معسكر كلمه
جرح آخر غائر فى خاصرة الوطن
تمهيد
كانت منطقة كلمة ارض طينية منبسطة على امتداد البصر تقع الى الشرق من جبل نيالا بما يقارب الـ(5) كيلومترات بها قرية صغيرة لاتتعدى عدد مسكانها الـ(20) منزلا مبنية من القش والاغصان الجافة وبعض المواد المحلية الاخرى .
من الجنوب تحدها خط السكه حديد ووادى نيالا (برلى) وجناينها الوارفة وغابات (كندوه) الطبيعية الغنية بنباتاتها واشجارها الارخبيلية المختلفة والنادرة , ومن الغرب جبل نيالا وضاحية (مجوك) التى اصبحت الآن احد احياء المدينة ومن الشرق منطقة (بليل) المنطقة الساحرة بمزارعها الجميلة والنضرة دوما ورمالها المنبسطة وهى اولى محطات القطار من مدينة نيالا وقد ذكرها شاعرنا الفذ الاستاذ عالم عباس فى معلقته الشهيرة (سوميت بنات درجيل):
ضئت كالابريز من نال (نيالا)
او كقمح البيدر المهجور فى تل ((بليل))
عسجديا مثل وديان (الحراز)
عوسجيا مثل ما امتص عصير الشمس قشٌ من (بياض)
التحية لاستاذنا الجليل عالم عباس وامده الله بالصحة والعافية
اما من الناحية الشمالية فتحدها مناطق ومزارع (بابا) والمناطق والقرى المجاورة لها والتى اقيمت على جزء من ارضها مطار نيالا الجديد حاليا .
هذه هى منطقة (كلمه) التى وجدها نازحو جنوب دارفور افضل منطقة يمكنهم الاستقرار فيها مؤقتا ريثما يستتب الامن والاستقرار ويعودوا الى ديارهم وقراهم التى منها نزحوا وتشردوا , لقد نزح اليها اناس من كل مناطق جنوب دارفور من جبل مره وكاس وحتى وادى صالح دونكى دريسه وسانى افندو وحتى مهاجريه اهالى ميرشنق والملم وحتى شنقل طوبايه. ومن كل القبائل والمجموعات السكانية , جمعت بينهم المحنة , محنة التشرد والنزوح, واسوأ ما يمكن ان يحدث للانسان فى الحياة ان يكون عاجزا والمصيبة ان يكون العجز جماعيا لدرجة ان يضطر الجميع ان يمدوا ايديهم الى الغير والكارثة ان يكون هذا الغير لا قريب ولاجار ولا حسيب .
وهذا ما حدث لاهلنا النازحين فى كل معسكرات النزوح بدارفور , وواقع كلمه ليست استثناءا عن كل هذا غير انها تميزها بعض الامور مما جعل بها خلافا طفيفا عن غيرها من المعسكرات .
اوجه الخلاف يعود لطبيعة سكان هذا المعسكر ونوعية الاحداث والاستهداف التى تعرضوا لها بمناطقهم وقراهم الاصلية قبل عمليات النزوح ,اضافة للعدد الكبير من النازحين المتواجدين فى معسكر واحد وقد تمثل حالة معسكر ( كلمه) حالة فريدة فقد يكون هو المعسكر الوحيد بدارفور الذى يحوى كل هذا العدد من الناس فى معسكر واحد اذ يبلغ العدد التقريبى لسكان المعسكر ما يفوق الـ(85) الف نسمه حسب افادات المنظمات العاملة بالمعسكر.
ومن هنا تاتى المشكلة فهذا الرقم اصبح معيارا يتعامل على اساسه غالبية المنظمات العاملة بجنوب دارفور على وجه الخصوص , مما يضع الحكومة فى خانة (اللوم) دوما ان لم يكن فى موقع المقصر عن اداء واجبه والقيام بما يلزم من توفير الحماية والغذاء والكساء تجاه هؤلاء , وهذا يسبب قلقا وارقا دائم للحكومة السودانية . زيادة على هذا فقد نجح النازحين فى خلق آليات اتصال شبه منظمة بينهم وصار من السهل جدا خلق رأى عام بينهم وتبنيه وتعميمه والاجماع عليه ونشره بين كل نازحى المعسكر, بل حتى الاصرار عليه فى احيان كثيرة ومحاولة نقل تجربتهم تلك الى معسكرات اخرى . وهذا بدوره ادخل الفزع فى عقول مسؤلى الدولة . العامل الآخر معظم اهل كلمه محسوبين لحركة تحرير السودان جناح الاستاذ عبدالواحد محمد نور. فى حين ان الواقع غير ذلك , فقط السبب ان معظم المستنيرين والنشطاء الظاهرين للعلن بالمعسكر هم ابناء قبيلة الفور اضافة الى النشاط الكبير الذى تقوم به المجموعات السياسية التابعة للاستاذ عبدالواحد نور فى جنوب دارفور بصفة عامة . وحقيقة اخرى قاسية فمعظم المجموعات التى كانت ضمن جناح مناوى حينما تركته توجهت صوب حركة عبدالواحد وذلك لعامل بسيط هو ان المبادىء والاهداف واحدة بين الفصيلين فقط الاختلاف فى وسائل وسبل تحقيق الاهداف , وفى الاشخاص المناط بهم تنفيذ تلك الاهداف والمبادىء .
وقوع المعسكر قرب خط مرور القطار والطريق البرى الرئيسى الداخل الى نيالا من جهة الشرق وقربها من المطار بحيث انها فى كثير من الاحيان تكون مرئية لركاب معظم الطائرات القادمة الى المطار من الجو .
لكل ما سبق اصبح امر اختفاء معسكر (كلمه) ونسفه وتشتيته هدفا استراتيجيا لحكومة جنوب دارفور ولا يستبعد حسب بعض المحللين ان يكون ثمة تواطؤا قد تم حتى على مستوى بعض اجهزة الدولة الاتحادية . لذا ظل المعسكر محل استهداف دائم طيلة الاربعة اعوام السابقة بحجج ودعاوى مختلفة فحينا بدعوى وجود سلاح بالمعسكر وتارة اخرى بدعوى وجود مجموعات منفلتة بداخله او تتبع لحركات التمرد . واحيانا بانهم يروجون للمخدرات واشياء اخرى .... الخ .
وفى كل مرة يهاجم المعسكر من قبل قوات الدولة النظامية ويطلق فيه النار على المدنيين النازحين العزل من النساء والاطفال والشيوخ ويسقط اعداد من القتلى والجرحى بينهم بنيران قوات الدولة نفسها والمناط بها حماية هؤلاء من المتمردين والنهب والجنجويد وغيرها حسب زعمها .
الامر المؤسف ان هؤلاء المساكين كلهم هجرتهم ممارسات الجنجويد واجتياحهها البشع لقراهم واستباحة اعراضهم , استجاروا بالدولة وقدرتها وراوا ان يقيموا فى اقرب الاماكن لاهلهم وذويهم ولكن الدولة استمرات مسلسل الغدر بهم والتنكيل بهم
ما حدث فى كلمة امر فى غاية الاسف . قوات دولة مجهزة باسلحة مدرعة وفتاكة باعداد كبيرة تهجم على مجموعة من النازحين (العزل , الجياع , المرضى , المسكونين بالفزع والرعب ) لا لشىء الا للاعتقاد بان هناك بعض قطع من الاسلحة النارية بحوزتهم فيا ترى كم بندقية (كلاشنكوف) يمتلكون 2,3, 10 , 20 . كم العدد ؟؟؟!!, لقد قتل ما يفوق الـ(60) فردا من اهل المعسكر وجرح اكثر من (200) شخصا واعتقل ما يفوق الـ(150) فردا ايضا حسب ما افاد به شهود عيان.
هل كان من الضرورى ان يقع كل هذا العدد من الضحايا ليكتمل عملية التفتيش والسيطرة على المعسكر؟؟؟ الا يوجد اسلوب افضل من ذلك؟؟؟ الا يمكن ان يتم الامر بطريقة اخرى غير هذا الترويع والاستخدام المفرط للقوة؟؟؟ جدلية الصراع الدائر فى المعسكرات هو ليس صراع لاجل استتباب الامن بدارفور بقدر ما هو محاولة اخضاع الكل لمشيئة السلطان حتى ولو كانت باطلة , صراع لاخفاء حقيقة ماثلة وهى محنة التشرد والضياع والمساهم الاكبر والمتسبب فيها الحكومة بذاتها ثم ان هذه المحنة تجر كوارث اخرى من امثال القوات الدولية ومحكمة جرائم الحرب وغيرها من الويلات .
ولكن دعونا نطرح بعض التساؤلات لماذا صمتت معظم التنظيمات والاحزاب عما وقع فى كلمه ؟ فى حين انها صرخت وضجت عندما نفذ الدكتور خليل ابراهيم رئيس حركة العدل والمساواة عملية (الذراع الطويل) . واحدث فزعا وترويعا سقط على اثرها عدد من القتلى واوقع خسائر هائلة بمدينة امدرمان .
لقد ظل اهالى دارفور يعيشون ماساة الحرب والتشرد والنزوح بصورة شبه يومية طيلة الخمسة اعوام الماضية الى ان نفذ الدكتور خليل عمليته تلك والتى استمرت زهاء الساعتين او ثلاثة ساعات فقط فى جسر الانقاذ . الملاحظ انه بعد انتهاء المعركة مباشرة انهالت بيانات الادانة والشجب والاستنكار وهرع زعماء السياسية السودانية لدور الحكومة والمؤتمر الوطنى لتاكيد الادانة والرفض .
ثار ثائرة الاحزاب وزعمائها لما حدث ولكن السؤال ما بال اهل دارفور يتحملون ذلك . خمسة اعوام كاملة او يزيد ولايثور او يغضب لهم حزب من الاحزاب اسوة بامدرمان . ويقتل اهل كلمة ويعتقلون بدم بارد ثم يجلس اباطرة السياسة السودانية وفطاحلة الاحزاب يتابعون ذلك على شاشات التلفاز فى ضجر وملل يرتشفون اكواب الشاى والقهوة وكانهم يشاهدون احد افلام (الكاوبوى) المزعجة ولم يفتح الله لهم ببيان ادانة يتيمة او التحرك نحو موقع الحدث تضامنا مع ابناء السودان الذين اصبحوا ضحايا لممارسات الدولة السودانية الفظة , ثم تخرج لنا الحكومة بعد فترة بان والى جنوب دارفور لن يتحمل تلك الاحداث . اذن من يتحمل ذلك ؟ هل جنى اهالى كلمه على انفسهم ؟؟ ام هم من قتلوا بعضهم البعض؟؟ وما الذى اوجد قوات الاحتياطى بالمعسكر من اساسه ؟؟
على اى نحن نستنكر وندين العنف ضد المدنيين العزل مهما كان وفى اى مكان ومن اى جهة صدرت سواء ان كان من المتمردين ام من الحكومة ام من اى مكان وفى اى مكان فى العالم .
تطورت احداث (كلمه) لاكثر من ذلك و حينما غضب بعض الصبية لما يعانيه ذويهم من تقتيل وتنكيل , فتسللوا الى احدى الطائرات المتجهة الى الخرطوم واختطفوها بدعوى انهم لديهم رسائل يودون ابلاغها للامم المتحدة , لقد كانوا يحملون معهم صورا وافلاما توثق لما دار فى معسكر (كلمه) حسب افادات بعض من كانوا على متن الطائرة المختطفة , وكانت من ضمن اهدافهم ايصال ادلتهم تلك الى المنظمة الدولية حسب رواياتهم , لتطور الاحداث لاحقا ويقدم عدد من دستوريى الحركة الشعبية بحكومة ولاية جنوب دارفور استقالاتهم احتجاجا لما حدث . لتتبنى قيادة الحركة الشعبية بجنوب دارفور موقف دستورييها وتعلق مشاركتها فى حكومات دارفور وقوفا مع اهالى كلمه فى محنتهم التحية للحركة الشعبية لهذا الموقف النبيل والمسؤل تجاه اهل دارفور.
والسؤال الملح الذى يظل يطرح نفسه فى عناد , ثم ماذا بعد (كلمه) هل ستمر كما مرت مثيلاتها من قبل ؟ وان مجموعة من الناس راحوا ضحايا حادث ماساوى عابر ارتكبها بعض صبية الدولة السودانية تجاه اناس يعيشون على هامش الحياة (وفى الموت راحة لهم من هذه الفانية) كما يحكيها بعضهم فى مجالس المدينة , ولن يتحمل اى جهة مسؤلية ذلك ؟؟ ام ان لجنة التحقيق تلك ستحقق وترفع تقريرها الذى سيلحق بتقرير بروفسر دفع الله الحاج يوسف الذى ضاع بين اضابير وارفف القصر الجمهورى, ولكن عفى الله عما سلف , كما ظل يحدث دوما ؟؟ ام سيكون هناك تحركا قضائيا ازاء هذا الامر وتكراره ؟ ام سيتكرر الامر فى معسكر اخر؟ ويرحل اهالى (كلمه) قسرا الى معسكر (اماكاسارا) كما يقال , حيث انه مكان بعيد نسبيا ومخفى قليلا من اعين زوار مدينة نيالا . ويظل الاسف مصاحبا لاداء منظمات المجتمع المدنى السودانى , فحينما تهاجم الحكومة موقعا ما يتم ادانتهم لها على استحياء وتحت ستائر كثيفة من المبررات , ولكن عندما تدور المؤشر فى تجاهات اخرى فالادانة ستكون باشد واقوى الالفاظ , ولا باس من وصف بعضهم بالعملاء والمندسين والخونة والمرتزقة وماجورى دول الصهيونية والاستكبار, ولكن لن يكون ذلك هو الحل مطلقا , فخيرا لنا ان نعترف بالازمة وان نسعى لحلها بالطرق السلمية الواضحة والا فلن يجد اهل دارفور الامن ولن يهدأ بال بقية اهل السودان لان دارفور منتشرة ومتجذرة بطول وعرض هذا الوطن
ولنا عودة
عبدالقادر محمد ابكر
امدرمان
حركة جيش تحرير السودان
8 رمضان
الموافق 8/9/2008م
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة