هوامش حول القضيه والقصيده فيما يتعلق بمحمود درويش
عبد العزيز حسين الصاوي alsawi99@hotmail.com
سيل الكتابات المتدفق، وسيظل لفتره، حول محمود درويش يجعل من المستحيل الأتيان بما يثير اهتمام القارئ بعد وفاته بأكثر من اسبوعين لاسيما من قبل شخص لاتتعدي علاقته بالادب والشعر حدود التذوق من حين لاخر ودون هضم كامل احيانا. بأستعارة من مادتين لفتتا النظر من بين المواد المنشوره حول هذا الموضوع وبعض الخواطر التأمليه علي هامشه، يحاول هذا المقال إيجاد مكان له وسط السيل المتدفق.
بصوته الممتلئ الريان وشََعره الكثيف والخالي من الشيب تقريبا، علي الاقل كما تقول الصور، ونحافة الجسد التي توحي بالعافيه بعكس الوزن الزائد، بدت وفاة محمود درؤيش مفاجئه لاسيما مع مستوي الرعاية الصحية الرفيع المتوفر لمن هم في مثل وضعه. بيد ان عنصرالفجائيه قد يكمن ايضا في أن غياب اي شخصية ذات حضور ملموس في اهتمامات الانسان وعلاقاته وسواء في المجال العام او الخاص له وقع صادم لانه يصبح بمعني من المعاني جزء من حياة هذا الانسان واستمرارها. هذا مايُعبر عنه في الحالات الأستثنائية التي يصل فيها هذ التواصل مع الشخصية المعنيه درجة قصوي مثل الحب العظيم، بأستحالة الحياه دون الغائب. قبل وفاة محمود درويش بأسبوعين تقريبا كان قد غاب عن افق الحياة الفنية والثقافية العربيه احد نجومها الوضاءه وهو المخرج المصري يوسف شاهين غير اننا كنا مستعدين نفسيا لذلك لان انباء مرضه وتدهور صحته سبقت نبأ وفاته بعدة أسابيع كذلك نبأ موته سريريا الذي كان قد أصبح حقيقة معروفة علي نطاق واسع لعدة ايام بعد قرار نقله الي مصر قبل موته جسديا.
بالنسبة لنا معشر الذين بقي امر تعاملنا مع الشعر الحديث ولاسيما قصيدة النثر مستعارا من تعامل اخرين نحترم معارفهم واحكامهم وليس انبثاقا من تجربتنا الصادقة والامينه معه دائما، كان حضور محمود درويش في اهتمامنا بشئون الادب أهم كثيرا من حضور الاخرين من مجايليه لان قصيدته احتفظت بقدر من النبض الموسيقي والغنائيه. في البدايه طبعا دخلت القصيدة الدرويشيه مجال ذائقتنا الشعرية من باب غير شعري هو باب المقاومة والقضيه الفلسطينيه ولكنها بقيت فيها بعد ذلك مستقلة عن هذا الاعتبار إذ غادر هو منطقة التعبير المباشر عن القضيه مع النضوج المتزايد لتجربته الشعريه. كما ان اهتمامنا/مي بالقضية الفلسطينية نفسها، اذا توخينا/ت الصدق مع النفس والاخرين، اصبح من قبيل رفع العتب واداء الواجب المفرغ من الحرارة بعد ان التقطت عدوي لاديموقراطية ولاعقلانية السياسة العربيه المعارضة والحاكمه فتدهور محتواها الانساني الاغني من محتوي اي قضية اخري الي ادني مستوياته عندما اصبح الفلسطيني الاخر هو العدو بين غزه والضفه.
في هذا يقول الكاتب اللبناني حازم صاغيه بدقته التحليلية الصارمة والمعهوده ان درويش : " أقام إقرارا عميقا بأن القضايا، مثل أيّ شيء آخر، محكومة بتاريخ وأطوار، وأن «سجّل أنا عربي» غدت طوراً وراءنا. وفي هذا، وفي غيره، شكّك عميقاً بالنزعة البطوليّة التي شاء البعض، خصوصاً بين العرب غير الفلسطينيّين، أن يسمّروا الفلسطينيّ فيها. ذاك أن «الإخوة» إنما «يريدون موتي كي يمدحوني»... وعميقاً أيضاً شكّك في القوى التي استولت على القضيّة الفلسطينيّة فديّنتها وحرمتها بُعداً أراده لها إنسانيّاً وكونيّاً وعصريّاً. فحينما قصد حيفا، أواسط العام الماضي، بعد 35 عاماً من غياب قسريّ، هاجمه كثيرون، في عدادهم حسّاد، وبينهم خاطفو قضيّته الذين يصرّون على ردّها إلى ما قبل «سجّل أنا عربي»، إن لم يكن إلى ما قبل بدر وأُحد. أما استيلاء «حماس» على غزّة فجعله يصحو " من الغيبوبة على علم بلون واحد يسحق علماً بأربعة ألوان... على أسرى بلباس عسكريّ يسوقون أسرى عراة، فيا لنا من ضحايا في زيّ جلاّدين». ذاك أن الفلسطينيّ أصبح «منذ الآن» غيره، و»كم كذبنا حين قلنا نحن استثناء».
في مادة اخري للصحفي الفلسطيني المعروف عبدالباري عطوان ناشر جريدة القدس العربي معلومة مفجرةٌ للسجال والجدل حقا حول رأي درويش في قصيدة النثر. في مقال ( القدس العربي عدد 10 اغسطس 2008 ) وردت الفقرة التاليه : " عن شعراء قصيدة النثر الذي قال انهم دمروا الشعر، ووصفهم بالفدائيين الذين يملكون جرأة غير عادية في القاء شعرهم في قاعات خالية إلا من بعض اصدقائهم وزوجاتهم وبعض الأقارب. كان يخشى هؤلاء، ويبتعد عن الصدام معهم فهم مراكز قوى مدججة بالأسلحة، أو 'مافيات' تهيمن على الصفحات الثقافية في الصحف والمجلات العربية، ويجاملون بعضهم البعض، ويكرهون بعضهم البعض، واذا تصالحوا فلفترة قصيرة كان يسميها 'تحالفات الخمس دقائق'، ولكنهم والرأي للمرحوم محمود، يتوحدون ضد غيرهم من شعراء الوزن والموسيقى، ناهيك عن شعراء القوافي. " اذا استبعدنا من هذه الفقره عناصر الزركشه الأثاريه الناتجة عن ورود الفقره كجزء من صورة باهرة الالوان لعلاقة شخصية حميمه مع الشاعر الراحل يجيد الاستاذ عبد الباري رسمها شفاهة وكتابة في اي موضوع يتناوله( اخر قصائده " لاعب النرد " نشرت في القدس )، يبقي جوهرها فيما يتعلق بحقيقة رأي محمود درويش في الموضوع صحيحا. وهو مايؤكده قول اخر منقول عن درويش بواسطة شاعر مغربي اسمه اولاد احمد او محمد الصغير من : " أن كثيرا من الحداثة يزعجه وأن قدرا لا بأس به من الكلاسيكية لا يقلقه ". وهي بدورها صياغة تعبيرية درويشية الرنين تظهر في اقوال اخري له من نوع ان صعود حماس " لايخيفه سياسيا ولكن يخيفه ثقافيا ". وبينما تنسجم هذه المنقولات عن الشاعر مع احتفاظ القصيدة الدرويشيه، الحرة التفعيلية في التسمية الاصطلاحية الشعريه، بنفحة غنائيه فأنهما تعكسان مايمكن وصفه في الحد الادني بالبرود تجاه قصيدة النثر. وهو موقف يشاركه فيه ، كما يعرف متابعو هذا الضرب من الانتاج الادبي، الشاعر المصري احمد عبد المعطي حجازي ويشكلان معا بقامتيهما الفارعتين ظلا وريفا لامثال كاتب المقال من التائهين في صحراء البحث عن المياه الجوفيه تحت رمال هذا النوع من الشعر.
مع ذلك فأن لهذه القضية أكثر من وجه. الاراء الناقدة لهذا اللون الشعري تعتبره منتجا ادبيا اوروبيا صرفا نبع من التجربة الحياتية لمجتمعات تعاني ازمة حداثه بينما نعاني نحن ازمة تقهقر سريع عن النذر اليسير الذي تحققنا لنا منها كما يشهد الانتشار المريع لفكر الخرافه في ارقي المستويات التعليميه سودانيا وعربيا، بما يجعل التجربة الحياتية السودانية والعربية مختلفة جذريا عن التجربة الاوروبيه. مقابل وجهة النظر هذه يبقي من الصحيح القول بأن المعاناه الوجوديه هي المعاناه مهما كان مصدرها والمثقف عندنا بحكم ثقافته وتعريفها نفسه يعيش افقا عالميا انسانيا حتي لو لم يغادر قريته الي مدينته او خارج بلده لانه يطرح علي نفسه من خلال القراءة والتأمل اسئلة الفلسفة والمعرفه بكافة ابعادها. بعبارة اخري هذا النوع من الاسئله ليس ضروريا ان يكون مصدره مستوي معين من التطور في المجتمع من ناحية الاقتصاد والسياسه والتعليم لاسيما وان الانتاج الشعري هو في نهاية المطاف تجربة ذاتيه واختلاجات الذهن والخيال والنفس خاصية مشتركة بين البشر من حيث هم كذلك. ذهب محمود درويش وبقي سؤال قصيدة النثر قائما.
( الاحداث عدد الخميس 28 اغسطس 2008 )
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة