|
|
Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55 |
هوية السودان بين المطرقة والسندان/ هشام الشايب
ربما أكون من السودانيين القلائل الذين زاروا جميع البلدان العربية تقريبا من مشرقها إلى مغربها وذلك بحكم وظيفتي السابقة في مكتب الإحصاء التابع للأمم المتحدة ، لا أود أن اتهم بأني عنصري ، فقط لتقريب الصورة إلى القارئ أود أن أقول بأن ملامحي وشكلي الخارجي لا يوحي بأني سوداني بحكم الصورة النمطية لملامح الشخصية السودانية المتداولة في الخارج .
في معظم البلدان العربية التي زرتها وخصوصا في دول الخليج العربي كان يطرح على سؤال ثابت ألا وهو ما جنسيتك ؟ ( إلى هنا فإن الأمور عادية ربما يكون السؤال للتعارف ) لكن عندما أرد بأني سوداني - وأنا افتخر بسودانيتي حقا - ؛ كنت ألاحظ أن هناك الكثير من علامات التعجب والاستفهام اللاإرادية التي تظهر في وجوه السائلين .
ما كنت أفهمه حينها ( كيف تكون سوداني وشكلك لا يوحي بذلك!!!!!! )
كنت أتعمد أحيانا محاولة استثارتهم والدخول معهم في جدل محدود حول هوية السودان وعروبة السودان وأفريقية السودان . وقد توصلت من خلال هذه المناقشات التي تتخللها الدعابة والنكتة في كثير من الأحيان إلى نتائج حقيقية واقعية ( فقط احتاج إلى استبيانات يتم توزيعها على البلدان العربية لأجل توثيق دراسة علمية بهذا الشأن ) . من أهم هذه النتائج : أن العرب لا يحبون انتماء السودانيين إليهم ، وأن كثيرا من السودانيين وخصوصا في البلدان العربية يخجلون من هويتهم الأفريقية ، أن الهوية السودانية الحقيقية هي الهوية السودانوية .
أن سؤال الهوية عاد إلى الواجهة مرة أخرى ، وبكثير من الإصرار والإلحاح في الآونة الأخيرة، وتزامن ذلك مع تعالي أصوات دعاة العروبة أو الأفريقية الذين وضعوا إطارا منظما لخطابهم، عقب التطورات والأحداث التي وقعت في السودان وفي الصعيدين العربي والأفريقي.
وعلى الرغم من أن الكثيرين يعتبرون أن سؤال الهوية يقع ضمن دائرة خطاب الصفوة، وانه لا يمس الحياة العادية للناس، إلا أن البعض الآخر يجادل على أهمية السؤال بصفته مدخلا لرسم ملامح الشخصية السودانية وانتمائها العرقي والإثني .
إن الجدل حول الهوية بدأ الآن يأخذ طابعا صداميا في السودان ، وقد خرج هذا البعبع من قمقمه نتيجة للإحباط الذي أصاب المجتمع مما أعطى طرح هذا السؤال مشروعية أكبر ، وكان لظهور الخطاب العربي الإسلامي ، والخطاب الأفريقي دورا كبيرا في تأجيج الصراع حول الهوية.
لا أحد ينكر أن السودان دولة أفريقية وأن معظم قبائله غير عربية لكن أيضا تسود فيه الثقافة العربية، وان اللغة العربية هي لغة التواصل بين اغلب أهله، فهل اللغة العربية في حد ذاتها تعبر عن الهوية العربية والانتماء إلى أمة العرب ؟ فإن كان الوضع كذلك لنسبنا الدول التي تتحدث الإنجليزية إلى إنجلترا والإسبانية إلى إسبانيا والفرنسية إلى فرنسا . إذا اللغة ليست الفصل في هذا الموضوع الشائك .
لا أحد ينكر أن الدين الإسلامي هو دين الأغلبية من أهل السودان ، فهل الدين الإسلامي في حد ذاته يعبر عن الهوية العربية والانتماء إلى العرب ؟ فإن كان الوضع كذلك لنسبنا الدول التي تدين بالإسلام مثل إيران وباكستان والشيشان والبوسنة وكثير من مسلمي قارة أفريقيا وأوروبا وآسيا إلى العرب .
أن أحد أسباب صعود سؤال الهوية والدعوات المطالبة باختيار الهوية الأفريقية، مرتبط إلى حد كبير بما بالواقعية العرقية والإثنية لدى السودانيين ، حتى هؤلاء الذين ترجع أنسابهم إلى العرب نجد أن الدم الأفريقي والملامح الأفريقية بارزة واضحة في وجوههم وسحناتهم وقد اختلط الدم الأفريقي وبنسبة عالية في دمائهم لدرجة أن لا تجد فرقا في كثير من الأحيان بين العربي والأفريقي السوداني من حيث اللون أو أو ملامح الشخصية .
يجب أن لا ننكر لعرب السودان عروبتهم ، ويجب أن لا نسلب أفارقة السودان من أفريقيتهم ، ولعل الرافضون لعروبة السودان يؤسسون دعوتهم على رفض بعض الدول العربية مساعي السودان للانضمام إلى جامعة الدول العربية عام 58 باعتبار أنه دولة غير عربية، ويتندرون على الاقتراح الذي طُرح بتسمية الجامعة "جامعة الدول العربية والسودان" وهذه حقيقة واقعة لا يجب أن نتجاهلها أو ننكرها .
إن السودان طالما عاني من الهوية العربية التي فُرضت عليه إبان موجة المد العروبي في الستينات، وان الانتماء إلى العرب انتماء زائف وغير حقيقي ، وأسوأ ما قد تراه عند العربي تلك النظرة الدونية الاحتقارية التي يرمقون بها السودانيين ( عربهم وأفارقتهم على حد سواء ). نحن غير معترف بنا من جانب العرب هذه حقيقة تلمستها بنفسي في أكثر من بلد عربي ولا داعي لأن ندفع أنفسنا دفعا لكيان نقترب منه بطريقتنا الخاصة ويبتعد عنا بطريقته الخاصة .
أن السودان يتكون من شعوب وأمم وقبائل تريد أن تعيش في تراب السودان تحت مسمى هوية السودان عيشا مشتركا كريما يتساوى فيه جميع أبناء هذا الوطن يتقاسمون فيه المال والسلطة ولا يميز بينهم العرق أو الدين أو اللون فالهوية الجامعة لأهل السودان يجب أن تكون السودانوية .
© Copyright by SudaneseOnline.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة
الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة
عن رأي الموقع