دارفور, الحقائق : بعيون المنظمات الدولية (5)
هنالك مثل انجليزي قديم يقول : [ إن أردأ أنواع الحبر أقوى من أي ذاكرة ] , ومن هنا تأتي أهمية التوثيق ومن هنا ينبع إصرارنا في الاعتماد على الحقائق المدونة , الكثيرون يصرون على إثبات صحة آرائهم وإقناع غيرهم اعتماداً على سلاطة ألسنتهم وحدتها , وعندما تعجزهم الحجة يلوذون إلي خيالهم وأوهامهم ليوحون لغيرهم بامتلاك ناصية الحقيقة , ربما لو كان هذا النوع من السلوك صفة لفردٍ ـ رجل أو امرأة ـ من عوام الناس لأمكن تقبله أو قل التقاضي عنه وتجاوزه , ولكن تكون الطامة كبرى والمصيبة جلل إذا اتصف به أكابر القوم وحكامهم .
عودتنا الفئة الجاثمة على كرسي السلطة في بلادنا على سماع أوهام وخيالات , ما سمعنا بمثلها قط لا في التاريخ القديم ولا المعاصر من حاكمٍ لبلاده أو سيداً على قومه , ففي كل يوم يخرج علينا واحداً منهم بأحدوثة جديدة , بالأمس نافع في مصر واليوم على عثمان في أم درمان ,والغريب في الأمر أن الرابط بين الاثنين ليس لأنهما نائب ومساعد لرئيس الجمهورية ولا لأنهما قياديان أسطوريان بالحزب الحاكم , لا هذه ولا تلك , وإنما هو الإيحاءات التي تتنزل عليهما ساعات الإفطار في هذا الشهر المبارك , فبعد أن كان هذا الشهر العظيم هو أوان نزول القرآن , وما زال وسيظل ما شاء الله هو الذي يجود بليلةٍ هي خيرٌ من آلاف الليال , أصبح بالنسبة لهؤلاء مصدر أوهام وخيالات لمعالجة القضايا السياسية المحدقة بالبلاد , أما بالنسبة للدكتور نافع , فقد قدمنا معالجتنا لأوهامه في مقال سابق بعنوان [ د. نافع يجمل سماء القاهرة .. شكراً أستاذ جمال عنقرة ] نشرته صحيفة صدى الأحداث ومواقع أخرى , في وقتٍ سابق من هذا الشهر الكريم , يمكنك الرجوع إليه هناك .
نأتي إلي صاحبنا علي عثمان والذي تنزلت إيحاءاته , مكاناً بالمركز العام لأنصار السنة المحمدية و زماناً عقب تناول الإفطار الذي شرفه سيادته فماذا قال ؟ [[ إن فتنة دار فور آذت الصف الإسلامي وجاءت بالحاقد والشامت وصاحب الأجندة ليزيد بيننا الشقاق ويعمق الخلاف , ويضيف إن نار الفتنة من كيد الشيطان ]] .... هذه هي رؤية الأستاذ / علي عثمان محمد طه لأزمة دار فور , وعلي عثمان من هو وما هو ؟ .. القانوني الضليع الذي لا تقل خبرته القانونية عن الأربعين سنة , الرجل الذي شغل مناصب دستورية متعددة في أكبر دول أفريقيا والعالم العربي مساحة , آخرها منصب نائب رئيس الجمهورية , يطل علينا وفي هذا الشهر المبارك ليصرف عقولنا عن الحقيقة التي أدركها الصغير والكبير , الحقيقة التي ألمَ بخيوطها مدير الجامعة وبوابها , الحقيقة التي شطرت العالم إلي معسكرين , معسكر يقف فيه حزب المؤتمر ومصاصي الدماء ومعسكر آخر تقف فيه كل الإنسانية متعاطفة مع مأساة دار فور , يطل علينا هذا الرجل و دونما أدنى حياء ليقول لنا أن فتنة دار فور من كيد الشيطان .. !! عجباً لهذا المنطق الملتوي , أي شيطان هذا الذي تعني يا سعادة النائب ؟ أهو من شياطين الجن أم الإنس ؟ أي شيطان يا سيادة النائب أكبر من أولئك العفاريت الذين أسمهم الجنجويد ؟ أي شيطان ذاك الذي تعني ؟ أهو شيطان آخر غير أولئك المارقين و شواذ الآفاق من أمثال أحمد هارون وكشيب و زبانيتهم من المستعربين وجنود الاحتياطي المركزي الذين ينتهكون الحرمات ويغتصبون المسلمات ؟ أي شيطان ذاك ؟ غير أفكاركم المريضة ومخططاتكم الماكرة التي حولت حياة أهل دار فور الآمنة إلي جحيم لا يطاق ؟ أي شيطان ذلك الذي يلبس رأس النظام ويقول بالنيابة عنه : أنه لا يريد أن يرى لا أسيراً ولا جريح ؟ بل أي شيطان أكبر منك يا سيادة النائب الذي ينقلب على من علمه الرماية ونظم القوافي ؟ .. ثمة شي آخر وهو أن الشعب السوداني قد حفظ وعن ظهر قلب , تلك المتلازمة اللفظية الممجوجة التي ظللت ترددها بمناسبة وغير مناسبة في جميع أحاديثك وكل لقاءاتك وهي : [ إن فتنة دار فور, جاءت بالحاقد والشامت وصاحب الأجندة ] .. من الذي اختلق فتنة دار فور وقدح فتيلها , أليس حزبك الذي ظل ومازال ممسكاً بزمام السلطة في البلاد ومتحكماً في مصائر شعبها لعقدين من الزمان ؟ .. ومن هو الحاقد ؟ أهو المجتمع الدولي الذي حرّكته معاناة أهل دار فور ؟ أم هي أجهزة الإعلام الحرة التي نقلت الحقائق المخفية عن بؤس دار فور وشقاء أهلها ؟ ومن هو الشامت ؟ أهو العالم الذي عاديتموه من أقصاه إلي أقصاه , بسبب و بغير سبب , و عدتم اليوم تتكالبون عليه وترتمون في أحضانه بعد أن طفح الكيل وبلغ السيل الزبا ؟
إذا كان هنالك من شامت ومن شماتة , فليس هنالك أحداً غيركم قد جلبها للسودان , بسياساتكم الفطيرة و قراراتكم الفجة و هتافاتكم البذيئة و رقصاتكم القبيحة و عنترياتكم الزائفة , أنتم لم تشمتوا الآخرين على السودان فحسب وإنما جلبتم له العار وجعلتموه أضحوكة بين الشعوب , أحد السياسيين المصريين علق على حكومتكم ومن قناة الجزيرة قائلاً [ يا أمةً ضحكت من جهلها الأمم ] لا أحد جلب الشماتة للبلاد ولا أحد جلب العار لها سواكم , لأنكم , لكم أذانٌ لا تسمعون بها و لكم أعين و لا تبصرون بها , عشرون عاماً مرت عليكم في حكم البلاد وما زلتم في طور التعلم عن طريق المحاولة والخطأ , أدنى مراحل التعلم و أكثرها وضاعةً . أججتم نيران الحرب والفتنة في دار فور وبددتم موارد البلاد وثرواتها ويأتي أحدكم في نهاية المطاف ليقول لنا أنها من كيد الشيطان , و آخر ينسبها للحركة الشعبية شريككم في الحكم و آخر للمؤتمر الشعبي , أي تباين هذا في التصريحات وأي تخبطٍ في السياسات , ببساطة أنتم الفئة الوحيدة في العالم التي لا تخطط ولا تدون ولا تحسب خطواتها , الفئة الوحيدة التي يتصرف حكامها كل على هواه وبما بدا له , في حين أن العالم لا يدع صغيرة أو كبيرة إلا أحصاها ورصدها , لا تمر شاردةً أو واردة إلا حفظها العالم و دونها في كتاب , والسودان وما يدور بداخله من انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان و إبادة وتشريد لقبائل بعينها في دار فور كانت وما زالت محل اهتمام العالم , وحينما تتحرك منظمة دولية و تدلي برأيها في قضايا السودان أو تصدر قرارها ـ كما فعلت المحكمة الجنائية الدولية ـ تكون قد استندت على حيثيات وقرائن موثقة ومكتوبة وتم التحري عن صحتها و اختبارها من أكثر من جهة و دعنا نستدل بالمثال التالي :
[[ في 1/يونيو/حزيران / 2005 م , يفتح مكتب المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية , أول تحقيق عن الحالة السائدة في دار فور . وذلك بناءاً على أدلة تم جمعها خلال سنتين , بما فيها وثائق حكومية , و تظهر تلك الأدلة الحقائق التالية : ]]
أولاً : وجود نظام من الهجمات الموجهة ضد السكان المدنيين .
ثانياً : قيام المدعو أحمد هرون بصفته وزيراً للدولة للشئون الداخلية , في الفترة مابين 2003 / 2004 م ورئيس مكتب دار فور الأمني بتنسيق أنشطة الجيش السوداني ومليشيا الجنجويد بالهجوم على المدنيين في قراهم .
ثالثاً : تبين الأدلة أن المدعو على كشيب , أحد قادة مليشيا الجنجويد , يتزعم الهجمات في مكجر , وكدوم وبنديسي وأرولا .
المصـــدر : التقرير السابع للمدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية إلي مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة , عملاً بقرار المجلس رقم [ 1593 ] الصادر في [ 2005 م ]
نكتفي بهذا القدر من التقرير , ونطرح التساؤلات التالية للسيد / علي عثمان طه و الدكتور نافع وبقية الزبانية : هل ما أورده التقرير من وقائع كانت حقائق تجري على الأرض أم كانت تجلياتٍ من وحي الشيطان ألهمها للمدعى العام ؟ أجيبوا على هذا السؤال وكونوا صادقين مع أنفسكم , وبرهنوا على صحة تدينكم , وبرئوا صحائفكم أمام شعبكم , و أمام من خلقكم لأنه يوم القيامة سوف يسألكم , هل كنتم تعرفون تلك المناطق التي ذكرها التقرير وما يدور فيها ؟ وهل شددتم الرحال يوماً لزيارتها وتفقدتم أحوال أهلها , وتلمستم حاجتهم للغذاء والماء والكساء والدواء ؟ .. أنتم لا تعرفون ما يدور في بلدكم من مآسي بل ولا تعترفون بتقصيركم وأكثر من ذلك تكابرون ـ وما أبشع الكِبَرْ ـ العالم لن يصمت ورصده للحقائق لن يتوقف ومداد أقلامنا لن يجف حتى تضع الحرب أوزارها وتعود الطيور الدار فورية التي هُجرت قسراً إلي أوكارها , وترتع أنعام أهلنا في مضاربها , وتأخذ الفتاة التي اُنتهِكت كرامتها حقها من جلادها , وساعتها سيتبين للجميع من هو الشيطان .. ومن هم أصحاب الحق والأرض
ومن هم أصحاب الأجندة الذين غرسوا بذور الفرقة بين الناس وعمقوا الخلاف..؟؟
نواصـــــــــــــــــــــــــــل .
حــــــاج علي /
الســــــــعودية
Monday, September 15, 2008
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة