لواء أوباما الإلكتروني
د. أسامه عثمان ، نيويورك
جاء في الأخبار أن المؤتمر الوطني قد أعد ألفا من "الدبابين خلف الكي بورد" أو ما أسماه "اللواء الإلكتروني" لمتابعة وتفنيد دعاوى أوكامبو على شبكة الإنترنت. وأن هنالك حملة لجمع أكثر من عشرة ملايين توقيع إلكتروني ضد إجراءات المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس البشير. قلت في نفسي عند قراءة هذه الأخبار يبدو أن تلك المحنة ستدخل السودان حقا العصر الإلكتروني. أو لم تفاخر الجبهة الإسلامية القومية قبل أكثر عقدين من الزمان عند إجراء آخر انتخابات ديمقراطية في البلاد بأنها الحزب الوحيد الذي استخدم الحاسوب في إدارة الانتخابات، لا سيما في دائرة الصحافة التي ترشح فيها الدكتور الترابي وسقط سقوطا مشرفا في نهاية الأمر. أو ربما يكون الدبابون قد استفادوا من تجربة القاعدة وما شابهها من الجماعات في استخدام الإعلام والتقنية الحديثة في حربهم ضد العالم أجمع وبحمد الله فإنهم لم ينقلوا لنا بعد الأساليب الانتحارية المتنوعة.
لقد تجلى الاستخدام الفعال للتقنيات الحديثة ووسائل الاتصال العصرية ومن أهمها شبكة الانترنيت في حملة المرشح الديمقراطي باراك أوباما بشكل كبير جعل بعض خصومه من أمثال ميث رومني، المرشح المرموني ، الذي انسحب من السباق في وقت مبكر وكأن يأمل في الفوز بالترشيح لمنصب نائب الرئيس من قبل جون ماكين بأن أوباما عبارة عن ظاهرة خلقتها الإنترنيت. لا شك أن مدادا كثيرا سيراق إذا ما فاز باراك أوباما ليصبح أول رئيس أسود للولايات المتحدة الأمريكية في محاولة فهم الأسباب التي قادت إلى ذلك النجاح ولا شك أن براعة حملته الرسمية ونشاط مناصريه في استخدام الانترنيت ستكون من بين تلك الأسباب.
كان الانتباه لأهمية الانترنت كوسيلة للتواصل في الحملات الانتخابية قد بدأت عند حملة المرشح الديمقراطي هوارد دين للانتخابات الأولية في عام 2004. كما هو معروف فإن هوارد دين لم يمض في الشوط حتى نهايته ولكنه بفضل هذه الوسيلة المفتوحة قد أصبح المرشح الأول في سباق الديمقراطيين للفوز بثقة الحزب وترشيحه في النهاية.
استفاد أوباما في حملته من هذه التجربة وصمم مستشاروه استراتيجية لاستخدام هذه الوسيلة المفتوحة للفكاك من أسر اللوبيات وجماعات الضغط وبارونات أجهزة الإعلام الكبرى المسيطرة على الساحة الإعلامية في أمريكا والتي تسهم بشكل كبير في صنع الرؤساء وفي فشل من لا تريد له النجاح. أبرز مظاهر استخدام الانترنيت هو الموقع الرسمي للمرشح الذي يعتبر المرجع الأساسي لكل الأجهزة الأخرى إن أرادت التثبت من معلومة ما. و الموقع يشتمل على جميع مواقف المرشح في مختلف القضايا وسيرته الذاتية وصور وأشرطة متجددة باستمرار لنشاطاته أثناء الحملة إلى جانب وسائل وأدوات للدعاية وتجنيد المناصرين بصيغ متنوعة.
ومن أبرز ما نجحت فيه حملة أوباما هو استخدام الانترنت في جمع التبرعات للحملة من صغار المتبرعين مباشرة على الخط أو عن طريق تنظيمهم لاجتماعات وسهرات لجمع التبرعات من أصدقائهم ومعارفهم لصالح الحملة. ونجاح الحملة يكمن في خطابها المبسط المقنع للمتبرعين مما يجعلهم ينتظمون في التبرع وإن كان في حده الأدنى (25 دولار) والأرقام القياسية في جمع التبرعات جعلت المرشح أوباما يستغني عن الدعم المقدم من الحكومة الفيدرالية له وفقا للنظام الذي أنشئ بعد فضيحة ووترقيت في بداية سنين السبعين من القرن الماضي والذي يبلغ ثمانين مليونا من الدولارات.
المظهر الآخر الذي ميز استخدام حملة أوباما للانتيرنيت هو الاستخدام الموسع للبريد الإلكتروني كوسيلة للتواصل السريع والسهل الميسور للجميع. يتداول أنصار الحملة الكثير من الرسائل لصالح مرشحهم وأخرى في التعريض بمنافسهم. والرسائل ليست نصية فقط وإنما بها الصور والرسوم وأفلام الفيديو القصيرة. وبرع أنصار اوباما في استخدام التقنية لأن معظمهم من الشباب دون الرابعة والعشرين وهي شريحة تجيد استخدام التقنيات الحديثة وتتعامل معها كجزء من حياتها اليومية. ولقد شنعوا بالسيد جون ماكين المرشح الجمهوري المنافس أيما تشنيع عندما أعلن أنه لا يعرف كيف يرسل بريدا إلكترونيا وإنما يطلب من زوجته القيام بذلك.
وفعالية حملة أوباما نجمت من انتظام الشباب المؤيد له في مجموعات عنقودية بحسب الولاية أو موضع الاهتمام تراقب وتتابع كل ما ينشر على الشبكة على مدار ساعات اليوم لاسيما المواقع الخاصة بالطرف الآخر أو المساندة له. كما يتصدى جزء منهم لأصحاب المدونات ويردون عليهم. دقة المتابعة هذه برزت أهميتها في القضاء على الشائعات فور ظهورها كاسرة بذلك القاعدة المعروفة في علم الاتصال بأن التصدي للشائعة يزيدها وهجا وانتشارا. أورد أحد المواقع المعادية لحملة أوباما خبرا عن أن طائرة حملة أوباما لا تحمل العلم الأمريكي وهذا في إطار إثبات عدم وطنيته، وأورد آخرون بأن العلم موجود ولكنه صغير الحجم وغير واضح. رأى أحد المتابعين للمدونات هذا الخبر فسارع بتنزيل صورة لطائرة الحملة مع إبراز العلم الأمريكي، بل زاد على ذلك بان أرفق معها صورة لطائرة حملة جون ماكين وموقع العلم في نفس حجم وموقع العلم على طائرة حملة أوباما ونشروا هذه الصور على نطاق واسع من خلال البريد الالكتروني وبعد أربع ساعات حاصروا الشائعة حصارا تاما.
ومن الوسائل الأخرى الفعالة المنابر المفتوحة من أمثال " فيس بووك" و " ماي اسبيس" و " يوتوب" وهذا الموقع الأخير، قد قامت هيئة الاتصالات في السودان، بإغلاقه مؤخرا، من أكثرها فعالية لأنه منبر مفتوح لتحميل الصور والفيديو لمن شاء ويشاهده عدد كبير من الناس. لقد انضم السيد أوكامبو لموقع "فيس بووك" ليرى كيف يفكر الشباب وما هي حججهم في مواجهة حججه. ولم نسمع بانتصارات للوائنا الإلكتروني بعد في هذه الجبهة.
إن هذا الاستخدام الفعال لوسائل الاتصال يجد أساسه في برنامج المرشح أوباما حيث يشتمل البرنامج المطروح على موقع الحملة على تصدير مقتبس من أقوال أوباما " فلنكن ذلك الجيل الذي يجعل اقتصادنا منافسا في العصر الرقمي هذا. علينا أن نرفع مستوى التعليم لأقصى ما هو ممكن وأن نعد جيشا من المعلمين وأن نبذل لهم العطاء ومعينات العمل ثم نحاسبهم على النتائج، كما علينا أن نمد خطوط الموجات العريضة لكل المدن والقرى في جميع أرجاء أمريكا". فهو يؤمن بأن الإبقاء على الانترنيت مفتوحة ومتاحة للجميع من أنجع وسائل ديمقراطية المعرفة وفي ذلك يعارض بشدة دعاة تقنين الانترنيت خشية وقوعها في احتكار قلة من شركات خطوط الدعم كما يؤمن بأن حياد أكبر شبكة مفتوحة في تاريخ البشرية هو مصدر قوتها والذي مكن لشخص مثله أن يسعى ليغير مسار التاريخ بعض الشيء في بلاده.
وإذا عدنا إلى لوائنا الإلكتروني فإننا لم نر بعد أو نسمع نتائج غزواته في المجال الرقمي وقد مضى على بدء إجراءات المحكمة قرابة الشهرين ويعكف قضاتها على دارسة طلب أوكامبو بغية القرار بشأنه في منتصف الشهر القادم. قد يكون من المفيد إرسال سرية واحدة من هذا اللواء الإلكتروني إلى نيويورك لتصميم موقع إلكتروني لبعثة السودان لدى الأمم المتحدة يشتمل ضمن ما يشتمل على خطابات السودان أمام مجلس الأمن والجمعية العامة وغيرها من الهيئات لأن هذه الخطابات عادة ما تتوفر على قدر من الجهد في التمحيص والتفنيد لتبيان وجهة نظر حكومة السودان ولكن يختفي أثرها فور انتهاء الجلسة التي تليت فيها لأن من فاتته نسخة منها عقب الجلسة عز ما يجدها في أي مكان آخر وإذا وجدها فإنها تكون بالعربية والعربية بالطبع ليست لغة الإعلام العالمي ويكتفي الصحفيون في أغلب الأحيان بالإجابات التي يقدمها لهم مندوب السودان الدائم الذي يسعى بكل ما أوتي من وسائل لتبيان وجهة نظر حكومة بلاده، ومهما كان بيانه قويا فهو في نهاية الأمر صوت واحد، وكثيرا ما يجره الصحفيون بأساليبهم المعروفة إلى المواقع التي يريدون وربما استفزه بعضهم بسؤال من هنا أو هناك فيستجيب لاستفزازهم في بعض الأحيان فيسعدون بإجاباته في مثل هذه الحالات ويفردون لها المساحات ومن أراد بعض النماذج لذلك فدونه موقع "يو توب" الذي يفيض بالأمثلة. ولقد بحثت عن حجج السودان ممثلة في خطاباته عقب عدة قرارات مصيرية صدرت من مجلس الأمن في السنوات الأخيرة لاستشهد بها في سلسلة مقالات كنت قد نشرتها في هذه الصحيفة عن السودان والمحكمة الدولية ولم أعثر لها على أثر وكنت آمل أن يسعفني موقع وزارة الخارجية السودانية ولكني لم أجد فيه إلا بعض خطابات رئيس الجمهورية في بعض المناسبات. ولا أدري ما هي معايير وزارة الخارجية أو إدارة الإعلام الخارجي في تعيين المستشارين الإعلاميين في هذه البعثة أو تلك. ولا أدري ما هو سر تركة ثغرة إعلامية في موقع مثل نيويورك يتطلب التصدي الفوري لكل ما يقال وما يصدر من بيانات بشكل علمي ومدروس وهو لعمري عمل يتطلب وجود "سرية كاملة" وفيما أوردنا أعلاه من تنظيم للمتابعة والتصدي في حملة أوباما مثال يحتذي وربما قال قائل باختلاف الانتخابات عن العمل الدبلوماسي، وله نقول أن هنالك تجربة أخرى رائدة وهي الموقع الإلكتروني لبعثة كوبا لدي الأمم المتحدة وليس من بلد أكثر استهدافا من كوبا خصوصا من قبل الولايات المتحدة وإعلامها. تجد في موقع بعثة كوبا أي كلمة أو خطاب أو تصريح يدلون به في أي محفل من محافل الأمم المتحدة باللغة الأسبانية مع ترجمة باللغة الإنكليزية وبعثتهم لدى الأمم المتحدة من أكبر البعثات لأنه ليست لهم سفارة في واشنطن كما هو معروف. ولقد طوفت بمواقع سفارات السودان المختلفة على شبكة الأنتيرنت فوجدت أنها تتفاوت في المحتوى والشكل وربما كان أمرها متروكا لاجتهاد كل بعثة دون سياسة معلومة ومحددة سلفا لما ينبغي أن يكون في هذه المواقع الإسفيرية وربما أثرت البيئة العامة ووجود الخبرات الفنية في تصميم الموقع ونشاطه ويجدر أن نذكر نموذجا مشرقا من هذه المواقع وهو موقع سفارة السودان في الهند.
وبعد، يكاد حلم القس مارتين لوثر كينغ، داعية الحقوق المدنية يتحقق إذا ما فاز باراك أوباما برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية في نوفمبر القادم. يا ترى سيتحقق حلم محجوب شريف وحلمنا جميعا بأن نرى البنحلم بيه يوماتي، وطن شامخ وطن عاتي وهل يا ترى سيتيح لنا العصر الرقمي فرصة أن نبني ذلك الوطن حتى يكون حدادي مدادي ليس بالضجة في الرادي ولا الخطب الحماسية. عندما أشاهد القناة الفضائية السودانية من على البعد أحس بأننا يا محجوب يا شريف لا رحنا ولا جينا. رمضان كريم وإلى اللقاء.
أسامه عثمان، نيويورك
Ussama1999@yahoo.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة