سوريا ومحاولة الاستفادة من التطورات السياسية العالمية
الأسد يطرح مبادرة من اجل السلام في دارفور
الخرطوم: محمد عثمان الخضر
اتسمت العلاقات السورية مع الكثير من دول العالم الخارجي في الأعوام السابقة بجانب كبير من المقاطعة والعزلة الدولية وذلك من خلال السياج الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية علي النظام السوري، فقد أدرجت الولايات المتحدة الأمريكية سوريا ضمن الدول الراعية للإرهاب، كما وصفتها بأنها تمثل احد أضلاع مثلث دول محور الشر في العالم، وكان آخر صور المؤامرات التي تحاك ضد النظام السوري هو اتهامه بان وراء اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق وذلك من خلال عمليات التحقيق التي طالت بعض الشخصيات النافذة في النظام السوري بتهمة التدبير والتخطيط لعملية الاغتيال بالإضافة إلي التقارب الكبير بين سوريا وإيران حيث ترى سوريا أحقية إيران في امتلاك التكنولوجيا النووية وان التقرب الكبير بين بينهما علي مستوى القيادة والشعب من شانه إحباط كل المؤامرات التي تحاك ليس ضد البلدين فقط وإنما ضد المنطقة العربية والإسلامية بأكملها.
تحاول سوريا الاستفادة من التغيرات الكبيرة التي يشهدها المسرح الدولي للخروج من العزلة المفروضة عليها من جانب ولتبني مواقف أكثر ايجابية في القضايا الدولية وقضايا المنطقة العربية على وجه الخصوص من جانب آخر. فقد سارع الرئيس السوري إلي زيارة روسيا بعد الإحداث التي نشبت بين روسيا وجورجيا. استبقها بإطلاق تصريحات، في وسائل الإعلام الروسية، أعلن تأييده فيها لما قامت به القوات الروسية في أوسيتيا الجنوبية، كما أشار إلى انه سيسعى لاستغلال صراع روسيا مع جورجيا الذي تقول فيه موسكو أن هذه الأخيرة استخدمت معدات عسكرية زودتها بها إسرائيل، لتأكيد الحاجة لتعزيز روسيا تعاونها العسكري مع بلاده، كرد على الخطوة الإسرائيلية مع جورجيا. . ووصل الرئيس الأسد إلى روسيا واجري مباحثات مع نظيره الروسي ديمتري مدفيديف. وقال الأسد لصحيفة «كوميرسانت» الروسية عن أهداف زيارته بالطبع التعاون العسكري والفني هو القضية الأساسية ومشتريات الأسلحة مسألة بالغة الأهمية». معتبرا أن الوضع الناجم عن النزاع الروسي الجو رجي سيكون مدخلا مناسبا، ويمكن أن يساعد مشاريعه هذه. مشيرا إلى أن «الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل» على روسيا لمنعها من بيع الأسلحة إلى سوريا «لا تتوقف». لكن الرئيس السوري اعتبر انه «بما أن دور إسرائيل ومستشاريها العسكريين في الأزمة الجورجية أصبح الآن معروفا للجميع» فان هذه الضغوط لن يكون لها تأثير على العلاقات بين موسكو ودمشق في هذا المجال. وأعرب الأسد عن أمله في توقف روسيا عن المضي في محاولاتها للتقارب مع الغرب والشراكة مع بلدان الناتو، مشيرا إلى حالة الجمود التي سبق وأصابتها إبان حقبة تسعينيات القرن الماضي، وما شهدته سياستها الخارجية من تطورات ديناميكية مع بداية القرن الحادي والعشرين والتي يقصد بها سنوات حكم الرئيس السابق فلاديمير بوتين.
وقال الأسد أن التقديرات المبدئية للأحداث الأخيرة في أوسيتيا الجنوبية مثال صارخ على المعايير المزدوجة مشيرا إلى ما تشدق به الغرب عن حق تقرير المصير بالنسبة لكوسوفو. وأشار إلى إن جورجيا هي التي بدأت الأزمة فيما يتهم الغرب روسيا بمسؤولية إشعالها. متهماً إسرائيل بعلب دور كبير في هذه الحرب. وأشار الأسد إلى أن المحاولات التي تستهدف عزل روسيا تتواصل على مدى العديد من الأعوام وان هناك الكثير من القوى التي تسعى من اجل تقويض اقتصادها والتدخل في شؤونها الداخلية في الوقت الذي تواصل فيه نشر عناصر الدرع الصاروخي في أوروبا الشرقية مما يعرض المصالح الروسية في المنطقة للخطر. وقال أن تحريض جورجيا على تصعيد النزاع خطوة على طريق محاولات فرض العزلة الدولية حول روسيا مؤكدا أن مواصلتها أداء دور الدولة العظمى لا بد وان يسفر عن فشل هذه المحاولات وأبدى استعداد سوريا لفتح كل قنوات التعاون مع الجانب الروسي وخاصة العلاقات العسكرية وفتح الأراضي السورية لاستقبال الوجود العسكري الروسي في المنطقة لخلق التوازن المطلوب.
ثم كانت بعد ذلك زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى دمشق (3 ـ 4 سبتمبر)، وهي الأولى على مدى ست سنوات، فقد كانت بحد ذاتها حدثا تاريخيا، وخاصة نظرا لواقعة عدم قيام أي من القادة الغربيين الكبار بزيارة سوريا خلال السنوات الأخيرة. وفي الوقت ذاته جرى بمناسبة زيارة نيكولا ساركوزي عقد قمة رباعية خصصت للوضع في الشرق الأوسط، وقضايا المنطقة الأساسية، وكانت حرب القوقاز من بينها.
تكونت القمة الرباعية من الرئيس السوري، الرئيس الفرنسي، أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ورئيس وزراء تركيا رجب طيب اردوغان. علما إن مجموعة المشاركين في القمة هذه ليست عفوية، إذ أن فرنسا تترأس الآن الاتحاد الأوروبي، وسورية تترأس الجامعة العربية، وتركيا تعتبر وسيط نشط في المفاوضات السورية الإسرائيلية، وقطر التي لعبت دورا كبيرا في تحقيق الوفاق داخل لبنان بمشاركة دمشق بعد حالة الاضطرابات الكبيرة التي شهدتها لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري. إن القمة الرباعية جاءت في ظرف دولي استثنائي في خطورته واستثنائي في تفاعلاته من خلال التطورات التي تشهدها الساحة الدولية.
ونتائج القمة تتحدث عن ذلك خاصة حين التأكيد على أن النقاش كان صريحاً جداً ولم تترك القمة أي موضوع إلا وتطرّقت إليه الدولية منها والإقليمية والتي شكل التعاطي معها توافقاً في معظم الأحيان واختلافاً في بعض من القضايا الأخرى دون الوصول إلي طرق مغلقة بل إلي تفاهم كبير من اجل توسيع اطر المناقشات . وتمثلت بمحاور عدة يتقدمها الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط والمفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل والمرحلة التي وصلت إليها وآفاقها. ويلاحظ أن القمتين الثنائية (الأسد وساركوزي) والرباعية ناقشت أربعة محاور رئيسية كانت تتقدم جدول أعمالها وهي شكلت أسساً ومبادئ تعتبر المؤشر الحقيقي للحقبة القادمة من التواصل أولاً بين دمشق وباريس وحراكاً مواكباً من العواصم الأخرى أنقرة والدوحة وللحقيقة نقول إن هذه العناوين والأسس كانت ولا تزال تمثل منهجية السياسة السورية وثوابت القيادة فيها. ويعتبر "الرباعي" الجديد هو تركيب هام لقوى ومصالح، ويشكل محورا يمتد من الخليج العربي وحتى البحر الأسود عبر البحر الأبيض المتوسط، جامعا كافة القضايا الإقليمية من إيران وحتى القوقاز، بما فيها عقدة الشرق الأوسط، في كتلة واحدة. وهذا الاتحاد متوازن بممثلي الغرب والشرق، وحلفاء واشنطن وخصومها. والمنطلق في كل ذلك أن الحوار والتفاهم كما تراهما سوريا هما الأسلوب الأفضل والأنجح لحل كل القضايا في المنطقة وغيرها الذي يأتي في الوقت نفسه نقيض أسلوب التعنت والعنف والصدام الذي اتبعه الآخرون وأثبتت التجارب السابقة فشله وثقل مآسيه ابتداء من فلسطين مروراً بالعراق وأفغانستان وانتهاء بأزمة القوقاز والحرب التي شنتها جورجيا على أوسيتيا الجنوبية والبصمة الأميركية فيها وصولاً إلى الملف النووي الإيراني.
ومن القضايا التي ناقشتها القمة الرباعية في دمشق الأزمة في دارفور وقد تسلم الرئيس السوري بعد موافقة باقي الأعضاء مبادرة للتوسط في حل النزاع الدائر في الإقليم منذ العام 2003م وذلك بالتعاون مع ليبيا والجزائر، وقد حذر الأسد من أي خطوة لتقسيم وحدة السودان وذلك للتهديد الذي يمكن يودي له التقسيم للمنطقة العربية بأكملها وسوف تحمل الأيام القادمة الكثير من التفاصيل حول مبادرة الأسد لحل قضية دارفور.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة