التجربة الإسلامية ليست نهاية المطاف والمتورطون مشاربهم متعددة.. رؤية نقــــــدية
درج بعض الكتاب والمفكرين وإلي حدٍ ما قليل من الصحفيين , إلي نعت من يحكمون الآن في السودان ـ طبعاً باستثناء الجنوبيين ـ بالإسلامويين تارةً وتارةً أخرى بالانتباهيين , ورأيت من ناحيتي ـ حين أردت الحديث عنهم ـ أن أسميهم بالإسلاميين , وذلك لسببين , أولهما : هو أن لا أكون مقلداً ومردداً بصورة عمياء لمصطلحاتٍ قد لا تستند إلي جذر علمي مؤسس , الأمر الذي قد يُحرج مستخدميها لدى أي مواجهة علمية أو فكرية عبر أي من تقنيات الاتصال المباشرة , ليس بالضرورة محلياً بل يمكن عالمياً , والعالم الآن أصبح قرية صغيرة , أو قل قرية كبيرة أمكن التواصل بين ساكنيها بصورة سريعة .
الأمر الثاني : وهو أن نسأل أنفسنا: ماذا نريد أن نقول ؟ و ما الرسالة التي نريد لها أن تصل , ولمن ؟ وماذا تعني الأسماء ؟ و ما هي الدلالات الفلسفية لها ؟ و هل أن هنالك بعض الأسماء لها قدسيتها ؟ ثم هل تصحيفنا لاسم ما أو استخدامنا لنعتٍ معين سيخدم قضيتنا في شي ؟ أي بمعنى آخر هل أن التصحيف والتحوير والتصغير والتقبيح والتمليح وما إلي ذلك هي من أشكال النضال المجربة والفاعلة في الانتصاف والانتصار لقضايا الشعوب ؟ .
هذه الأسئلة سنحاول الإجابة عليها , ليس بصورة قطعية , ولكن بالقدر الذي يسمى مساهمة من جانبنا ويترك ما تبقى لكم , إذ أن الأمر في الأساس المقصود منه رؤية نقدية تقويمية لواقع نتلظى كلنا من نيرانه .
و في محاولة للإجابة على ما تقدم من تساؤلات , مع مراعاة أننا نتحدث عن تجربة الحركة الإسلامية في السودان , هل نريد أن نقول أنها فاشلة وأثبتت عدم مصداقيتها فيما رفعته من شعارات ؟ فإذا كانت هذه هي الإجابة , فلماذا لا نعريها ونقوم بفضحها وكشفها للعالم , و التمييز بين ما تقوم به وبين ماهية الإسلام كما هو في أصوله وتمليك الحقائق من ثم للمواطن السوداني البسيط وهو الأولى بالتوعية لأنه هو الذي يطأ الجمرة أكثر من غيره , بدلاً عن أن نقوم بتطويع الكلمات ونحتها ونقشها و إلباسها دلالاتٍ بنيوية جديدة والتحليق بها من بعد في فضاءات صفوية نخوبية لا تلامس أرض الحياة اليومية , أردت من هذا أن أقول لماذا لا نحاكم الأفعال وندع الأسماء كما هي , أليس في هذا شي من المنطق؟
الأمر الآخر أليس من المحتمل أن يؤدى بك استخدامك لمفردة معينة أو لفظ معين بالوقوع في دائرة المحظور ؟ الأمر الذي لا يخدم قضيتك التي تناضل من أجلها , بل قد يؤخرها ويجلب لها نتائج عكسية أنت في غنىً عنها .
وأخيراً , في هذا الجانب , هل إصرارنا على المصطلحات و لتها وعجنها و مضغها وغسلها ونشرها هو شكل من أشكال النضال ؟ أليس الهدف من النضال هو نشر الوعي لأوسع قطاع من الجماهير و بأبسط لغة وأيسر طريق ؟ أليس من نحاربهم اليوم بالتعقيدات المصطلحية هم أقرب إلي أفئدة العوام لأنهم خاطبوهم باللغة التي يفهمونها ؟ أليست زيارة البشير الأخيرة لدارفور كانت بمثابة استفتاء يصب في خانة الإسلاميين على الرغم من دمويتهم ؟ والأمر ببساطة لأنهم ـ أي الإسلاميين ـ قد خاطبوا المواطن باللغة التي يريد أن يسمعها أو بتلك التي يفهمها .
أيها الأعزاء : لم أقصد أن ننحط بلغتنا في الخطاب أو نفرغ النص من قالبه اللغوي الرفيع , بل على العكس من ذلك تماماً , فالدعوة موجهة للارتقاء بالنص وبالمصطلح بالشكل الذي يجعل خصمك يحترمك , ربما يستغرب البعض هذه العبارة , كيف يكون الخصم محترماً ؟ إذا أردت الانتصار والسلامة فأحترم خصمك , قالت نملة : [ يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده ] , الإنسان عدو دواب الأرض التافهة التي من جنس الحشرات , والتي ألهمها الله شي من العقل تحترمه لأجل السلامة والظفر ببقاء النوع و من ثم الانتصار على الفناء وعلى الانقراض .
وعلى ذكر النمل أيضاً , أذكر أن أحد أساتذتنا الكبار في المرحلة الابتدائية ويدعى علي قسم السيد كان دائماً يردد : [ إذا عدوك نملة فلا تنم له ] , وكنا غالباً ما نستغرق في الضحك عند سماع هذه العبارة وذلك لما اشتملت عليه من سجع أو حشراتٍ مسجوعة أو شي من هذا القبيل ولم نكن نعلم أنها حكمة على قدرٍ عالٍ من الأهمية بالنسبة للأفراد وللشعوب على السواء . و الآن نعود للعنوان الرئيس لهذه الورقة وهو تجربة الإسلاميين في السودان , وقبل أن ندلي برأينا حولها نود أن نستدل برأي واحد من قياداتها الذين نحسب أنهم من مثقفيها أو ما يمكنك أن تسميهم [ بالانتلجسيا ] الإسلامية , وهو الدكتور / أمين حسن عمر , فماذا قال عنها :
[ إن مقاربة الحركة الإسلامية للمشروع الإسلامي , لا تعدو أن تكون مسعى جماعة مجتهدة تخطئ وتصيب , تخفق وتقصر , تتقدم وتتراجع , ولكن النجاح الأكبر هو أن تظل المسيرة ماضية تبني على إنجازاتها وتصحح أخطائها ... ] .
المصدر : دراسة : بعنوان , مقاربة الإنقاذ للمشروع الإسلامي , وأثرها على مستقبل الإسلام في السودان , سودانا يل , : الأستاذ / أمين حسن عمر
ونحن هنا لسنا بصدد جرد حساب بصورة ميكانيكية , أو استخدام أي من المعايير الإحصائية لمحاكمة تجربة الإنقاذ من حيث النجاح أو الفشل , الربح أو الخسارة , وذلك لأنه من المؤكد هنالك خسارة وهناك إخفاق وهناك تقصير وهنالك أخطاء وبالتالي فإن هنالك جريمة اُرتكبت في حق الشعب السوداني , عمقت من جراحه المتقيحة من أساسها وزادته أزمة على أزمته التاريخية التي أعجزت أي مداوٍ عن استئصالها ..وإنما كان سعينا هو الاعتراف بوجود هذه الأشياء كلها أو بعضٌ منها لا يهم يكفي الإقرار , وفي هذا الجانب كان الدكتور أمين حسن عمر شجاعاً , في مبادرته إذ لم يسمو بالإسلاميين إلي مصاف الملائكة , كما فعل ويفعل نفر من أبناء جلدته المعصومين !!
وأمر آخر و هو أننا كما ذكرت , لا نريد أن نضع الأشياء بشكلها الآلي , ونقول بالتالي للدكتور أمين أن ما اقترفتموه من جرائم كان بشعاً وفظيعاً ومؤلماً ويتجاوز حتى حدود النقد الذاتي الذي تفضلتَ وتقدمت به بتلك الصورة المهذبة التي افتقدناها طويلاً في الساحة السياسية السودانية , هذا إن لم نقل أنها غير موجودة أساساً .
ونريد الآن أن نطرح سؤالاً نقدياً ونعتقد أنه سؤالاً عادلاً وملحاً , يحتاج إلي إجابة من كل الأطياف السياسية التي تصطرع في الساحة السودانية , وبكل شفافية وجرأة إذ لا تكفي الشفافية وحدها , والسؤال هو , بل هي عدد من الأسئلة التي يولد بعضها بعضاً مثل موجات الماء : هل أزمة السودان الحالية سببها الأول والأخير هم الإسلاميين ؟ وهل لو أن ذهب الإسلاميون , اليوم أو غداً أو بعد عقدٍ من الزمان , ستكون تلك هي نهاية المطاف لمشاكل السودان وأزماته المتلاحقة ؟ وهل يمكننا أن نحل مشكلة ما بنفس العقلية التي أنتجتها كما قال انشتاين ؟ وأخيراً هل الإسلاميين هم المتورط الوحيد ـ المشتبه ـ [ The only suspect ] أم أن هنالك متورطون آخرون من مشارب متعددة ؟
تلك هي الأسئلة التي نعتقد أن الإجابة عليها وبشكل صريح ومباشر من جهات الاختصاص المعنية , أحزاب ومؤسسات ومنظمات مجتمع مدني و أفراد ومفكرين ومثقفين وقطاعات نسائية ورجال دين ـ إسلامي , مسيحي ,يهودي , سبور , كجور إلي آخره , حينما يجتمع هؤلاء جميعاً على طاولة واحدة ويستمع أحدهم أكثر مما يتكلم , عندها نكون للوهلة الأولى قد وقفنا عند بداية المضمار إيذاناً ببداية المشـــــــــــــوار .
حــــــاج علي /
الســـــــعودية
Thursday, September 18, 2008
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة