سارة عيسى ... لا بل في دولةِ الظلماتِ يُفتقد العدلُ
كتبتُ في مقال سابق , عن نظرية العدل الإنقاذية ـ والتي يبدو أنه تم الاحتفاظ بموسدتها بعيداً , دون العمل بها حتى إشعار آخر ـ ولكن لا بأس من إعادة نشر ما كتبت ما دامت هناك مناسبة وقديماً قيل : [ لكل مقام مقال ] وقيل أيضاً : [ لكل حادثةٍ حديث ] , شدني ما قرأت عن تلك اللوحة التي نسجتها الذاكرة الصحفية , أو قل أبدعتها أنامل الكاتب بدوافع وطنية , لقد استطاعت ذاكرة سارة عيسى أن تسوح بنا في مدار زمني غطى ثلاثة أعوامٍ وزاد عليها قليلاً , وذلك حينما كتبت في مقال لها , نشرته سودانيز أو ن لاين تحت عنوان [ يان برونك .. في الليلة الظلماء يُفتقد البدر ] , ما كتبته الأخت سارة في مقالها المشار إليه , يتأرجح ـ إذا صحت المفردة ـ بين فترتين زمنيتين هما : ما دار أو ما يدور الآن من أحداث دامية في دار فور ـ تحديداً أحداث كلما ـ وموقف كل من حكومة الخرطوم والمبعوث الاممي جبريل بسول حيالها , والفترة الثانية المشار إليها ـ وهي تاريخياً أسبق من الأولى ـ هي تلك الأحداث الدامية التي أعقبت رحيل الثائر / جون غرا نج , في يوليو / تموز / 2005 م , وكذلك موقف الحكومة والمبعوث الاممي السابق [ يان برونك ] حيالها .
وقبل أن أُدلي بدلوي فيما ذهبت إليه الأخت سارة , أود أن أحييها على الربط الجميل الذي تم بين المناسبتين , لما بينهما من تشابه في كثير من الأوجه , وإلي التفاصيل :
أولاً : ذهبت الكاتبة ـ على حد قولها حسب رؤية المراقبين ـ إلي أن تصعيد الحكومة للأحداث بدار فور و احتلالها المزيد من الأراضي , نابعاً من استغلالها لضعف المندوب الاممي الجديد جبريل بسول .
ثانياً : وصفت الأخت سارة زيارات الرجل [ جبريل ] للسودان بقولها كأنها طائر الشؤم , و ذلك لتزامنها مع أحداث دامية ـ في كل مرة ـ في دار فور .
ثالثاً : ذهبت الأخت سارة إلي ذكر المندوب السابق [ يا ن ] بالخيِر, وذلك لمواقفه الصارمة تجاه حكومة الإنقاذ وما وجهه لها من رسالة شديدة اللهجة ـ في ذلك الوقت ـ طبعاً فيما يتعلق بالأحداث التي صاحبت رحيل غرا نج .
رابعاً : أشارت إلي تحذير المندوب السابق للحكومة بعدم استخدام المساجد للدعاية الحربية , و دعوته للحكومة بعدم السماح للإفلات ـ الذي صاحب الأحداث ـ من التطور والنمو .
خامساً : خلصت إلي أن تلك التحذيرات قد جعلت الحكومة تتصرف بطريقة مغايرة ومختلفة ـ طبعاً لو قارنا ذلك بما جرى لمنفذي أحداث العاشر من مايو / أيار 2008 م وهذه العبارة من جانبنا ـ في جرائم كانت تستحق الإعدام حسب شريعة الإنقاذ .
سادساً وأخيــراً : أشارت إلي أن قضية دار فور قد خسرت الكثير برحيل يا ن برونك الذي وصفته بنبي السلام النزيه .
ذلك ما ورد في مقال الأخت سارة عيسى من نقاط نحسب أنها هامة وتستحق التوقف عندها , ومناقشتها بمستوى فيه قدر من التفصيل والتأمل , ولذا كان لزاماً علينا أن نقوم بإيرادها بهذه الطريقة التي قد لا تعجب البعض ولكن حسبنا أن نقول لهم [ يغو ص البحر من طلب اللآلئ ] , و الآن ولمصلحة الرأي والرأي الآخر فإننا سوف نوجز مداخلتنا في النقاط التالية :
أولاً : من ناحية ما ذهبت إليه الأخت سارة أو ما عزته لرؤية المراقبين , من أن تصعيد الحكومة للقتال و احتلال المزيد من الأراضي نابع من استغلال ضعف المندوب الأممي , فإننا نقول إن هذا غير وارد أو على الأقل يمكن اعتباره تحليلاً غير موفق بالدرجة المطلوبة لإقناع الرأي العام على مستوييه المحلي والعالمي , وذلك للعديد من الأسباب منها يا أخت سارة أن هذه الحكومة لا تراعي أية حرمة لا لمندوب ضعيف ولا لمندوب قوي ولا لآخر معتدل , بل هي لا تراعي حرمة لرعاياها ولا لقيمتهم الإنسانية ويكفي أدلة على ذلك ما مارسته من إبادة في دار فور وفي أبيي ومن قبل في جنوب البلاد , وكل تلك الأحداث كانت تجرى وليست لها أي علاقة بحضور مندوب أو خلافه , بل أكثر من ذلك يا أخت سارة إن هذه الحكومة و القيمين عليها لا يراعون حرمة لله تعالى الذي يسبحون بحمده آناء الليل وأطراف النهار , وهم أبعد ما يكونون عن رحمته ولطفه على عباده ويكفي دليلاً ما قامت به من إعدامات في ليلة العيد في عام 90 م , وكذلك ما قامت به من محاكمات وإعدامات بربرية ـ في أول أمرها ـ بسبب حيازة حفنة من الدولارات لأناس لا تنطبق عليهم قوانين الشريعة بل لا يدينون بها , واليوم يرفلُ منسوبيها في نعيم من بلايين الدولارات التي حّرمُوا القليل منها على غيرهم بالأمس , هذه هي صورة الحكومة يا أخت سارة أو مسخ قريب من ذلك .. !!
ثانياً : المسألة يا أخت سارة لا علاقة لها بالتطير أو بالشؤم , بل بالعكس يمكن أن يكون هذا الرجل أي جبريل باسول فأل خير للسودان ولقضاياه , هذا إذا أردنا أن نأخذ الأشياء بلغة التشاؤم والتفاؤل و التطير وما إلي ذلك , ولكن دعينا نناقش الأمور من منظور المعطيات والحيثيات التي بين أيدينا , فكل الدلائل و قرائن الأحوال التي توحي بالاقتتال والاحتلال في إقليم دار فور موجودة من الجانبين , الحكومة والحركات المقاتلة , ولا أحسب أن طرفاً منهما سوف يضع سلاحه تحت الوسادة ويقول للطرف الآخر ما قاله المسيح : [ من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر ] , لكن أن تتزامن زيارات الرجل مع هكذا أحداث ـ كما تفضلتِ وأشرتِ ـ فتلك أحسب أنها محض مصادفاتٍ ولا أحسب أن منطق الأشياء سيقف إلي صفنا إن حاكمنا الرجل من خلالها , أما منطقياً فأنا أتفق معك بأن الحكومة دائماً تستغل مناسبات معينة ـ كزيارة مسئول دولي مثلاً ـ في محاولات للظهور بمظهر القوي والمظلوم في نفس الوقت وتلك هي إحدى علامات النفاق التي تميزها .
ثالثاً : أما بالنسبة للقوة التي اتسم بها موقف يان برونك , فلا نكابر أو ننكر أن للفروق الفردية و المكونات الثقافية والفكرية والرؤية الفلسفية انعكاسها المباشر على الشخصية الإنسانية ـ من حيث القوة والضعف ـ ولكن علينا أن نتذكر أن للظرف التاريخي دور حاسم في مواقف الرجال , فيان برونك حينما سجل موقفه ذاك وحشر الحكومة في أضيق الزوايا , كانت الظروف غير اليوم , كانت جثة غرانج ما زالت خضراء وتتنفس مع الحكومة نفس الهواء , و غرانج وما أدراك ما غرانج وأنتِ تعلمين والكل يعلم وأهم من كل ذلك الحكومة تعلم , أنها ما كانت حتى تحلم حلماً بأن تطأ قدماه أديم الخرطوم وهي تسعى على رجليها , واليوم أيا سارا وقد مرت ثلاث سنوات على رحيل الرجل , استطاعت الحكومة عفواً ليست الحكومة , تذكرت حزب المؤتمر الوطني قد استطاع أن يبدل ثوبه القديم , ثوب الخوف والحياء والخجل الذي تلفع به وتتدثر يوم أن حلّ غرانغ بمطار الخرطوم , استطاع المؤتمر الوطني أن يبني ميكانيزمات جديدة لها القابلية على التشكل مع جميع الظروف , هذه هي الظرفية يا أخت سارا التي صاحبت قدوم جبريل الرسول .
رابعاً :وأخيراً قد نتق معك في أنه من الممكن أن تكون شخصية المندوب السابق قوية وذات تأثير فاعل حيال المواقف التي تتطلب تدخله أو تلك التي في دائرة اختصاصه , ولكننا قطعاً لا نبكيه ونظل نندب حظنا أننا افتقدناه , فحواء السودان حبلى بالرجال ودار فور تمتلك مفاتيح الحل بأيدي بنيها طال الزمن أو قصر ـ كما يقولون ـ مادامت مسيرة النضال مستمرة وناره مستعرة .
أما ما أشرتُ إليه في أعلى المقال وما أسميته بنظرية العدل الإنقاذية , وتأسيساً عليه اخترت عنوان مقالي , فإنني أعني به ما ورد في خطاب الرئيس في إحياء الذكرى 19 للإنقاذ , وللإطلاع عليه يمكنك زيارة موقع الأمانة العامة لمجلس الوزراء , فتحت فقرة : بني الإنقاذ على خمس , تجدين نظرية العدل الإنقاذية , وبعد الإطلاع عليها , عليكِ القيام بجولة سريعة في شوارع العاصمة وحواريها , أجيلي ناظريك على طول الرحلة ستلاحظين جثةً مرميةً على إحدى الطرقات , تناثرت بعض أشلاءٍ منها , يمر الناس عليها وقد كسا الحزن أعينهم , و الكآبة محياهم , تلك هي يا أخت سارا عدالة الإنقاذ و عدالة المؤتمر الوطني التي حّولت حياة أهل السودان إلي جحيم دائم , ودار فور إلي جرحٍ نازفٍ , تلك هي دولة الظلمات التي يفتقد فيها العدلُ ....
مع كل تقديري و احــــترامي ....
حـــاج علي /
الســــــــــــــــعودية
Sunday, September 14, 2008
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة