تحليل سياسي
أحداث 11 سبتمبر... الطوارئ كأداة تغيير محلية أو عالمية
أبوذر علي الأمين ياسين
بدأت ثورة الإنقاذ الحالية في الظهور والرسوخ بإعلان حالة الطوارئ في كافة أنحاء البلاد، كان ذلك مع نجاح الانقلاب على الديمقراطية الثالثة، وارتبطت أهم محطات التغيير ضمنها كذلك بإعلان حالة الطوارئ، وهو ما بات يعرف بقرارات 4 رمضان التي أعلنت الطوارئ وعطلت البرلمان وانتهت تداعياتها بخروج زعيم الحركة الإسلامية وقيادته لحزب جديد عرف فيما بعد بالمؤتمر الشعبي. ولا نريد أن نستبق الأحداث ولكن مؤشرات المشهد السياسي في أعقاب مذكرة مدعي محكمة الجنايات الدولية اوكامبو تشير إلى أن التغيير القادم أياً كان سيكون هو احدي أهم محطات (إعلان حالة الطوارئ) قادمة لا محالة، والتي قد تكون بداية جديدة (لاستمرار) الإنقاذ بعد إبعاد بعض الأشخاص، وقد تكون آخر محطات سني حكم الإنقاذ.
إذا كانت (الطوارئ) هي المعلم الأهم في مسيرة الإنقاذ كونها أداة سيطرتها الأولى، وأداة التغيير والتجديد ضمنها كما توحي بذلك قرارات 4 رمضان وما أفضت إلية. أو كرد فعل لما ستفرضه قرارات محكمة الجنايات الدولية في مقبل الأيام بغض النظر انتهي ذلك بتجديد واستمرار الإنقاذ أو بتغييرها وإعلان نهايتها. السؤال إذن هو كيف تأثر نظام الإنقاذ ذاته بحالات الطوارئ العالمية وبالتحديد حالة الطوارئ التي أعلنتها أمريكا في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001م الشهيرة؟.
حالة الطوارئ هي أقوى تجسيد للسيطرة عبر وسيلة القوة المباشرة. وبما أن نظام الإنقاذ جاء وفرض نفسه بالقوة، وأصبحت القوة وليس غيرها بل وفي أقوي مظاهر تجسيدها هي أداة الإنقاذ للتغيير كما حملت أحداث رمضان وانشقاق الإسلاميين الشهير مؤشرات ذلك. عليه تكون (القوة) هي المعيار الذي يحكم المقارنة بين طوارئ الإنقاذ و طوارئ الأمريكان أو أحداث 11سبتمير الشهيرة. فتكون الإنقاذ وفقاً لتلك المقارنة القوة الوحيدة المسيطرة (داخل) السودان، لكن بالمقابل أمريكا هي القوة الوحيدة المسيطرة على (العالم) أو هكذا بدت في أعقاب تلك الأحداث. فكيف سيهدي ويؤثر التفكير والتعامل بالقوة العلاقات بين السودان وأمريكا؟ هذا هو الموضوع الذي نريد سبره.
والطوارئ هي حالة التأكيد والتأكد من فرض قوة واحدة لها كامل السيطرة والإذعان على كل قوى موجودة أو محتملة الظهور. هدفها المباشر الإخضاع الكامل لمجال نفوذها وفرضه. وعليه وضمن هذا الإطار فرضت الإنقاذ سيطرتها الكاملة عبر القوة وفق كل أدواتها وتمظهراتها، لكنها ارتخت كثيراً ضمن الداخل السوداني بعد التوقيع على اتفاقية السلام الشامل، وبعد ظهور الحركات المسلحة في الشرق والغرب، هذا إضافة لاحتمالات ظهور أخريات في كل زمان ومكان، بما يفيد أن الإنقاذ خسرت كثيراً سيطرتها وأضحت في اضعف حالاتها مع مرور الزمن وهي تستقبل عامها العشرين، وبما فرطت بسؤ سياساتها خاصة تجاه القوي السياسية والمدنية مما جعلها في مواجهة (القبلية) التي كانت ترجو منها أن تكون سلاحاً لها كامل التحكم فيه ولكنه استعصى عليها وكان أقوى عوامل تراخي وتراجع قبضها وقوتها.
الإنقاذ وهي تواجه هذا الوضع الجديد وجدت نفسها في مواجهة طوارئ أمريكية أعقبت أحداث تفجير برجي التجارة بنيويورك في 11 سبتمبر العام 2001م، حيث أعلنت أمريكا أن العالم بالنسبة لها إما معها أو ضدها في ما واجهته من أحداث، وأنها ستتعقب الفاعلين في كل زمان ومكان، وكان السودان حتى وقتها ضمن لائحة الدول الداعمة للإرهاب الأمريكية، بل كان من الدول التي سعت حثيثاً للتعاون مع الأمريكان فيما يخص اتهامها بدعم وإيواء الإرهاب العالمي. وكانت حالة الطوارئ الأمريكية تلك هي الدافع للاستلام الإنقاذي للأمريكان ولكن كيف تعاملت الإنقاذ مع تلك الطوارئ؟، وكيف خططت للاستفادة منها في دعم تأكيد وفرض سيطرها على (الداخل) السوداني الذي كانت الطوارئ احدي أدوات بقاء الإنقاذ واستمرارها ضمنه؟!.
مع أحداث 11 سبتمبر كان السودان بعيداً عن وصف الدولة أو وضعها!، ذلك أن القوي التي جاءت بالإنقاذ قد بلغ بها الضعف حد الانشقاق، ودخلت الحكومة في اتفاق سلام مع الحركة الشعبية التي كانت تقاتل في الجنوب وأصبحت جزء من (القوة) الحاكمة في الشمال مع انفرادها بحكم الجنوب، وأضحت الأطراف كلها إما خارج سيطرة الحكومة كما هي الحال بدارفور التي تنشط فيها مجموعة حركات مسلحة، أو قوى دخلت في اتفاق مع الحكومة كما هو الوضع بالشرق، أو مناطق غير خاضعة كما هو الحال بجنوب كردفان، أو في طور التمرد كما هو الحال في الشمال ومناطق أخرى بكردفان مرشحة للتمرد المسلح الذي يبادل القوة بالقوة.
في ظل وضع اللا دولة هذا رأت الإنقاذ أنها مهددة من الخارج بشدة بأكثر مماهي مهددة من الداخل، وجاءت أحداث 11 سبتمبر لتفرض عليها التعامل مع الأمريكان الذين كانوا يعلمون أنهم لا يتعاملون مع دولة تستحق وصف الدولة أو لها كامل مقومات الدولة. وهذا الوضع هو الذي يبرر دخول السي أي آيه وليس الخارجية الأمريكية في التعامل مع الخرطوم!!، ذلك أن الخارجية الامريكية هي المدخل والعنوان لتعامل دولتين بندية وفقاً لقواعد التعامل والعلاقات الدولية. وعليه تكون مباشرة السي أي آيه للتعامل المباشر مع الخرطوم هو تقليل لدولة السودان ذلك أن العلاقات كان مدخلها (مؤسسات) غير سيادية هي التي تتولى العلاقات بين البلدين، وهذا وضع شاذ، لكنه أبرز شذوذاً أخطر؟!!.
على محك التعامل عبر المؤسسات الأمنية بين السودان وأمريكا وضح للأمريكان أنهم حتى على هذا المستوى لا يتعاملون مع مؤسسة أمنية لها كامل مواصفات ومقومات المؤسسة، بل يتعاملون مع رجل واحد هو رأسها، وأن مؤسسة الأمن السودانية هي في الحقيقية رجل واحد له كامل السيطرة وله كامل القدرة على تحريك كل شئ فيها وانجاز كل شئ مطلوب منه هو بما أنه المؤسسة ذاتها، كل الوعود أو المكاسب المترتبة على تلك العلاقة كانت بالنسبة للأمريكان تعود على شخص قائد تلك المؤسسة السودانية وليس بأي حال على الدولة أو الحكومة كونها بلا دور فكل شئ بيد قائد ذلك الجهاز المؤسسة التي هي في الحقيقية رجل واحد. يؤكد ذلك بوضوح ما أوده الصحفي (كين سيلفيستر) بصحيفة الشرق الأوسط 18 يونيو 2005 العدد 9699 والذي تحدث عن رد فعل الادارة الامريكية على زيارة سرية رتبتها السي أي آيه لمدير المخابرات السوداني وتقول حسيات الخبر الآتي: " قالت مصادر أميركية أن قرار وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أي) بنقل مدير جهاز الأمن والمخابرات السوداني إلى واشنطن بغرض عقد اجتماعات سرية تهدف إلى تمتين علاقات التعاون في مجال الحرب ضد الإرهاب، أثار معارضة حادة داخل إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش إلى درجة أن بعض المسئولين اقترحوا اعتقاله خلال وجوده في واشنطن إبان الزيارة المذكورة. وتعرض النقاش والجدل الذي أثير حول زيارة اللواء صلاح عبد الله قوش، مدير جهاز الأمن والمخابرات السوداني، الذي تواجه حكومته تهما من واشنطن بارتكاب جرائم إبادة في إقليم دارفور، إلى لب الجدل حول علاقات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مع أجهزة الأمن والمخابرات الأجنبية. وقال المسئولون الذين انتقدوا زيارة مسئول الأمن والمخابرات السوداني أن التعامل مع دول مثل السودان يبعث برسالة فحواها أن الولايات المتحدة ليست جادة إزاء قضايا ترقية الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان. ويقول خبراء في شؤون الاستخبارات أن واشنطن ليس أمامها خيار فيما يتعلق بالمساعدة في حربها على الإرهاب سوى الاعتماد على بعض الحكومات ذات السجل السلبي في مجال حقوق الإنسان." بل نفس المصدر يؤكد أن سلامة رجل الاستخبارات القوي وعودته إنما تمت وفقاً لتسوية بين السي أي آيه ووزارة الخارجية والعدل الأمريكيتان وجاءت بالنص وفقاً لذات المصدر كالتالي: " وأشار مصدر مطلع إلى التوصل إلى تسوية في وقت أوشكت فيه خطط الزيارة على الانهيار. فقد جرى التوصل إلى تسوية مع معارضي الزيارة في وزارتي الخارجية والعدل سمح للواء قوش بموجبها بالزيارة ولكن ألغي اجتماع كان مقررا عقده بين قوش ومدير السي آي أي، بورتر غوس. من جانبها رفضت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ووزارة الخارجية والحكومة السودانية التعليق على الجدل الذي دار حول زيارة اللواء قوش لواشنطن وذلك بسبب حساسية العلاقة."-انتهي الاقتباس من المصدر السابق-. ولعل ما تناوله كين سيلفيستر يوضح أن التعامل لم يكن بأي حال من الأحوال مع دولة أو حكومة مقابل دولة أو حكومة بل مع فرد قد تتعامل مع الدولة الأخرى بغير ما تعاملت معه المؤسسة التي رتبت رحلته الشهيرة تلك. وليس حديث كين سيلفيستر هو المؤشر الوحيد بل هناك مؤشرات عددا تقول أن التعامل لم يكن على مستوي دول تتبادل التعاون والمصالح ذلك أن مستوي العلاقة الذي كان محل إعجاب من قبل السي أي آيه لم يرقى أبداً وحتى هذه اللحظة إلى رقع اسم السودان عن قائمة الدول الراعية للإرهاب برغم من أن مجال التعاون محل إعجاب السي أي آيه كان محاربة الإرهاب وليس شيئاً آخر!!.
لكن الأرهاب نفسه موضوع فيه الكثير من ملامح القوة واستخداماتها بما يكفي ليجعله أداة طوارئ للتعامل مع الآخرين أياً كانوا. ذلك أن ما تعلمته الاستخبارات السودانية واستفادت به من تعاملها مع السي أي آيه هو بالتحديد شكل توظيفها واستخداماتها للإرهاب في تصفية خصومها أو اختصار المجهود أمامها في مواجهتهم. وهو الملمح الذي كشفته مواجهة الحكومة اللبنانية لتنظيم فتح الإسلام بنهر البارد الشهيرة، حيث تم اتهام التنظيم بالانتماء لحزب الله وسوريا، لكن الصحفي الأمريكي الشهير سيمور هيرش كشف أن تنظيم فتح الإسلام هو تنظيم أمريكي سعودي تم تأسيسه على خلفية سنية لمواجهة حزب الله ضمن إستراتيجية أمريكية تهدف لمواجهة الانتشار الشيعي أينما كان وكيفما كان، وأن نمط خلق فتح السلام يحمل كل الملامح التي ولدت طالبان وتنظيم القاعدة من قبل.
ويبدو أن عجز الدولة السودانية من التعامل بندية مع الأمريكان دفع بها لتبني نمط فتح الإسلام في مواجهة الأمريكان لتحقيق التوازن الذي ذهب لصالح شخص بدلاً عن الحكومة أو الدولة. وهو النمط الذي حملته أحداث تفجيرات السلمة واختفاء أبناء بعض الشيوخ المنتمين للوهابية السعودية، وأخيرا حادث اغتيال الدبلوماسي الأمريكي قارن فيل. وكان قد سبق كل ذلك التلويح المستمر بأن قدوم أي قوات دولية لدارفور سيدفع بتنظيم القاعدة للسودان والنشاط فيه.
وتبقى المحصلة هي أن أحداث 11 سبتمبر التي بلغت ذكراها السابعة أوضحت لنا نحن السودانيين أن عهد الإنقاذ شهد اختفاء التنظيم والحزب والدولة، وانتهي إلى جهاز قابض على السلطة يقف عليه بضع أفراد كل شئ بالنسبة لهم مهدد وهم كل شئ. وعلى كل حال لا توجد دولة ولا يوجد نظام أو تنظيم أو حزب، وأن الدولة مجودة اسماً وشكلاً لكنها قد تكون (في القريب العاجل) أكثر من دولة.
ويبقى السؤال إذا كانت طوارئ أحداث 11 سبتمبر كشفت كل ذلك، وفعلت كل الذي فعلت. ماذا ستفعل طوارئ المحكمة الجنائية الدولية باللا دولة واللا حزب واللا تنظيم؟. وهل مجاهدي (فتح الإسلام) النسخة الإنقاذية سيستطيعون مواجه الهجمة العالمية القادمة؟، خاصة وأن الشعب السوداني معامل غير وارد ضمن هذه المعادلات اللهم فقد إلا الفرقعات والتهويش الإعلامي.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة