المستشار و الرجل المهموم.. قصة الاستشارة والاستخارة
في مواجهة مكيف الهواء الذي كان يئز ازيزاً ناعماً ، يدفع الهواء البارد من جوفه في منتصف ذلك اليوم القائظ . لم يكن قد فرغ بعد من مطالعة الصحف اليومية .. يقرأ بعضها بتمعن ويؤشر بمؤشر فسفوري أصفر علي بعض الجمل من المقالات إما لأرشفتها ، و إما لأنها تعتبر بالنسبة لديه أمثلة حية علي ما اصبحت تغص به صحف المدينة من غثاء ... فعندما يجد مقالاً من هذه الشاكلة يقرأ ويقول بالانجليزية التي درج علي استخدامها حتي مع نفسه oh shit .اما عندما يجد طرحاً يتفق ورؤاه – ونادراً ما كان يجد – يقول بالفرنسية bravo .
الي جانبه في اقصي يمين الطاولة الفاخرة التي يجلس خلفها جهاز كمبيوتر عالي السرعة موصل بشبكة الانترنت عالي السرعة ، يتصفح فيه عادة المواقع المحبذة لديه كمكتبة الكونكرس الاميريكي ، وموقع معهد كارنكي للسلام العالمي ، ويدخل فيه علي بريده الالكتروني . ويطلع من خلاله ايضاً علي بعض المواقع التي تتناول تاريخه السياسي ، او تحلل كتاباته التي تناول فيها حقباً هامة من تاريخ البلاد ، ان كان مشاركاً أو معارضاً أو بين بين كموقفه الراهن .
سنواته التي جاوزت الثمانون تتبدي من محياه ، فعيناه مالتا الي اللون الرمادي ، تعلو احداهما غلالة خفيفة من الماء الابيض . وجهه تغضن من كثرة التقضيب ، بحيث انطبع علي خديه خيطان يمران من الاذنين الي حواف الفم كأنهما آثار ندوب قديمة . رأسه الاصلع يلتمع مع اضواء المكتب الكاشفة التي تتدلي من علي السقف في شكل ثريات حادة الضؤ مع بعض الصفرة حتي تكون مريحة للعينين . هاتفه الجوال موضوع في الصامت مع الهزاز . عندما يهتز بسبب احدي المكالمات يقرب الشاشة من وجهه مليا .. يقرأ الرقم المتصل بصعوبة رغم نظارته الخاصة بالقراءة ، يفغر فاهه فترتفع علي اثر ذلك الانف ويتكور الوجه الحليق فيستحيل الي شبه شمامة مكرمشة . لا يرد الا علي الارقام المسجلة في جواله ، أو تلك التي يظهر عليها "الرقم الخاص يتصل بك " . لايكثر الخروج من مكتبه لعلمه أن المكان الذي اصبح يعمل به لا تتلائم اجواؤه ونفسياته التواقة الي حوارات فكرية من نوع خاص مع اناس من نوع خاص لايتوافر هذا المكان عليهم ، ولعلمه ان حركاته محسوبة في هذا المبني الخطير الذي وضعته فيه ـ رغم ارادة ساكنيه ـ توازانات سياسية ما جالت بخاطره ذات يوم مستشارا دون وصف وظيفي واضح .
علي نحو غير متوقع ، سمع طرقاً خفيفاً علي الباب . أزاح الصحيفة من علي وجهه ، نظر الي الباب وقال بصوت مسموع .. "ادخل " لم يكد يصدق عينيه ، نهض واقفاً بينما الصحيفة في يده اليسري . ألقاها كيفما اتفق وتوجه نحو الباب الذي كان قد دخل منه بخطوتين رجل مربوع ، وافر الصحة رغم ما يعتريه من اعياء بسبب الهموم . هندامه معقول الا انه لا يصل المستويات التي يفترضها صاحبنا في شخصية اعتبارية مثله . تبادلا التحايا.. وأشار علي ضيفه أن يجلس علي طقم الجلوس الفخيم الذي يتوسط المكتب، جلس الرجل وقد حانت منه ابتسامة مغصوبة أفصحت عن سن مفقودة في الجهة اليسرى من الفك الأعلي ، تعطيه ملمحاً قروياً يتسم ببساطة لا تتلائم ووضعه الحالي . جلس هو قبالة الرجل ووجهه تعتليه الدهشة ، وطافت في ذهنه اسئلة حيري . جالت في خاطره ذكريات مرة حين حرمه الرجل من مقعده الوزاري الاثير.
لم تنفرج علامات الدهشة حتي افتتح الرجل حديثه بكلمة أصبح يرددها بشكل لاواعي كلما هم بالحديث (حقيقة) وفي الغالب كان يلفظها بطريقته الخاصة وبسرعة من كثرة اعتياده علي تكرارها فتخرج (حقيّة):(جئت لكي اتبادل معك الرأي في قضية اعرف أنك ادري بها من كل المقربين لدي ) ومسح علي شاربه المصبوغ حديثا وأردف : (لعلك تدري ماهي القضية ) هز صاحبنا رأسه من أعلي الي اسفل علامة الفهم . قطب حاجبيه ، فبدا كثعلب عجوز يريد أن يخرج اسد الغابة من مأزق اوقع نفسه فيه .
<!--[if !supportLists]-->- <!--[endif]-->الأمر في غاية التعقيد و الامل ضعيف .
<!--[if !supportLists]-->- <!--[endif]-->أما من حل ؟
<!--[if !supportLists]-->- <!--[endif]-->الطريق الوحيد اوصده الذين عملوا علي تصعيد الموقف .
<!--[if !supportLists]-->- <!--[endif]-->ولكن هذا امر سياسي اكثر منه قانونى .
<!--[if !supportLists]-->- <!--[endif]-->وأي شيئ لاتدخل فيه السياسة ؟
<!--[if !supportLists]-->- <!--[endif]-->هل ندعهم يلتهمونني هكذا ؟!
<!--[if !supportLists]-->- <!--[endif]-->هنالك طريق آخر ووحيد .
<!--[if !supportLists]-->- <!--[endif]-->ما هو ؟
ضم صاحبنا رجليه الطويلتين الي بعضهما ، وشعر بحبات عرق باردة تنزلق من تحت ابطه الايسر . أطرق مليا .. مسح وجهه بيده اليمني ، وقال : ( لابد من انقلاب كامل )
سادت برهة صمت عميق ، بدا معها الرجل غارقاً في لجة متلاطمة من الافكار ، وراح يلف خاتمه الفضي العريض علي بنصر يده اليسري الذي يحوي طلاسم من ارقام وحروف يبدو انه يستعمل كحرز اكثر منه عنصراً للزينة ، اتسعت حدقات عينيه ، وقال بصوت متهدج : ( انقلاب مرة اخري ؟ وعلي من ؟!) لم يدع صاحبنا الوقت ينصرم حتي قال بشئ من الحدة و الوضوح :(انقلاب علي الذات ) .
<!--[if !supportLists]-->- <!--[endif]-->كيف؟
<!--[if !supportLists]-->- <!--[endif]-->هنا مربط الفرس. لقد قلت ان الامر لا يخلو من سياسة ، وهذا من طبيعة الاشياء . والسياسة دهاء ، وكسب معركة إثر اخري ، والمطلوب الآن خوض معرك داخلية لكسب المعركة الخارجية . وما اراه يحدث الآن هو اتلاف للمعركة حتي قبل ان تبدأ ، علينا الاستعداد لكسب المعركة من هنا ، وان بيدك ان تؤجل الامر الي الامد الذي تريد ، فقط بالسياسة ولاشئ غير ذلك . إن موضوع التأجيل هو الباب الوحيد المفتوح ، وهو ما يجب أن نلعب عليه ، وفي الاثناء يكون الانقلاب قد تم ، وأن الامور قد استقامت والنسيان قد طوي القضية .
فهم الرجل ان الانقلاب لايعني سوي تغيير المسار ، وان ذلك يتبعه تغيير في البطانة والحاشية والطاقم الحاكم ، وحتي الخطاب والسلوك ، ورغم كبر هذه المهمة وصعوبتها ، الا انه ادرك انها وصفة لابد منها ، واكثر ما ازعجه بقية الوصفة ، فالجزء الاول وبحسب خبرته مقدور عليه طالما كانت المبادرة في يده ، وقد قدر بحس فطري انه كلما تاخر في ذلك كلما انفرطت خيوط اللعبة من يده . أومأ برأسه علامة الموافقة ، فبدأ شيئاً من الارتياح علي محيا صاحبنا الذي واصل بقية وصفته مؤكدا علي ضرورة اتباع ما يقول بشئ من الحزم . ثم أخذ يبين بشيئ من الاطناب وبكلمات من اللغة الانجليزية درج علي استخدامها بشكل عفوي عندما يكون في منتهي الجدية :(أنت تعلم جيدا ان هؤلاء القوم لايتحركون الا ضمن استراتيجية متكاملة ، وفي تقديري ان لديهم Master plan يتبعونها بدقة وان ما يفعلونه الان هو تنفيذ لتلك الخطة ، وما استطيع فهمه من كل هذه التحركات انهم ينشدون الاستقرار لأسباب تتعلق بالمصالح اكثر من العدالة ، العدالة هي شعار اللعبة فقط لكن مايريدونه في الواقع هو الاستقرار و لاشيئ سواه . والاستقرار لايتحقق الا من خلال السياسة ، والسياسة لا تلعب الا ضمن فهم متكامل لواقع الحال ، وتقويم لمدي القوة التي يرتكز عليها اللاعب ، والتي يرتكز عليها الخصم .. وعندما يكون الخصم علي قدر عالي من القوة يكون ــ لسؤ الحظ ــ هو الخصم والعدل ، وهذا ما درجتم علي تسميته بازدواجية المعايير . وهو علي كل حال امر وارد في السياسة . ومن هذه النقطة يكون تحركنا في الجزء الآخر وهو لعب السياسة وفق اشتراطاتها لا وفق رغباتنا .) .
توقف عن الحديث برهة ريثما يلتقط انفاسه ، امعن النظر في وجه ضيفه مليا وواصل بذات الحماس ) :إن الأمر في مجمله لايخرج عما يسمي بالانجليزية Game theory وهو مجال يتباري فيه الفرقاء كل للوصول لأهدافه المعلنة منها والخفية .. من اداروا هذه الازمة منذ البداية كانوا يعتقدون انها مباراة صفرية zero- sum game وهي ليست كذلك بالضبط ، لقد اعتقدوا ان واحدا سيربح علي حساب الآخرين . بينما في حقيقة الامر انها مباراة تقوم علي عكس ذلك فهي Non-zero sum gameبمعني ان مكسب طرف لايعني بالضرورة خسارة الطرف أو الأطراف الأخرى ، وهذا ما يجب ان نركز كل الجهود لتحقيقه . فعلي الرغم من أن الموقف ضعيف للغاية ، الا اننا يجب ان نلعب بحيث لانخسر علي ان تكون اعيننا علي التأجيل ، وهذا ما تفرضه اصول الـ Real politics فكلما أجدنا اللعب بمقتضي السياسة الواقعية ،كلما كسبنا اصدقاء الي جانبنا ، وكسب الاصدقاء في هذه الحالة هو في حد ذاته غنيمة كبري تقودنا لتحقيق هدفنا في قتل القضية ).
هنا قاطعه الرجل بنوع من النزق عهد عنه في الآونة الأخيرة : (ولكن ماذا لو اثاروا القضية مرة أخري ؟).
إفتر وجه صاحبنا عن ابتسامة نصفها شامت ونصفها غرور .. برزت اسنانه الاصطانعية بيضاء صقيلة لا يشوبها سؤ، قال والابتسامة لما تزال ترتسم علي وجهه : (هنا يأتي دور الديبلوماسية .. سنلعب ديبلوماسية تحت الطاولة ، ومنها سنعمل علي قتل القضية من خلال تحريك بعض الصداقات القديمة أرجو ان تسمح لي بتحريكها في الوقت المناسب .. ومن خلال ما يمكن ان نؤمنه في لعبة تبادل المصالح . )
لم يعد للرجل ما يقوله ، صر علي شفتيه الغليظتين ، وأومأ إيماءة لم يدر كلاهما فحواها ، إستبد به الإعياء حتي كاد ان يستفرغ ما في جوفه من طعام ،جاشت دواخله بالعديد من الافكار ، وتصور الكثير من المتاعب إن هو اتبع الوصفات التي اعطيت له للتو . كما لم تخنه تصوراته ان هو لم يفعل .ضاقت فسحة الامل لديه حد التلاشي ، انبهمت في وجهه المسالك، هب واقفاً واتجه من فوره نحو الباب ، همهم بكلمات لم يستبن منها صاحبنا الا كلمة "الاستخارة " .
محمد عبد الحميد
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة