|
مثقفون اتهموه بالعنصرية وبمعاداة أفريقيا ... السودانيون يختلفون حول الطيب صالح
< >الخرطوم – عصام أبو القاسم الحياة - 08/09/08//
فيما كانت الأوساط الأدبية السودانية تتناقل خلال الأيام الفائتة، أخبار الحالة الصحية المتردية للروائي السوداني الطيب صالح المقيم في بريطانيا فاجأت القناة الفضائية السودانية الرسمية الجمهور ببثها حواراً أراد مُعده أن يكون سياسياً، مع الروائي الذي عُرف عنه تفاديه الدائم لأية حوارات غير أدبية. وقال خلال الحوار: «ليست لدي أي خلفية سياسية...». وسريعاً ارتفعت الأصداء حول مواقف الطيب صالح من قضايا مثل المحكمة الجنائية والوضع في دارفور والحركات المسلحة وسواها، وخفتت الهموم المتعلقة بحالته الصحية!
إشارة الروائي الى ضعف صلته بالسياسة لم تشفع له لدى الكثير ممن يُطلق عليهم هنا «كتاب الأسافير» في مساحاتهم الحرة في مواقع الحوار الإلكتروني خصوصاً موقعي «سودانيز اونلاين» و «سودان للجميع»، وبلغ أمر الحوار عند أحدهم أن وصف صالح بالعنصري. ورأى ثان أن افتتان الطيب صالح بالشاعر المتنبي حمله على تقليده في العلاقة بالسلطة. وثمة ثالث لم يجد طريقة للتعبير عن ضيقه بإفادات الرجل إلا أن يقول: «لقد كرهت روايته موسم الهجرة الى الشمال الآن»!
في وقت سابق كتب الطيب صالح منتقداً نظام الإنقاذ الذي تسلّم السلطة من طريق انقلاب حزيران (يونيو) 1989، وتحوّلت عبارته «من أين أتى هؤلاء؟» التي لخصّ فيها استغرابه وحيرته إزاء طرائق إدارة النظام للوضع في السودان. هذه العبارة بثقلها الرمزي، تحولت الى مجاز ثابت في بلاغة الكتاب المعارضين للنظام. وكان أن دفع الطيب صالح ثمن عبارته تلك منعاً لرواياته وإيقاف تدريسها في كليات الآداب السودانية.
ولكن، وفي العام 2005 كان غريباً بالنسبة للكثيرين أمر استجابة الطيب صالح لدعوة النظام للمشاركة في فعاليات «الخرطوم عاصمة للثقافة العربية»، وحفلت منابر الحوار الثقافي بالانتقادات اللاذعة لصاحب «موسم الهجرة...». وفي هذا القبيل جرت حوارات حول علاقة المبدع بالسلطة وتقلباتها المحيرة. ومن المواقف اللافتة هنا الإشارة التي أوردها حسن موسى الفنان التشكيلي السوداني المقيم في فرنسا، في مقالته «دليل الفالح في استخدام الطيب صالح» التي نشرها حينها في موقع «سودان للجميع» الإلكتروني. وأشار فيها الى ان الطيب صالح يتم استخدامه في أغراض سياسية، الرجل ربما اختار أن يتعامى أو أن يتظاهر بالعمى في مثل هذه الأحوال.
وتوازياً مع سياسة الملاحقة البوليسية والسجن والتشريد التي كابدها عدد كبير من المثقفين اليساريين المعارضين لديكتاتورية جعفر النميري، سعى نظام النميري في منتصف السبعينات سعياً جاداً لاستقطاب قطاع المثقفين الذي كان جل أعضائه لا يزالون أوفياء لدوائر المعارضة. وقد اجتهدت السلطة آنذاك في بذل الامتيازات الأدبية والمادية للعناية بكل مثقف قابل للاستمالة. و «انمسخ» بعض الشعراء والمبدعين وزراء وسفراء وكلاء ومدراء مصالح، ووسمهم النميري بأنواع من الأوسمة. وكان نصيب الطيب صالح من عطايا النميري و «وشاح الفنون والآداب». هذا ما أفادت به مقالة حسن موسى. إلا أن «الطيب ليس الجهة التي غالباً ما تتجه اليها قوى الشعب السوداني لتقف على استنارة حكامها، فهو يحتل في السودان مكتبات المواطنين، ويؤثر في ذوقهم ومعارفهم. هو «عرس الزين» و «موسم الهجرة» و «بندر شاه» وما يأتي...» كما يقول عبدالله علي ابراهيم.
وما ان عاد الطيب صالح الى السودان عام 2005 حتى احتشدت حوله الاحتفالات الثقافية التابعة للحكومة والمعارضة على السواء وهو وان بدا حذراً في تصريحاته للإعلام إلا أنه لم يظهر أي اهتمام بما أثير حول استجابته لدعوة الحكومة!
ووسط أطياف الحوارات الدائرة حول مواقف الطيب صالح من الأنظمة الحاكمة في بلده السودان ظهرت أخيراً، آراء تصف الطيب بالمعادي للأفارقة، والعنصري المنحاز للعروبة، إضافة الى مسألة تقبله للنظام الحاكم. ويشير بعضهم الى الأمر بمقتطفات من حوارات ومقالات له... هوذا أحدهم يكتب في موقع «سودانيز أونلاين»: «يلغي الطيب صالح كل التنوع العرقي والثقافي في السودان ويقول بعنصريته المعهودة: نحن عرب مسلمون هذا هو الذي نفهمه، في السودان. يقال في السودان: دا ولد عرب، والعروبة عندنا قضية مفروغ منها، مفهوم قائم بحد ذاته، لما يقال دا فلان ولد عرب، دي قيمة».
ثقافياً مسألة أفريقانية السودان وعروبيته هي من المسائل الأكثر سخونة منذ ثلاثينات القرن الماضي، ويربط بعضهم بين وطأة سؤال الهوية هذا والحرب التي دارت رحاها وقتاً طويلاً بين الشمال العربي والجنوب الأفريقي، ويربط بعضهم الان بين شقاء هذا السؤال والأحداث التي تشهدها دارفور.
ويقول الكاتب الباقر عفيف ان الطيب صالح بالنسبة له هو من المثقفين الشماليين الذين لا يجدون أي حق لأية ثقافة غير العربية في الفضاء الثقافي السوداني. ويضيف: «ما زال الناس ينتظرون أن يقول الطيب صالح شيئاً عن دارفور، مسرح أقسى الكوارث الإنسانية كما وصفتها الأمم المتحدة. حاز الطيب صالح عدداً من الجوائز الأدبية العالمية، كان آخرها جائزة القاهرة الروائية في 2005، وتوقع الناس أن يستخدم المنبر والمناسبة ليتحدث عن دارفور في كلمته الاحتفالية، لكنه استغل المناسبة ليتحدث عن أمر آخر. لقد استغلها لانتقاد تطبيق الشريعة في السودان صاباً جام غضبه على اسلاميي السودان لتطرفهم في تطبيق الشريعة، بينما أرضهم لا تضم قبراً لصحابي واحد، ولم يذكر حرفاً واحداً عن دارفور».
كانت الأصداء متعددة إزاء الحوار الذي أجرته الفضائية السودانية مع الطيب صالح خصوصاً انه تطرق لموضوعات في غاية الحساسية. وربما كان في التعميم الصحافي للقناة الذي سبق بث الحوار، الكثير مما ينبئ بذلك. وفي الحوار وصف الطيب صالح ادعاءات المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الجمهورية بأنها «لئيمة كل اللؤم». وقال ان المحكمة الجنائية أصبحت أداة تستغلها الولايات الأميركية، مؤكداً في الوقت ذاته وقوفه مع رئيس الجمهورية المشير عمر حسن أحمد البشير، موضحاً أنه الأنسب لقيادة البلاد في المرحلة الحرجة التي تمر فيها، وقال: «البشير رجل متواضع، ليست لديه نفحة العسكر.
انه رجل سلام يأسى للجراحات ويعمل لجمع الصف الوطني». وشن هجوماً عنيفاً على قيادات حزب المؤتمر الشعبي وقال ان حقبة حسن الترابي رئيس الحزب في أعوام الإنقاذ الأولى كانت «هستيرية وكان اعلامها خشناً»، واصفاً في الوقت ذاته علي الحاج نائب الأمين العام لحزب المؤتمر الــشعبي بأنه «رجل مــخرب». وقال ان عبدالواحد محمد نور «ولد صغير ولا يصلح لأن يكون زعيماً». |