليه إنما يشير بدقة للفساد في مجال البناء والإعمار في المناطق التي ودعت النزاعات المسلحة ، وعليه سأتطرق في الأسطر التالية إلى إشاراتٍ لما جاء في ذاك التقرير عله ينير لنا الطريق ويذكرنا وينبهنا لبعض الأمور .. وعلى من يهمهم الأمر في أجهزة مكافحة الفساد في بلادنا الرجوع للتقرير المشار إليه بموقع المنظمة (www.transparency.org)، وكذلك سحب غيره من تقارير ومواضيع أخرى خاصة بالفساد .. هذا وأرجو عدم الخلط ما بين التقرير الذي سأشير إليه والذي يعرف بعنوان (GCR) وهو تقرير الفساد الدولي وبين التقرير الذي يعرف بعنوان (CPI) والذي يُعرف بمؤشر الفساد ..
بداية يشير التقرير الخاص بالإنشاءات إلى أن الابتعاد عن الشفافية في التعامل مع المشاريع الكبرى يؤذي اقتصاد أية دولةٍ بطريقة مباشرة ، كما يؤدي إلى أخطاء في تصميم المشاريع نفسها . هذا ويشير التقرير إلى أن الفساد في الإجراءات المتبعة في اختيار الجهات التي تتبنى إنشاء المشاريع يضع الدولة والمشاريع في طريقٍ غير مطابقٍ للمواصفات المطلوبة ، وكذلك يؤدي الأمر إلى رفع التكلفة، وإضعاف نوعية البنية التحتية للمشروع، وربما لفقدان الأرواح ، وذلك نسبة لما تحدثه الرشوة من غضٍ للبصر عن المتطلبات الهندسية في أمور التخطيط واختيار الموقع .
هذا ويعطي تقرير منظمة الشفافية الدولية عدة أمثلة للفساد في المشاريع نختار منها باختصار الآتي .. مشروع (كولون) لحرق النفايات في ألمانيا والذي بلغت تكلفته (500) مليون دولار و دُفعت فيه رشوة تقدر ب (13) مليون دولار .. ومشروع سد (باكون) في ماليزيا والذي على حد تعبير التقرير قد تم وضعه في المكان الخطأ نسبة للفساد والرشوة . ومشروع مياه مرتفعات (لوسوتو) الذي تأثر كثيراً بأمر الفساد . ومشروع سد (بياغلي) في يوغندا الذي تورط فيه بالرشوة والفساد البنك الدولي ذاته إضافة لأربع حكومات أخرى .. ومشروع محطة (باتان) للطاقة النووية بالفلبين الذي على حد تعبير التقرير قد دُفعت فيه رشوة تقدر ب (17) مليون دولار لصديق سابقٍ للرئيس (ماركوس) ، وعليه ونسبة للفساد والرشوة تم تشييد المفاعل في منطقة تؤدي إلى التلوث النووي لأنها منطقة تصدعٍ بركانية !!.. هذا ويقول (بيتر إيجن) مدير (الشفافية الدولية) أن فضيحة برنامج (النفط مقابل الغذاء) أثبتت في الماضي القريب بأن هناك حاجة ملحة لوضع قوانين صارمة فيما يتعلق بتضارب المصالح وأهمية الانفتاح في عملية المناقصات .
هذا وترسل منظمة الشفافية الدولية من خلال تقريرها الخاص بالإنشاءات بعض التوجيهات التي تراها هامة للدول من أجل البناء والتعمير والتشييد الصحيح ، ويشير في هذا الصدد (نيل شانزيري) مدير قسم الهندسة والبناء في المنظمة إلى أن الفساد يمكن كبح جماحه وآثاره إذا التزمت جميع الأطراف المعنية بتطبيق الإجراءات الخاصة بمعايير محاربة الفساد وتجنبه ، وهذا الأمر يتطلب إجراءات دولية وتعاونٍ منسقٍ ما بين المصارف وبيوتات التمويل وأصحاب المشاريع والمقاولين وجميع الأطراف ذات العلاقة ..
هذا وعادة ما تشمل تقارير الفساد الدولية نتائج أبحاثٍ متعلقة بالفساد والرشوة ووضع الحلول لها ، إضافة إلى دراساتٍ هامة عن مآلات الفساد الخطيرة جداً على أمورٍ مثل التلوث البيئي والمشاكل الاجتماعية على مناطق المشاريع الفاشلة .
كذلك مما يشير إليه التقرير الخاص بالإنشاءات ويهم السودان بصفة خاصة، هو أن الدول التي خرجت من "نزاعاتٍ مسلحة" يُستوجب عليها وضع معايير صارمة لأجل مكافحة الفساد، خاصة في مجالات (محاباة) الشخصيات الرسمية وذات النفوذ .. كذلك على تلك الدول أن لا يكون هدفها من المشاريع الإنشائية الكبرى هو أن يعود رأس المال للدولة المانحة عبر اختيار شركات من نفس البلد الذي يقدم المعونة .. هذا ويؤكد التقرير بأن مناطق النزاعات ستعود حتماً لنزاعاتٍ أكثر شراسة من ذي قبل إن لم يُؤخذ أمر الفساد والرشوة مأخذ الجد ..
أما ما تعتبره المنظمة بمثابة (مواصفات الحد الأدنى) الذي يجب أن تراعيه الحكومات والجهات المسؤولة عند النظر في أمر العقود ، فيتمثل باختصارٍ في وضع نظم إدارية تُحترم، وميثاق للأخلاق والتعامل، يُلزم السلطة المقاولة ومنتسبيها وجميع من يهمهم أمر العقود باتباع سياسة صارمة ، ووضع آلية تسمح بالتبليغ الفوري عن أية مخالفة فسادٍ أو رشوة . كذلك السماح فقط للشركات التي وضعت والتزمت بسياسات أخلاقية في التعامل بالتنافس للفوز بالعقود . كذلك إعداد قائمة سوداء للجهات التي سبق أن تورطت في عمليات فسادٍ ورشوةٍ وإيقاف التعامل معها . إضافة للتأكد من أن الجهات التي يتم التعاقد معها لديها إجراءات صارمة لمكافحة الرشوة والفساد، خاصة أثناء إنشاء المشروع ، وهذا الأمر يستوجب بالطبع التوقيع على ميثاق شرفٍ . كذلك التعامل العلني في فتح المظاريف ، إضافة إلى التسهيلات التي تتيح للشركات المتنافسة وحتى للجمهورِ والصحافة والإعلام بشكل عام الحصول على معلومات لجميع مراحل العقد . كذلك الالتزام بالسرية الخاصة بمعايير وطرق الاختيار ولجان الاختيار ، وعدم تقديم أية معلوماتٍ منفصلة لشركة بعينها .. ولتفادي أمر الفساد يجب إعطاء الوقت الكافي للجهات المنافسة للتحضير للمناقصات . وإضافة لكل ما تقدم يجب أن تكون هناك أجهزة رقابة وتدقيق مستقلة وفاعلة ونزيهة لتشرف على مراحل تنفيذ المشروع ، وأن أي تأخيرٍ في التنفيذ يستوجب تكوين لجنةٍ عليا لتقصي الحقائق عنه . كما يجب التركيز على أنّ أمر موضوع (العطاءات والاختيار والتعاقد والإشراف والرقابة) يجب أن يوكل في كل مرة لأفرادٍ جدد، أي بمعنى أن يتم تغيير الأشخاص لكل مهمة . كما يجب تدريب الأطر التي تشرف على هذه الإجراءات تدريباً جيداً . وكذلك من الأفضل مشاركة منظمات المجتمع المدني لتلعب دوراً محايداً ومراقباً في أمر التعاقد .
هذا ويعتبر تقرير الشفافية بأنه من أخطر الأمور في دول الشرق الأوسط هو تكتم الحكومات والمؤسسات الرسمية على المعلومات وتحديداً المالية ، وكذلك التعتيم الإعلامي على كل التفاصيل المتعلقة بالمشاريع .. ويعتبر التقرير أن أكثر القطاعات فساداً في العالم هو قطاع الإنشاءات في الدول الخارجة من "نزاعات عسكرية" .
أخيراً أذكِّر بأن السودان طرف في مجموعة من الاتفاقيات الدولية التي تدعو لمحاربة الفساد ، وكذلك التصريحات الحكومية كلها تدعو لمحاربة الفساد ، ولكن ومع كل هذا فمؤشرات الفساد الدولية تضعنا في مرتبة متدنية وبرتبة لا نتمنى أن نقبع فيها طويلاً !. وعليه وجب علينا محاربة الفساد بكل ما أوتينا من إمكاناتٍ ، ونذكّر بأن أمور الفساد والرشوة والشفافية هي مسؤولية كل القوى الفاعلة في المجتمع .. والفساد ليس بالجريمة العادية وإنما هو جريمة يدفع ثمنها المواطن العادي من قوت يومه وعرقه ويقوم بها بعض ضعاف النفوس وأصحاب الضمائر الخربة ، وعليه فإن الفساد لا شك يشكل جريمة ضد الإنسانية . فالفساد يحرم أهلنا اللقمة الطيبة والماء الصالح للشرب والدواء، ويلوث البيئة ويفقر الدولة مهما كانت مواردها ويعقّد جميع مسارات الحياة !..
توفيق عبد الرحيم منصور (أبو مي)
http://www.tewfikmansour.net
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة