بسم الله الرحمن الرحيم
الساق المبتورة .. والديك كوكو .. كوكو !!
توفيق عبد الرحيم منصور
mansourtewfik@hotmail.com
http://www.tewfikmansour.net
كنا في (عزومة) سودانية خارج الديار ، وكالعادة فنحن لا يُشق لنا غبار في النقاش سياسياً، أو تحليل الأوضاع المعقدة عالمياً وإقليمياً ومحلياً، وكذا الرياضة (عيني باردة علينا) .. وارتفعت الأصواتُ و (جاطت) الدنيا .. ( الانتخابات .. أوكامبو .. .. فلسطين .. العراق .. أمريكا .. الغلاء.. الهلال .. المريخ.. سلفاكير .. الميرغني .. دارفور) ، فالكل يتكلم في نفس اللحظة بحيث لا تدري من المستمع ، فجميع الأفواه مفتوحة على مصارعها وكأنهم على كرسي طبيب الأسنان .. وإذا بطفل صاحب الوليمة يسألني بصوت هادئ وبكل براءة الأطفال وكأني به أراد أن لا يسمعه أحد فيزج به في تلك (المشادات) الكلامية المخيفة .. سألني الطفل : "يا عمو شنو عايزه أمريكا من العراق وما عايزه تخليه في حاله ؟!" "وكمان ليه (إحنا) ما قادرين نقول لأمريكا (حوشي) اليهود من أخوانا الفلسطينيين ؟!".. فأخذت بيد الطفل إلى ركنٍ هادئ وقلت له (كما المستضاف في حلقة تلفازيه) "والله يا ولدي سؤالك جميل وصعب في آن واحد .. ولكني سأحاول أن أقرب لك القضية" ..
"أولاً قضية العراق تذكرني يا ولدي بنكتةٍ سبق أن استشهدت بها في مقالة عن صندوق النقد الدولي وتعامله مع العالم النامي قبل أكثر من عشرين سنة خلت . ويمكنني الاستعانة بها للخروج من هذا المطب الآن .. فأمريكا يا ولدي تفرض عليها مصالحها الاستعمارية بأن تتعامل معنا كطبيب يريد إصلاح حالنا كما تدعي . وهذا الطبيب (أمريكا) يعتمد بالطبع على صور (أشعة) وتحاليل (السي آي أيه) المغلوطة أو المعدة لأجل مآرب أخرى !، هذا الطبيب (أمريكا) واعتماداً على صور (أشعته) ومآربه الأخرى (المصلحية) قرر بتر ساق العراق المريضة . وفي وقتها تدخلت الكثير من دول العالم قائلة لأمريكا أن ساق العراق سليمة ولا تستحق البتر ! .. ولم تستمع أمريكا لصيحات العالم .. وهكذا قام الطبيب الأمريكي وعلى (الهواء مباشرة) ببتر ساق المريض (الذي هو العراق) . ونجحت العملية حسب رأي أمريكا! . وعندها دخل الطبيب (أمريكا) على المريض وهنأه على السلامة ، وبأمانة (الديمقراطية الأمريكية!) قال الطبيب للمريض "لدي لك خبران ، أحدهما مفرح والآخر محزن فبأيهما أبدأ ؟!". فقال المريض "أبدأ بالسيئ يا دكتور ومِن ثم أفرحني بالآخر" .. فأجاب الطبيب قائلاً "نحن مع الأسف بترنا ساقك السليمة عن طريق الخطأ لأن التقارير كانت مغلوطة فأربكتنا" .. فبكى المريض بمرارة لأنه قد فقد ساقه السليمة (أونطة) . ثم أردف الطبيب قائلاً "أما الآن فأفرح يا عم واقذفنا بباقات الزهور التي طالما اشتقنا لها، فإننا قد اكتشفنا بأن ساقكم التي كنا نظن حسب (أشعة) مختبراتنا وتحليلاتنا بأنها مريضة إنما هي سليمة !!" وعندها بكى المريض بحرقةٍ أكبر لا يدرك مداها أو مغزاها اليانكيس !! .
"أما يا ولدي بالنسبة لكوننا لا يمكننا مع كل قوتنا ومقدراتنا و(أهميتنا لأمريكا) أن نقول لها (اقرصي أذن إسرائيل) ولو (بلطفٍ) لكي ترفع يدها وبطشها وظلمها وحصارها وإرهابها عن أهلنا في فلسطين ، فهذا الأمر يحير كل أفواه أعمامك التي تراها جميعها مفتوحة الآن في هذا النقاش الصاخب . ولكني أيضاً أحاول أن أقرب الصورة لك بقصة الديك وحبة القمح" ...
"فالديكُ يا ولدي هو أمريكا التي يمكنها أن تصيح و (تنقد) و (تنقر) و (تنفش) دون أن يسكتها أحد .. والديكُ يصيح عالياً ويُسمَع صوتُه في كل أرجاء المنطقة .. وأحياناً يصيح الديكُ في غير أوقاته المعهودة وحسب المصالح ! .. وبالطبع حبة القمح (التي هي نحن) تهابه خوفاً من أن تؤكل !! ويقال هنا بأن أحدهم ذهب عقله فظن أنه (حبة قمح)، وكلما صاح الديك (أمريكا) ارتعب الرجل واختبأ خوفاً من أن (يبتلعه الديك) ، فاجتمع به أهله ومعهم الطبيب النفساني في محاولة لإقناعه بأنه ليس بحبةِ قمحٍ وأنه قوي ويمكنه مواجهة الديك ولو (فقط) لكي ينصحه بأن يكف عن إيذاء البشر ، و(أضعف الإيمان) عن طريق الإدانة القوية والفعالة ، وبأنه تحت أية حال سوف لن يؤذيه الديك (أمريكا) طالما أنه سيترك له (أي لأمريكا) البيضَ كله ويبتعد عن أسلحة الدمار الشامل وتخصيب اليورانيوم !" . فقال لهم الرجل المريض الذي يظن بأنه حبة قمح "خلاص يا جماعة أنا اقتنعت بأنني لست بحبةِ قمحٍ، ولكن يا ربِ من سيقنع الديك بأنني لست بحبةِ قمحٍ) ؟!"..
فيا بني أرجو أن أكون قد قربت لك فهم (بلاوينا) ، فالعراق بُترت ساقه السليمة، وغيره ربما تُبتر ساقاه ! .. والديك سنعمل حسابه (خوفاً) و (دوماً) كي لا يلتقطنا فيهضمنا ومن ثم (…..!!) .. ومع هذا فالأمل كبير فيكم أنتم شباب الغد في أن تبتكروا لنا (نظام تعامل) جديد يُلزم الديك حدوده ويحفظ لنا كرامتنا" ..!
توفيق منصور
http://www.tewfikmansour.net
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة