بسم الله الرحمن الرحيم
إتفاق أبوجا وإعادة إنتاج الأزمة وآفاق السلام
مقدمة:
يقع إقليم دارفور في أقصى غرب السودان ويمتد بين خطي عرض 9- 20 شمالاً وخطى طول 16- 27.7 شرقاً، وتقدر مساحته الكلية بـ 510.888 كيلو متر مربع. تعادل خمس مساحة السودان تقريبا. ًوتحدها أربع دول هي مصر من الشمال وليبيا من الشمال الغربي وتشاد وأفريقيا الوسطى من الغرب. ويبلغ عدد سكانها حوالى الستة ملايين نسمة حيث يشكلون نسيجاً اجتماعياً متداخلاً من القبائل ذات الأصول العربية الأفريقية والتى تبلغ حوالي 86 قبيلة تعايشوا سلمياً فيما بينهم عبر مئات السنين فكونوا إنسان دارفور الحالي بخصائصه وثقافته الفريدة التي تميزه عن غيرة في إطار الثقافة السودانية المتنوعة.
يعود تاريخ قيام مملكة دارفور الاسلامية إلى عام 1445 ميلادية ،وإستمرت مملكة مستقلة إلي أن تم ضمها إلى السودان بوضعه الحالي في عام 1874م بواسطة الاستعمار الثنائي التركي المصري, وخضعت لحكم الدولة المهدية من عام م1881 إلى عام 1898م حيث استقلت دارفور مرة أخرى بعد سقوط الدولة المهدية على أيدي الغزو الإنجليزي المصري وأعاد السلطان علي دينار حكم أجداده وحكم سلطة دارفور منذ عام 1998م الى أن تم احتلال دارفور مرة أخرى من قبل الاستعمار الإنجليزي فى عام 1916م.
أولاً- خلفية مختصرة عن طبيعة الصراع الحالي في دافور:
بدأ الصراع المسلح في دارفور في فبراير 2003 بإصدار جماعة مسلحة تطلق على نفسها جبهة تحرير دارفور بياناً تتبنى فيه هجوماً على منطقة قولو مقر محافظة جبل مرة وكانت تلك شرارة البداية وذكر المتمردون حينها أسباب التمرد تعود الى التهميش والظلم الذين حرما دارفور من التنمية طوال فترة الحكم الوطنى هذا ما جاء على لسان عبدالله قرة الذي عين مديراً لمنطقة قولو وكان ذلك أول بيان للتمرد.
الحركتان الرئيسيتان هماحركتا تحرير السودان والعدل والمساواة واللتان انشقتا فيما بعد إلى فصائل عدة تحمل ذات الاسمين مع تعديلات لأغراض التمييز عن بعضها البعض.
واستناداً إلى المصادر الفكرية للحركتين فإن برامجها المطروحة تدعو الى
1- حركة وطنية قومية وتعمل من أجل سودان جديد يكون وطناً لكل أهله ويقوم على إتحاد أقاليمه بشكل طوعي تحت نظام فيدرالي وعلى أساس عقد اجتماعي يحدد العلاقة بين الدولة والمواطن ويقوم على العدل والمساواة والحرية والديمقراطية دون استغلال أو تهميش لأي من أطرافه أو مجتمعاته وأن تكون المواطنة هي أساس الحكم.
2- إن خصوصية دارفور في هذا الطرح جاءت لأنها المنطلق الذي انطلقت من هذه الثورة المسلحة ومركز إدارة العمليات العسكرية والمواجهة مع الحكومة هذا فضلاً على أن أهل دارفور ظلوا يعبرون عن الظلم الواقع عليهم منذ مطلع الستينيات ويعبرون عن تطلعاتهم نحو التنمية والتطور والمشاركة في السلطة السياسية والسيادية، وظلت الحكومات منذ الاستقلال ترفض الاستجابة لمطالبهم وتتصدى لهم بالقمع العسكري والأساليب الأمنية ..
3-أنهم لم يحملوا السلاح رغبة في الحرب وإنما لأن حكومة الإنقاذ لم تترك لهم خياراً خاصة وأنها أعلنت بأنها لن تتفاوض إلا مع من يحمل السلاح.
تلك كانت رؤية الحركات ومطالبها والتي لم تتعدى المطالبة بالتنمية المتوازنة وإزالة التهميش.وكان حلها لايحتاج الي اكثر من موقف من الحكومة يشخض القضية على أنها قضية سياسية تحل بالتفاوض والحوار وليست قضية أمنية تحل بالحرب والدمار. وفي شهر فبراير2003 م انعقد مؤتمر الفاشر التشاوري بحضور حوالي أربعمائة شخص يمثلون الحكومة والإدارة الأهلية ومنظمات المجتمع المدني وكل حكومات دارفور وأتفق المؤتمرون على تشخيص الصراع القائم وقتئذ ٍ بأنه يمثل قضية سياسية ينبغي حلها بالتفاوض بين الحكومة والحركات المسلحة. وكانت بداية تعقيد القضية أن رفضت الحكومة توصيات المؤتمر وتعاملت مع القضية على أنها قضية أمنية وليست سياسية ومن ثم تم التعامل معها عسكرياً وليس عن طريق التفاوض. وزاد الأمر تعقيداً أن قامت الحكومة باستغلال الاختلافات في المكونات القبلية بين سكان دارفور, وقيامها بتدريب وتسليح ما يسمى بالجنجويد، والذين ينتمون في الغالب كأفراد إلى بعض القبائل العربية الصغيرة ممن لا يملكون الحواكير وحوالي 80% منهم إجانب مرتزقة تم جلبهم من خارج السودان خاصة من تشاد والنيجر ومالي وأفريقيا الوسطى.
الأخطاء الفادحة التي أنزلقت فيها حكومة الخرطوم بالإصرار على التعامل مع قضية دارفور كقضية أمنية وإرتكابها للجرائم البشعة ضد الإنسانية وجرائم الحرب بواسطة قوات الدفاع الجوي وذراعها الجنجويد ضد المواطنين الأمنيين والأبرياء مما أدى إلى النزوح القسري الداخلي واللجوء إلى دول الجوار وإزهاق أرواح مئات الآلاف من المواطنين وجرائم الإغتصاب الممنهج والنهب والسلب والحرق الأمر الذي أدى إلى تدخل المجتمع الدولي وصدور حزمة من القرارات الدولية من مجلس الأمن وإجبار حكومة الخرطوم على التفاوض مع الحركات المسلحة تحت الضغوط الدولية والداخلية والإقليمية وما يتبع ذلك من إتفاق سلام أبوجا الهش والمنقوص مع فصيل مني أركو مناوي وما صاحب وتلى كل ذلك من رفض الحكومة في بادئ الأمر لدخول القوات الدولية وبالقسم المغلط ثم ممانعة دخولها على استحياء فالنكوص عن القسم والموافقة على دخول القوات الدولية بالشكل الهجين حفظاً لماء الوجه المسكوب، ثم الموافقة على فتح باب الحوار من جديد مع الحركات غير الموقعة على إتفاق أبوجا والتي تمزقت.
كل ذلك أدى إلى تعقيد الوضع بدخول عناصر كثيرة ومتشابكة تتقاطع في بعض النقاط وتفترق في أخرى.
أدى كل ذلك حسب التقارير الصادرة من الأمم المتحدة إلى قتل حوالي 300.000شخص حتى إبريل 2008 ونزوج أكثر من مليوني شخص داخلياً ولجوء حوالي 300.000 شخص إلى تشاد. ولايزال الوضع الامني والانساني في دارفور يزداد سوءا يوماً بعد الآخر, فبات النزوح القسري أمراً معتاداً, ولايزال قصف ماتبقى من قرى آمنة بواسطة طائرات الانتنوف الروسية مشهدا مألوفاً.وفي نهاية المطاف جاء طلب أوكامبوا مدعي المحكمة الجنائية الدولية ليحرك المياة الراكدة بشأن تسوية قضية دارفور سلمياً, فجاءت مبادرة أهل السودان والمبادرة العربية.ونأمل خيرا في ان تقود تلك المبادرات الي وضع حد لمعانات أهل دارفور وأن يعم السلام ربوع السودان.
ثانياً-ملامح عن إتفاق أبوجا:
تم التوقيع على اتفاق أبوجا للسلام بتاريخ 5/5/2006 بين حكومة السودان وحركة تحرير السودان فصيل مني أركو مناوي ، جاءت الاتفاقية في ستة فصول متضمنة عدة محاور أهمها المحاور الأربعة الخاصة بتقاسم السلطة وتقاسم الثروة والترتيبات الأمنية والحوار الدارفوري الدارفوري.
تقاسم السلطة:
أ- أقرت الاتفاقية إيجاد نظام فدرالي في عموم السودان يستفيد منه أهل دارفور بصورة خاصة، على المستويين المحلى والفدرالى ، على أن تكون الخطوة الأولى للقيام بذلك هي عبر إعادة حدود الإقليم إلى الوضع الذي كانت عليه في الأول من يناير 1956م.
ب- أما الخطوات اللاحقة فتكون عبر مجموعة من الإجراءات الدستورية التي تضمن وتكفل حكماً مستقراً للإقليم على المستويات الولائية والمحلية والفدرالية، تشارك في صياغتها مواطنو الإقليم، كما تكون لهم الحصص الأكبر في المجالس الإدارية المنبثقة عنها.
ج- ضمان مشاركة أهل دارفور في كافة مستويات الحكم، في جميع مؤسسات الدولة، على أن تعتمد معايير عادلة في تحديد حصص مواطني دارفور من الوظائف تقوم على أساس حجم السكان والظروف المجحفة السابقة.
د- تكوين هيئة تسمى سلطة دارفور الانتقالية يشكلها حركات التمرد بمشاركة الحكومة، وذلك لتعزيز التنسيق والتعاون بين المجالس المحلية لولايات دارفور الثلاث والسلطة الانتقالية من جهة وبين تلك الأخيرة والسلطة المركزية طوال الفترة الانتقالية.
ه- تعيين أحد كوادر حركة التمرد بمنصب مستشار للرئيس ويتم تعيين قائد آخر بمنصب كبير مساعدي رئيس الجمهورية ويتولى الأخير كافة الشؤون المتعلقة بدارفور ويشكل حلقة وصل بين الحكومة المركزية والمجالس الانتقالية.
يمنح أهل دارفور بالإضافة إلى الوزراء الحاليين من دارفور عدد ثلاثة مناصب وزارية جديدة منها أثنين منصب وزير دولة تختارهم الحركات المسلحة ، أما حصة الإقليم من المجلس الوطني " البرلمان" فلا يقل عن (12) مقعداً.
تقاسم الثروة:
أهم بنود تقاسم الثروة تتمثل في التالي:
أ- تشمل وفقاً للاتفاقية الموارد الطبيعية والبشرية والقروض والمعونات الدولية، حيث دعت الاتفاقية الى تمكين سكان دارفور من الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية، أسوة بسائر السودانيين.
ب- سيتم تعيين مفوضية خاصة لحل الخلافات حول ملكية الأرض في الإقليم وستعيد اللجنة الأراضي التي تم الاستيلاء عليها إلى أصحابها.
ج- وضع سياسة عادلة الإقليم بسب الفقر الشديد والإجحاف .... الإقليم على أن يتم تقرير تعويضات عادلة للمتضررين.
د- يتم إنشاء صندوق خاص لإعمار دارفور وإعادة النازحين ووضع برنامج لتنمية الأرض وتجهيزها للرعي، بشكل يسمح ببقاء الرعاة في أراضيهم وعدم النزوح منها.
ه- بالإضافة إلى حصة دارفور العادلة من ثروات البلاد، أقرت الاتفاقية بمنح الإقليم مبالغ إضافية فورية بقيمة 700 مليون دولار تدفع منها 300 مليون في عام 2006 و200 مليون في عام 2008 و 200 مليون أيضاً في عام 2009م.
3- الترتيبات الأمنية:
يمكن تلخيصها في تقرير نزع سلاح الجنجويد ودمج مقاتلي الحركات المسلحة في الجيش القومي حسب الترتيبات المحددة بالاتفاقية.
4- الحوار الدارفوري الدارفوري:
أما الحوار الدارفوري الدارفوري فقد حصرته الاتفاقية في الترويج للاتفاقية ونشرها والتبشير بها وليس للمؤتمر أية صلاحيات بشأن بنود الاتفاقية عدا ما يتعلق منها بكيفية ملأ المقاعد المحددة في المجالس الولائية.
5- المبادئ العامة:
من المفيد أن نشير إلى ما ورد بالاتفاق من مبادئ عامة تتعلق بإصلاح نظام الحكم في السودان.
أكدت الاتفاقية على احترام حقوق الإنسان والمواطنة لكل السودانيين واحترام الأديان والعادات والتقاليد الخاصة بالمجموعات المختلفة، وحماية الملكية الخاصة من الانتهاكات مهما كانت مصدرها وتأكيد الفصل بين السلطات واحترام دولة القانون والانتقال الديمقراطي للسلطة.
ثالثاً-إيجابيات وسلبيات الاتفاق:
المحاور المذكورة سابقاً لا تخلو من إيجابيات واضحة فيما يتعلق بالمبادئ العامة للحكم في السودان وتقرير مبدأ مشاركة أهل دارفور في السلطة المركزية في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية وأيضاً تقرير مبدأ تقاسم الثروة وإعطاء إقليم دارفور سلطات للحصول على الدعم المالي والاستثماري الخارجي. ومبدأ نزع سلاح الجنجويد وتكوين صندوق دارفور للإعمار والتنمية ومفوضية أراضي دارفور، تلك كلها إيجابيات من حيث المبدأ وتعتبر حقوقا لأهل دارفور لم تكن مقررة لهم فى السابق ولكن كل تلك النقاط الإيجابية ترتبط بسلبية أساسية وهي أنها جميعها أقرت حقوقاً ناقصة غير كاملة لا ترقى إلى مستوى التضحيات الجسام التي بذلها أهل دارفور ولذلك لم يوقع عليها إلا فصيل واحد وهو حركة تحرير السودان فصيل مني أركو مناوي ورفض التوقيع عليه الفصيلان الأخيران وهما حركة تحرير السودان جناح عبد الواحد محمد نور وحركة العدل والمساواة بقيادة الدكتور خليل إبراهيم وتتفرع عن هذه السلبية الأساسية أى سلبية النقصان عدة سلبيات يمكن بيانها في التالي:
فيما يخص تقاسم السلطة لم تترجم المبادئ المنصوص عليها بالاتفاقية ترجمة حقيقية بالاتفاقية فمنصب ثلاثة وزراء منهم أثنين وزراء دولة غير كافية ولو أضيفت إليها مناصب الوزراء الثلاثة المخصصة للدارفوريين الإنقاذيين.
عدد الوزارء عند توقيع الاتفاقات كانت تساوي عدد 34 وزيراً مركزياً ومثلهم من وزراء الدولة وإذا كان عدد سكان دارفور يساوي 18% من عدد سكان السودان و26% من إجمالي سكان شمال السودان فإن نصيبهم من الوزارات يجب ألا يقل عن عدد ثمانية وزراء وعدد مماثل من وزراء الدولة. وكذلك فيما يتعلق بمقاعد المجلس الوطني فإن عدد (12) مقعد لا تساوي شيئاً بالنسبة لحجم سكان دارفور 18% ويتعين أن يكون نصيبهم عدد (81) مقعد من بين 450 مقعد.
تلك القسمة الضيظى تكشف أن اتفاق أبوجا نص على معيار ثم خالف ما نص عليه بتحديد حصة في السلطة لا تتناسب مع المعيار المنصوص عليه في الاتفاق وهو معيار حجم السكان.
ومن جهة أخرى فإن النص الذي يحدد معيار تقاسم السلطة قد جاء نصاً ضعيفاً غير ملزماً بشكل قطعي وهو نص المادة (17) وينص على " يمكن استخدام السوابق ذات الصلة وحجم السكان عند الاقتضاء لتحديد تمثيل مواطني دارفور على كافة المستويات، أما صلاحيات كبير مستشاري الرئيس فهي محدودة بموجب النص ب بحيث لا يملك السلطة على الولاة ومهمته فقط تنسيقية.
بالنسبة لنزع سلاح الجنجويد لم تحدد آلية واضحة لنزع سلاح الجنجويد.
أما الحركات المسلحة الرافضة لتوقيع اتفاق أبوجا فهي تضيف إلى ما ذكر أعلاه أسباب أخرى وهي:
1- عدم إعطاء أهل دارفور منصب نائب رئيس.
2- عدم النص على إعادة دارفور كإقليم موحد كما كان قبل عام 1994.
3- لم تحدد تعويضات ملزمة للمتضررين من الحرب.
رابعاً:-تنفيذ اتفاق أبوجا:
بسبب عدم توقيع الحركتين الرئيستين وهي حركتا تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور والعدل والمساواة بقيادة خليل إبراهيم لم تكن الاتفاقية مهيأة للتنفيذ رغم انشقاق الحركات المسلحة وانضمام خمسة منها إلى الاتفاقية وهي:
(1) حركة تحرير السودان الإرادة الحرة برئاسة مؤمن ماجوك ورئاسة المرحوم بروفيسور عبد الرحمن موسى سابقاً.
(2) حركة تحرير السودان الأم برئاسة أبو القاسم إمام.
(3) حركة تحرير السودان جناح السلام رئاسة إبراهيم مادبو.
(4) حركة العدل والمساواة جناح السلام عبد الرحيم أبو ريشة.
(5) حركة القوة الديمقراطية الشعبية برئاسة هاشم نورين.
إلا أن غياب الحركات الرئيسية وتطلع الحكومة إلى ضمها لاتفاق أبوجا أو التصالح معها بشكل أو بآخر لم يشجع الحكومة من التنفيذ أضف إلى ذلك أن حركة تحرير السودان جناح مني أركو عند توقيع الاتفاق كانت تمثل الحركة الأقوى على الأرض ولكن بعد توقيع الاتفاق هجره معظم قادة حركته وإما أنهم كونوا حركات مستقلة أو أنهم انضموا إلى حركات أخرى.
وبسبب عدم التنفيذ أضطر مني أركو إلى مغادرة القصر منذ يونيو 2008 والبقاء مع جنوده في أحراش دارفور ولكن بتاريخ 11/9/2008 الجاري تم توقيع اتفاق بينه وبين نائب الرئيس علي عثمان محمد طه بمدينة الفاشر بموجبه تم الاتفاق على تنفيذ الاتفاق خلال مدة ثلاثين يوماً وتكوين لجنة عسكرية مشتركة والإسراع في إدخال الاتفاقية إلى مفوضية المراجعة الدستورية.
خامساً:-آفاق الحلول:
في الآونة الأخيرة طرحت الكثير من المبادرات التي لم ترى النور منها مبادرة هيئة جمع الصف الوطني والتي قدمت في مايو 2007 لرئيس الجمهورية ولم ترى النور حتى الآن وتقوم المبادرة على مقترحات لحل الأزمة السودانية وتنص المقترحات على مبادئ رئيسية مثل إعادة اقتسام السلطة والثروة بين أقاليم السودان، وضمان التحول الديمقراطي، وقد اعتبرت الهيئة في مقترحاتها أن اتفاق أبوجا لم يحقق السلام في دارفور ، ودعت إلى إيجاد آلية جديدة للتفاوض مع الحركات المسلحة في الإقليم.
والآن يلوح في الأفق مبادرتين رئيسيتين أحدهما مبادرة أهل السودان والتي طرحتها في بادئ الأمر الرئيس عمر البشير وبعد التداول مع جميع الأحزاب السياسية تم بلورة المبادرة تحت اسم مبادرة أهل السودان وما تم الكشف عنه حتى الآن يقوم على :
1- معالجة مشكلة دارفور عبر الحوار السياسي وإدارة حوار واسع مع كل الأحزاب للوصول إلى حل ناجع وسريع للأزمة.
2- معالجة الوضع الإنساني والامني.
3- دعم النازحين.
4- مواصلة تنفيذ بنود اتفاق أبوجا.
5- إكمال طريق الإنقاذ الغربي.
6- دعم الخدمات الصحية والتعليمية والمياه.
7- عقد مؤتمر جامع يضم 250 شخص للتداول بشأن الحلول المقترحة.
وهذه المبادرة رغم أنها صدرت في ظروف تبشر بالخير إلا أنها تذكرنا أيضاً بمبادرة الرئيس التي طرحها، في فبراير 2004 لحل قضية دارفور إلا أنها فشلت لأن اللجنة التي شكلت وهي مكونة من عدد (94) شخص كان (73) منهم من المؤتمر الوطني منهم (21) أصحاب مناصب دستورية وعدد (15) أعضاء بالمجلس الوطني ، وكان مصير اللجنة والمبادرة هو الفشل ونرجو ألا يتكرر ذات الخطأ في اختيار أعضاء المؤتمر المنبثق من المبادرة والبالغ عددهم 250شخص.
أما المبادرة الأخرى وهي مبادرة جامعة الدول العربية تحت القيادة والرعاية القطرية وهي مبادرة حتى الآن لم تتبلور بشكلها النهائي ولكن التكليف الواضح فيها هو استضافة مفاوضات بين الحكومة السودانية وحركات المسلحة بدارفور بدولة قطر تحت إشراف لجنة برئاسة سمو الشيخ حمد بن جاسم وزير خارجية دولة قطر وعضوية كل من مصر وليبيا والجزائر والسعودية وسوريا والأمين العام لجماعة الدول العربية وبمشاركة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وربما بعض دول الجوار كتشاد وأفريقيا الوسطى وإريتريا.
أعلنت بعض الحركات الدارفورية المسلحة موافقتها بينما أعلن البعض الآخر رفض المشاركة في المفاوضات مستندين في رفضهم إلى أن دور جامعة الدول العربية كان دائماً ضعيفاً في شأن قضية دارفور وأن المفاوضات المقترحة الغرض منها حماية الرئيس السوداني من المحكمة الجنائية الدولية.
والرأي عندي هو أن مبادرة جامعة الدول العربية أصبحت تعرف الآن بالمبادرة القطرية ولعل هذه المبادرة تعد فرصة كبيرة للتوجه نحو السلام بعد أن كادت أن تنسد آفاق السلام فالمبادرة القطرية تعد منفذاً جديداً يضخ الحياة في اتجاه تسوية قضية دارفور وفرص نجاح المبادرة تكمن في أن دولة قطر تتمتع بمقدرات دبلوماسية عالية وخبرات متراكمة في مسائل حل المنازعات بين الفرقاء المختلفين بالطرق السلمية على المستوى الإقليمي وعلى مستوى الشرق الأوسط وأفريقيا.
إضطلعت دولة قطر بمهام تسويات عديدة وكان مصيرها دائماً النجاح فقد لعبت قطر دور الوساطة بين إريتريا وإثيوبيا وما بين حكومة اليمن وجماعة الحوثي بمنطقة الصعدة ومابين فرقاء النزاع بالصومال وفلسطين وسبق لدولة قطر استضافة مفاوضات بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان ولعبت دوراً مهماً في مفاوضات شرق السودان وفي تنفيذ اتفاق شرق السودان وأخيراٍ السعادة الكبرى التي ملأت الآفاق وهي النجاح في حل النزاع اللبناني اللبناني مما تمخض عن تعيين الرئيس اللبناني وتشكيل الحكومة اللبنانية والتي كانت دونهما الفتنة الكبرى، ضف إلى ذلك أن دولة قطر تمتع بعلاقات قوية ومستقلة على المستوى الدولي مما يمكنها من التأثير على الأطراف الخارجية ذات التأثير في النزاع، وأيضاً دولة قطر هي دولة ذات مبادئ ومواقف وتقوم سياستها في التصالح على الحياد والاستقلالية وصدق النوايا الأمر الذي مكنها من النجاح في تسوية لبنان، ورغم اختلاف الظروف بين قضية لبنان وقضية دارفور إلا أن مبادئ الحياد والاستقلالية وصدق النوايا في التوسط في إنهاء النزاع تظل هي ذات المبادئ القائدة وانطلاقاً من ذلك على الحركات الرافضة للمفاوضات بدولة قطر أن تدرك أن مواقف قطر هي دائماً استثنائية بالمقارنة بمواقف الدول العربية الأخرى فقطر تعتبر حالة خاصة في القضاء العربي وتتمتع بالمقدرة على قيادة المفاوضات على أرضها وتحت رئاستها على الطريقة القطرية وهي طريقة بلاشك عادلة ومن ثم إذا كانت جامعة الدول العربية تسعى لإنقاذ البشير فعلى الحركات أن تسعى مع قطر لإنقاذ دارفور من الكارثة التي ترزح تحتها.
للاستفادة من المبادرة القطرية وتحقيق نجاح في المفاوضات نقترح التالي:
1- أن يبدأ العمل باستضافة مؤتمر تشاوري دارفوري قبل بداية التفاوض وأن يشمل الحوار ممثلين من الحركات المسلحة والإدارة الأهلية ومنظمات المجتمع المدنى والقادة السياسيين والشخصيات الدارفورية الوطنية المستقلة.
ويكون الغرض من الحوار توليد رؤية أهل دارفور وتوحيد بعض الحركات المسلحة لتقليل عددها وتوطيد الرؤية وإستراتيجية التفاوض واختيار وفد التفاوض بواسطة الحركات المسلحة على أن يضم الوفد ممثلين عن جميع الفئات المذكورة سابقاً.
2- لتوفير الوقت والجهد يتعين الاتفاق على فتح اتفاق أبوجا وإعادة التفاوض بشأنه بدلاً من البداية من الصفرعلماً بأن إتفاق أبوجا استغرق الكثير من الوقت والجهد وتضمن على الكثير من المبادئ الصالحة للبناء عليها وتطويرها لاستيعاب النواقص.
3- نواقص أبوجا أصبحت معروفة وهي :
1) إعطاء أهل دارفور منصب نائب رئيس.
2) إعادة دارفور إلى إقليم واحد كما كان عام 1956.
3) إقرار تعويضات عادلة لكافة المتضررين وإنشاء صندوق خاص للتعويضات.
4) وضع آلية واضحة لنزع سلاح الجنجويد ومحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
5) تحديد حصة أهل دارفور من قسمة السلطة وقسمة الثروة حسب نسبة سكان دارفور إلى سكان السودان (18%).
6) النص على ضمانات دولية واضحة لتنفيذ الاتفاق وإدماجه في الدستور الانتقالي.
7) تحديد آلية لدعم إعادة أعمار دارفور بمساعدة الوسطاء وخاصة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوربي وجامعة الدول العربية، علماً بأن دول قطر كانت ولا زالت تقدم الدعم لدارفور وتوجد في قطر لجنة قومية لأعمار دارفور تلقت وعود بدعم سخي لإعادة أعمار دارفور.
8) أي بنود أخرى تقترح بموجب مبادرة أهل السودان وتكون مناسبة ومقبولة كلجنة إكمال طريق الإنقاذ الغربي على سبيل المثال.
4- إقامة مؤتمر حوار دارفوري دارفوري يعقد بدارفور وتكون مهامه بالإضافة للمهام المذكورة بإتفاق أبوجا أن يتولى مهام جديدة تتمثل في إجازة الاتفاق والتقرير بشأن المصالحات القبلية والتقرير بشأن العدالةالانتقامية أو العدالة الانتقالية وإذا تم الإتفاق على الأخيرة يتعين ابتداع صيغة تناسب دارفور وليس بالضرورة أن تكون صيغة منقولة من جنوب أفريقيا أو المغرب, على أنه يجب التمييز بين الجنجويد المحليين والجنجويد الأجانب الذين يجب إبعادهم عن البلاد من جهة والتميز بين الجنجويد والقبائل العربية من جهة أخرى وبين الجنوجيد وبين مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من جهة ثالثة.
5- إقامة مؤتمر قومي جامع يستند إلى مبادرة أهل السودان لربط قضية دارفور بقضية الحكم في السودان ويكون مهمة المؤتمر هو مناقشة القضايا الخاصة بنظام الحكم في السودان والقضايا التي تهم عموم السودان وترتبط بقضية دارفور مثل التحول الديمقراطيوالتعدد الإثني والهوية وقسمة السلطة والثروة على مستوى ولايات السودان المختلفة كمناقشة أن تكون زعامة السودان دورية بين جميع الأقاليم أو مناقشة إعطاء جميع الأقاليم نواب للرئيس.
6- على الحركة الشعبية لتحرير السودان أن تساهم في سلام دارفور بالموافقة على فتح اتفاق نيفاشا دون المساس بمكتسبات الحركة الشعبية لتحرير السودان وذلك بغرض إعادة قسمة السلطة والثروة بشأن نصيب دارفور وربما أنصبة الأقاليم الشمالية الأخرى ككردفان والشرق والشمال حتى لا تنتهى قضية دارفور فيخرج لنا تحدي جديد في كردفان أو الشمال مثلاً وتلك المناطق حبلى بالثورات وهناك إرهاصات عديدة يجب وقفها في مهدها عن طريق المؤتمر الجامع.
وفي الختام أود أن أشير إلى أن الوعي العربي قد أخفق في استيعاب قضية دارفور والتعامل معها سواء من الجانب الإنساني أو من الجانب السياسي لأن الوعي العربي ظل محجوباً عن الرؤية السليمة لقضية دارفور لأنه ظل ينظر إليها دائماً من خلال الصراع العربي الإسرائيلي ومن خلال نظرية المؤامرة الأجنبية لذلك كانت الرؤية العربية دائماً مشوشة وأميل لتصديق روايات الحكومة السودانية وعدم تصديق الحقائق الواردة من مصادر أخرى خاصة وأن وسائل الإعلام العربية كانت غائبة عن الحدث عند تفجره ولا تزال شبه غائبة عن الحدث.
والأن تأتي المبادرة القطرية تحمل في طياتها أمل كبير بأن دور قطر الريادي سيعالج الوعي العربي بقضية دارفور ويجعل الحل الذي يضع حداً لمعاناة أهل دارفور الإنسانية ووضع أسس للتصالح بين جميع السودانيين من خلال تحول ديمقراطي حقيقي وتقاسم عادل للسلطة والثروة وتعايش سلمي يجعل الوطن يتسع لجميع أبنائه وينهض متعافياً.
المحامي/عبد المنعم محمد محمودأبوتفة
الدوحة-قطر 24/9/2004
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة