تأملات في الشأن السوداني
جمال عنقرة
الحرب أفظع من هذه المشاهد
وصلتني رسالة بليغة عبر البريد الإلكتروني من الأخ الأستاذ صلاح الزين تعليقاً علي مقال الإسبوع الماضي الذي حمل عنوان (دارفور بين التهوين والتهويل) وكنت قد تحدثت فيه عن الأحداث المأساوية التي وقعت في معسكر (كلمه) جوار مدينة نيالا حاضرة ولاية جنوب دارفور والذي راح ضحيته عشرات المدنيين عندما هاجمت قوات حكومية فالتين احتموا بالمعسكر وتحصنوا به. ولقد اشتملت رسالة الأستاذ الزين بجانب التعقيب مجموعة من الصور الفوتوغرافية البشعة التي أخذت لمواطنين أصيبوا في الهجوم إصابات لا يقوي المرء علي النظر إليها أكثر من ثوان معدودة مهما أؤتي من قسوة قلب.
هذه الصور أكدت ما قلت به من نهجين متعارضين ظلا يحكمان التعاطي مع قضية دارفور فأوصلاها إلي هذه الدرجة من التأزيم. هما منهجا التهوين والتهويل. فهذه الصور البشعة تحتمل أحد ظنين أو كلاهما معاً. وما صح منهما يشير إلي المعني بوضح جلي. ويؤكد كم نحن بعيدون عن مظان الحل المنشود. فأما أن يكون الذي أصاب هؤلاء قد استهدف تعظيم الإصابة ليكون وقعها هائلاً علي من يشاهدها، أو أن الذي التقط الصور وبثها قد اختار أفظعها وأبشعها ليقول للناس انظروا وحشية الذين هاجوا الامعسكر. وأي ظن يصح من هؤلاء يمثل كارثية الأوضاع . أما الكارثة التي ليس بعدها كارثة هي أن يصدق الظنان معاً.
ورغم اتفاقي مع الأخ صلاح علي هول الواقعة لكنني اعتبر هذه النتيجة ــ رغم فظاعتها ــ أضعف آثار الحرب اللعينة. فبعض الذين وقعوا تحت دائرة الحرب أصابتهم مثل هذه الإصابات المؤذية ودمرت مساكنهم، وضاعت أموالهم، وفقدوا أعزاءهم، وأكثرهم خرجوا من ديارهم هائمين يضربون أرض الله في كل مكان، وتحولوا إلي لاجئين ونازحين ومشردين وهلم جرا. هذا علي مستوى المواطنين الأفراد والجماعات، أما علي مستوي دارفور الإقليم والسودان الوطن، فحدث ولا حرج. فأين (جبل مره) الشمخ جاب مناخ لبنان، وأين 'مليط 'التي حيا الشاعر محياها البهي، وأين دارفور 'الدنقر' و'الدامرقه' و'ام جنقر'. وأين دارفور التي أعلت من ذكر السودان إقليمياً وعالمياً. فمن دارفور كانت تذهب الكسوة السنوية للكعبة المشرفة في عهد سلطانها الأشهر والأشمخ علي دينار. ومن آبار علي الدارفورية جوار مدينة الرسول صلي الله عليه وسلم كان يشرب حجاج بيت الله الحرام الماء الزلال .وفي رواق دارفور في قاهرة المعز لدين الله الفاطمي كان يسكن طلاب العلم في الأزهر الشريف من دارفور ومن عامة السودان، ومن كل ديار الإسلام. ودارفور التي وقفت موقفاً أعز السودانيين جميعاً في الحرب العالمية الأولي حينما خرجت عن طوع دولة الإستعمار الجاثمة علي صدر السودان في ذاك العهد ووقفت حيث تقف تركيا ممثلة الخلافة الإسلامية، هي ذاتها دارفور التي تطاول بسببها المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية لويس أوكامبو علي السودان والسودانيين، وسمى رئيس دولتهم ورمز سيادتها وعزها ومجدها متهماً بارتكاب جرائم حرب وطلب من المحكمة توقيفه لمحاكمته ضارباً بكل القوانين والمواثيق عرض الحائط.
إن الجرح الذي أصاب السودان في أحشائه المكنونة في دارفور أكبر من أية إصابات لحقت بمواطنين من أهل الإقليم في 'كلمه' وغيرها، وهي اصابات تدمي القلوب وتدمع العيون، وتبكي الحجر والشجر قبل البشر. ولا سبيل لايقاف نزف هذا الجرح الغائر في دارفور إلا بالسلام الذي يجب أن يعمل له كل أهل السودان ومعهم أشقاؤهم وأحبابهم. ولا بد أن نكون أنت وأنا أخي صلاح في مقدمة الركب لا في معيته فحسب. ولتكن تلك الفظائع دافعاً أقوي لمزيد من الجد والاجتهاد من أجل السلام الشامل والعادل.
جريدة الأخبار المصرية الثلاثاء 23/9/2008م
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة