عندما يحتاج الفاشل إلى معجزة..!
الصادق الرزيقي
من السذاجة أن يتصور بعض المتعلقين بخيوط الوهم من مناصري الحركة الشعبية، أن خروج باقان أموم الأمين العام للحركة الشعبية من منصبه الوزاري هو بمثابة إحياء للأمانة العامة للحركة وتفعيل دورها، وسيجد باقان نفسه أمام باحة واسعة للعمل السياسي المفتوح بعد أن تخلص من عقابيل الوظيفة الدستورية وقيودها، هذه سذاجة مفضوحة لو توهَّم هؤلاء، فباقان كان قد سعى بيديه وأرجله ولسانه وقاتل قتالاً شرساً للوصول إلى بغيته واحتلال الموقع الوزاري واستطاع مع مجموعة داخل الحركة إبعاد د. لام أكول في التشكيل الوزاري الأول الذي دفع به رئيس الحركة بعد إنهاء المقاطعة للحكومة الاتحادية نهاية ٧٠٠٢م وتمكن باقان بالضغط الداخلي والخارجي والأمريكي على وجه التحديد من إبعاد لام أكول الذي رُشح ثم عُيِّن في المقترح الأول الذي قُدِّم لرئيس الجمهورية، وكان باقان يمنّي نفسه بأنه يستطيع من شُرفة الوزارة السيادية المهمة أن يُطلق نيرانه في كل اتجاه وأن يشغل وظيفته الرفيعة في خدمة أهدافه ومشروعه السياسي، ولم يكن يتخيل نظراً لقلة خبرته بإدارة الدولة وميكانزم عملها الراتب، ولدوغمائيته الحادة، أن يخفق في كل شيء، ولم يكن له رصيد من نجاحات على المستوى التنفيذي شيئاً، فكما جاء وجلس، راح واستراح، وأزمة باقان أنه نوع تقليدي من غلاة السياسيين المتشبثين زوراً وبهتاناً بجوخ الشعارات الثورية وتتقمصه روح متخيَّلة لأزمنة مغبرة للعمل السياسي الراديكالي الهتافي الرخيص..
وكانت غاية باقان هي نفث سمه السياسي على غرمائه وخاصة شركائه في الحكم، وتلك حالة في غاية الانحدار، أن تكون شريكاً وعدواً في ذات الوقت، تصافح بيد وتطعن بالأخرى، وأبلغ صورها محاولة التصنُّع والتزلُّف لقضايا الجماهير والناس من باب المزايدة، ومخادعة الجميع من باب الادعاء الأجوف، وكثيراً ما يُضبط متلبساً وهو في هذيان سياسي يستعير مفرداته من قاموس قديم مهتريء لا يصلح لاستخدامات الواقع الراهن.
❊ لكن الأهم من هذا كله، أن الموقع الوزاري الرفيع لم يدركه الذوبان في سطل باقان الممتليء بسائل أحلامه واعتقاداته السياسية والفكرية، واستعصى عليه أن يلعب الدور المزدوج بسهولة، فتشابه عليه البقر وكل شيء، فأطلق نيران أحاديثه وتصريحاته المشينة، التي كانت ببساطة خروجاً على التواثق الداخلى للشراكة وضد فكرة وحدة الحكومة دع عنك حكومة تعبر عن ما يسمى بالوحدة الوطنية وضد المتعارفات والأعراف التي تضبط العلاقات الأفقية والرأسية في عمليات التشارك السياسي الذي يطمح لبناء وتعزيز ثقة لتنفيذ اتفاقية اتفق عليها طرفا هذا التشارك.. غير هذا، فإن السيد باقان الذي أقيل بعد تشكيل لجنة للتحقيق معه ومحاسبته على تصريحاته، وبعد اعتصامه بجوبا، وابتعاده عن الخرطوم، أرادت الحركة الشعبية، تجميل صورة القرار المتَّخذ أصلاً منذ تشكيل اللجنة، فقد كان واضحًا منذ البداية أنه لن يعود للوزارة مرة أخرى فقد لفظته الحكومة ولم تستسغ طعم أحاديثه الطائشة، لكن الحركة أرادت أن تحفظ له بعض ماء الوجه، وذلك من خلال التبريرات، أن القرار هو قرار الحركة بأن لا يجمع بين منصبين، وأن يتفرغ للعمل السياسي والتنظيمي داخل الحركة.
هذا التبرير رغم وجاهته وصحته، لا يحمل كل الحقيقة وهو تخريج للقرار بإبعاده عن الوزارة ليس إلا..
السبب في قولنا هذا أن أسوأ فترة عاشتها الحركة الشعبية تنظيمياً وسياسياً هي فترة السيد باقان قبل أن يدخل الوزارة وبعدها، وقد كانت هناك محاولات لإبعاده لفشله من الأمانة العامة للحركة الشعبية خلال مؤتمرها العام الثاني الذي عُقد في مايو الماضي بجوبا. وكاد يُزاح إلى خارج دائرة الفعل السياسي لولا رحمة أصابته من روجر ونتر المستشار الخاص بالحركة والعرّاب الأمريكي لأولاد قرنق.
لقد كان باقان أموم أكبر وأهم الفاشلين خلال الفترة الماضية؛ فقد فشلت الحركة تنظيمياً وسياسياً في الجنوب ولم تفعل شيئاً هناك، حتى في مؤتمرات التصعيد لمؤتمرها العام سقطت قيادات ورموز معروفة في انتخابات التصعيد من بينهم نائبة باقان، آن إيتو رئيس قطاع الجنوب، وأخفق باقان ومجموعته في الجنوب، مثلما أخفق ياسر عرمان في الشمال، ولا يسلم جسد قطاع الشمال الآن من طعنة سكين أو ضربة »عكاز« أو عاصفة خلافات حادة في كل مكان في شمال السودان وتنامي الرفض القاطع لعرمان..
❊ نخلص من هذا إلى أن باقان الفاشل وزارياً كأضعف وزير لرئاسة مجلس الوزراء على مر تاريخ البلاد ولا يحمل سجله عملاً واحداً يُحسب له ولا مبادرة ولا إنجاز، فإن باقان الفاشل تنظيمياً كأمين عام للحركة شهدت خلال وجوده في قمة أمانتها العامة، تراجعاً جماهيرياً واضطراباً تنظيمياً وصراعات داخلية وتصفية حسابات وضرب تحت الحزام لن يستطيع الأمين العام وهو يلعق جراحات تجربة سياسية تنفيذية مخفقة، أن يعيد للحركة التوازن المطلوب.. فقد كان من محاور الصراع داخلها وأحد بؤر التناحر الداخلي، لن تستفيد منه الحركة تنظيمياً إلا إذا كانت زيارته الأخيرة لواشنطون ولندن ستعيد له ما فقده من نفوذه وتجدد خلايا وصفائح دمه السياسي المسفوح على نصب المنصب الوزاري.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة