شِيِّلا...إذا حَضَر المَاء بَطَل التيمّم!
فتحي الضّـو
faldaw@hotmail.com
طالما أننا نعيش نفحات شهر فضيل، فليسمح لنا القاريء الكريم أن نستثمر روحانياته ونُقحِمه في موضوع خاص، بأمل أن نجد عنده حلاً ناجعاً يُبدد سحب القلق والأرق التي باتت تعترينا من حين لآخر، سيِّما، وأنها في إزدياد مُطّرد تبعاً لزيادة المسببات التى أنتجتها، ونخشى أن تتحول لهواجس وتصبح بعدئذٍ حالة مرضية يصعب علاجها، هذه المشكلة أو الظاهرة تتلخص ببساطة في العلاقة التي نشأت بيننا وبين بعض اخواننا الذين أصبحوا يتساقطون من حين لآخر على موائد (المؤتمر الوطني) وتلك كانت علاقة سياسية في حدها الأدنى، توطدت بعلائق اجتماعية في سقفها الأعلى، وزدناها طابقاً آخراً مع بعضهم بقواسم ثقافية وفكرية مشتركة، ويعلم الله بل ويعلم بعض خلقه أيضاً، إننا حافظنا على مواثيقها غير المكتوبه كما تحافظ الأم على وليدها، رغم عِلمّنا بأننا نعيش في بلدٍ قال الاستاذ ابيل ألير عن سياسييه أن شيمتهم الغدر...بعد أن خبرهم وقد تفننوا في نقض العهود والمواثيق. ومع ذلك لأن الثقة كانت معقودة أصلاً في نواصي تلك العلاقة لم نشغل أنفسنا بالشكوك ولا استنكاه ما تخفيه القلوب التي في الصدور، ولو كنا ندرك أن (إخواننا الصغار) - على حد تعبير الترابي فيما نقله عنه الأفندي - كانوا يُضمّرون شيئاً من جنس ما وصمهم به ألير وأنهم سيتسابقون يوماً نحو الغنائم بهِمة من لا يخشى لومة لائم، لكنّا قد نصحناهم باختصار الطريق وتوفير زمن قبل أن يهدروه فيما لا طائل يُجنى من وراءه!
مشكلتنا الآن مع هؤلاء باختصار...ما الكلام الذي يمكن أن يقال بعد السلام؟ فقد كنا نتحدث عن المباديء والقيم والأخلاق، كُنّا نقول إنها قضية وطن فيها من الثوابت ما لا يمكن إخضاعه للمساومة أو المزايدة، وإنها ليست قضية شخصية قابلة للتحول أو التبدل أو التغير، تحدثنا عن الديمقراطية كأعظم إنجاز سياسي توصل له العقل البشري، وبنفس القدر نبذنا الديكتاتورية باعتبارها رجس من عمل الانسان وقلنا أنه ينبغي اجتثاثها، واتفقنا على أن الفساد داء لا دواء له إلا الكي، تنفسنا الصُعداء حينما تواضعنا على حق تقرير المصير بمعناه المطلق لا السياسي وحده، إستنكرنا التهميش والاقصاء ونفي الآخر...ثم مضى حين من الدهر فإذا الاحباب كل في طريق وقد تبدلت المشاهِد، ولم يكن غريباً أن ترى أحد المهرولين بعدئذٍ وهو يُنثر قولاً وينظم شِعراً يكيل فيه الثناء للذين هجاهم بالأمس!
الرفيق فتحي ابراهيم شِيّلا كان آخرهم، فقد هرول من الحزب الاتحادي الديمقراطي إلى حظيرة المؤتمر الوطني، بأسباب وحيثيات ومبررات تمنيت صادقاً لو أنه صمت ولم ينطق بها، لا لشيء إلا لأنها تقدح في مصداقيته وتكشف للناس عيوباً كانت مخبأة في شخصيته، بل وتجعله نموذجاً في الفهم المتخلف للسياسة عند بعض نشطاء أهل السودان من الذين دأبوا على ممارستها في رؤوس اليتامى، ليس هذا فحسب فقد كرَّس لظاهرة إبتدعتها (العصبة) التي انضم لها، وهي ظاهرة (الفهلوة السياسية) التي تتضاد مع الطبيعة والغرائز الانسانية، بمعني أنها تجعل للمرء قلبين في جوفه، مثلما تجعله صاحب (بالين) ويدّعِي الصدق في الوقت نفسه! وحتى نُوفّر للقارىء زمناً يحتاجه فيما هو أجدى وأنفع فليسمح لنا بعشر (موشحات) ننشِدها تعليقاً على انتقال الرفيق شِيّلا من الحزب العتيد إلى الحزب الجديد، وذلك إستناداً على ما خطّه بيده دون أن يطرف له قلم أو جفن:
أولاً: أصدر شِيّلا في 1/6/2008 بياناً أعلن فيه استقالته من الحزب الاتحادي الديمقراطي وذيّله بوظائف تبوأها منذ حقبة الديمقراطية الثالثة وحتى لحظة مغادرته الحزب، وفي 27/8/2008 أصدر بياناً آخراً أعلن فيه انضمامه للمؤتمر الوطني، وقد يظن الناس أن ذلك رقماً قياسياً في تغيير الولاءات السياسية، ولكن واقع الكواليس يقول إن أبواب المؤتمر الوطني كانت مشرعة له أصلاً منذ فترة، ومن باب (الفهلوة السياسية) التي ذكرنا، فكّر وقدّر أن يتبع استراتيجية الخطوة خطوة، ولكن بوتائر زمنية متقاربة فضحت انتهازيته، فهو قد بدأ يكتب مقالات في الصحف ثم اتبعها بالاستقالة وألحقها بالانضمام!
ثانياً: قال شِيّلا في بيان استقالته إنه قضى في رحاب الحزب الاتحادي أربعة عقود زمنية، ومع ذلك فهو لا يُفرّق بين خطاب استقالة يُقدّم لرئيس الحزب عبر القتوات التنظيمية المعروفة، وبين بيان ينشر على الملأ عبر الصحف بذات المضمون، والعالمون ببواطن الأمور وحدهم هم من يعرف لماذا انتهك تلك القاعدة المتعارف عليها في العمل التنظيمي ونشر غسيله في الهواء الطلق!
ثالثاً: كعادة السياسيين الذين يبحثون عن ذرائع لا يُحسنون صُنعها، جعل شِيّلا من (واقعة أمدرمان) التي قامت بها العدل والمساواة مشجباً ومُحَرضِاً له في خطوته «لقد كانت الأحداث التي تعرضت لها مدينة أمدرمان في العاشر من مايو ثمانية وألفين كفيلة بمراجعة مواقف سياسية كثيرة» وكأنه لا يعلم أن ذلك خُلُق أتت به من قبل قوات التجمع الوطني الديمقراطي في كسلا وهمشكوريب وتوقان وعقيق ومرافيت وطوكر وكان هو ساعتئذٍ أحد أعضاء هيئة قيادته، وكأنه لم يسمع أنه من جنس ما قامت به قوات التحالف في مديسيسة واللفة ومينزا وياغورو ويابشر، وكأنه لا يدري أن الحركة الشعبية لم تدنه صراحة رغم أنها شريك في الحكم الذي استهدفه الغزاة، لأنها ببساطة لها يد سلفت في الكرمك وقيسان وجوبا وواو، بل ولكأنه نسى أن ما قامت به العدل والمساواة قامت به ثلاثة تنظيمات (الجبهة الوطنية) حذوك البندقة بالندقية وكان حزب شِيّلا ثاني الثلاثة ولن ينقص من فعلهم أن الناس سمّوهم يومذاك بـ (المرتزقة) فما هذا الضمير السياسي الذي ينام في أفعال من صُنع يده ويصحو في أفعال من صنع الآخرين؟
رابعاً: ثم أنظر لمشجب آخر علّق فيه شِيّلا عجزه وخيبته فهو يقول في استقالته «ظروف المعارضة والتصدي للمقاومة كان في مقدمة أولوياتنا مما استدعي هذا الانتظار الطويل على أمل الاصلاح، لذلك ظللت طيلة الاعوام الأخيرة استمسك بالصبر وأترفع عن التعامل بردود الأفعال إلتزاماً بالخلق السوداني والأدب الاتحادي الرفيع عسى أن يبدو لنا قليل من الضوء في النفق المظلم» الرفيق شِيّلا عِيل صبره كما ترون، علماً بأننا نعلم أنه كان جزءاً من اشكالية الحزب الذي يُزمع اصلاحه، فهو قد تسنم المنصب تلو المنصب لا لقدراته الخارقة ولا لإمكاناته الهائلة، وإنما ببساطة لأن (السيد عايز كده) في حين كان هناك من هو أجدر منه بتلك المناصب، ومنهم من ظلّ ينادي بالاصلاح حتى بح صوته، وليس لثلاثة أشهر هي الحد الفاصل بين السر والجهر!
خامساً: ثمة مشجب ثالث وهو في واقع الأمر (تميمة) درج المهرولون على وضعها على صدورهم كلما دعا داعي المؤتمر الوطني، يقول شِيّلا «إن الوطن يمر بأزمة طاحنة تتقاذفه المخاطر» مع أن أي رضيع سوداني لم يبلغ الفطام بعد يعلم تماماً أن هذا الوطن المغلوب على أمره ظلت تتقاذفه المخاطر والمحن منذ أن هبط سيدنا آدم من الجنة إلى الأرض، ولا سبيل لوقفها إلا بالديمقراطية التي تجعل مواطنه يذهب بمحض إرادته ليختار من يحكمه دون إكراه أو إغراءات، فهل سأل شِيّلا نفسه إن كان قد مارس هذا الحق وهو مقبل نحو المؤتمر الوطني ومدبر عن الاتحادي، ناهيك عن الحقبة الديمقراطية التي تقلد فيها منصباً دستورياً؟
سادساً: من المضحكات المبكيات أن شِيّلا ذكَّر رفاق دربه في الحزب من الذين آذروه أو اختلف معهم أنه سيكون «أمين على كل الاسرار التي كانت بيننا ومسئول عن صيانتها وحفظها وللسيد محمد عثمان الميرغني كل الاحترام والتقدير» وللتأكيد يستشهد ببيت شعر قاله الشاعر المقنع الكندي (إن الذي بيني وبين أبن عمي لمختلف جدا) ويعلم الله أنني قد سمعته من السيد الصادق المهدي قبل ما يناهز الربع قرن وهو يشرح لنا سوء الأوضاع بينه وبين عمه السيد أحمد المهدي عقب انتفاضة ابريل 1985 ولو أن مبارك الفاضل بينه وبين الأدب العربي مودة لما توانى لحظة في استدعاء ذات بيت الشعر عند انشقاقه من إبن عمه، الأمر الذي يثبت - بما لا يدع مجالاً للشك - أن العِلّة ليست في شِيّلا بقدر ما هي في الميرغني، مثلما أن العِلّة إن كانت في مبارك الفاضل فهي تقبع بقدر سواء في الصادق المهدي، ومرتكزها يقول إن هذه أحزاب طائفيه تركيبتها لا تحتمل الديمقراطية التي هي أس أي عمل تنظمي حزبي، وعليه فإن أي ركون لتفسير غير هذا يعد بمثابة هروب للأمام ظللنا نمارسه دون خجل!
سابعاً: في بيان انضمامه قال شِيّلا «في ظل هذه الأجواء الملبدة بالغيوم تمّ الحوار مع المؤتمر الوطني» ولكن يا عزيزي القارىء هل تعلم ما هي الغيوم التي لبدت تلك الأجواء، فهي على حد تعبيره «ان الفترة التى اعقبت صدور بياننا في 1/6/2008م كنت فترة تأمل ودراسة للواقع السياسي الشائك والوطن يمر بمنعطف خطير للغاية واعمال العقل والحكمة هو طوق النجاة من السقوط في هوة سحيقة لايعلم مداها إلا الله شبح التقسيم والتفكيك يخيم على البلاد تعالي اصوات الجهوية والقبلية والعنصرية نذير شؤوم على مستقبل البلاد تقرير المدعي العام للمحكمة الجنائية وماتبعه من طلب توقيف رئيس الجمهورية ازمة حقيقية وحدت الاحزاب السودانية التى رفضت بالاجماع طلب توقيف رئيس الجمهورية» ذلك أشبه يا سادتي بمن يعبىء لك هواءاً في زجاجة ويقول لك ألا ترى جمال لونه؟
ثامناً: في أسوأ إخراج يقوم به سياسي منذ أن خلق الله هذا البلد لخص شِيّلا الدوافع التي حدت به وجماعته للانضمام للمؤتمر الوطني في اربع نقاط «من جانبنا كانت لدينا رؤية يمكن تلخيصها في النقاط التالية أولاً: السودان الان يستشرف مرحلة جديدة يجب ان ينظر فيها للانقاذ باعتبارها تاريخ لاننظر اليه الا بالقدر الذي يعيننا على عدم تكرار الاخطاء. ثانياً: الانفتاح الحقيقي الذي شهده المؤتمر الوطني دفع بالكثيرين الى التوافد اليه بعد ان كانوا حتى وقت قريب من الد اعدائه. ثالثاً: الانتقال بين الاحزاب ليس بدعة ولا حكراً على التجربة السياسية السودانية. رابعاً: ما يطرح من افكار وبرامج متقارب مع الاختلاف في توفر الارادة والجدية والقدرة على التنفيذ وبالتالي فأن التخلي عن الفكر والعقيدة أو الانتماء امر غير وارد فالانتقال يجيء بغرض تحقيق اهدافه في تحقيق طموحات ومصالح الجماهير» فتأمل يا صاح!
تاسعاً: بالنظر لأعلاه لا أدري من الذي قال لشِيّلا إن الانقاذ أصبحت تاريخاً، وكأنه لا يدري أن واقع الحال الماثل يؤكد إمساكها بخناق السلطة رغم (الاكلشيهات) البائنة للعيان، ودعنا نستعين بصديق من القراء ليقل لنا إن كان يعرف أناساً تدافعوا نحو المؤتمر الوطني من أجل تحقيق أهداف وطنية؟ بل هل يعرف الناس ناشطاً سياسياً هرع نحو المؤتمر الوطني وهو زاهد في المال والسلطة؟ وبصورة - واضحة لا فاضحة - هل يستطيع أن يقنعنا شِيّلا بأنه هاجر نحو المؤتمر الوطني طلباً لمرضاة الله؟ ثم أنظر لجنس هذه الميكافيللية فالأخ شيلا يقول إنه مارس شعيرة الانتقال لأنها ليست بدعة ولا حكراً على التجربة السودانية! والأسوأ من هذا وذاك يكرر ممارسة (الفهلوة السياسية) ويقول إن التخلى عن الفكر والعقيدة أو الانتماء أمر غير وارد، وبغض النظر عن كلمة (العقيدة) التي حُشرت حشراً ولا أدري ماذا يقصد بها، فشِيّلا يريد أن يقنع الناس بأنه سيكون اتحادياً كما كان ولكن (بمكنة مؤتمر وطني) كما يقول السودانيون في ثقافتهم الشعبية!
عاشراً: وصف شِيّلا المؤتمر الوطني بأنه «حزب سياسي يتمتع بالمؤسسية والفعالية» والواقع أن هذا قول لا يحتمل سوى واحد من تفسيرين، إما أن شِيّلا لم يعِ ما قال أو أنه ظلّ طيلة ممارسته العمل السياسي لا يعلم معني مؤسسية على وجه الدقة، ويبدو أنه طبقاً للمفهومين معاً باءت كل محاولاته (الاصلاحية) في الحزب الاتحادي بالفشل على حد إقراره! وإلحاقاً لأذي المؤسسية قال شِيّلا للمسؤول الرفيع الذي التقاه هو وجماعته «إن العمل تحت مظلة المؤتمر الوطني أصبح ضرورة وليس خيار» وهي مقولة نُرشِحها كأجمل نكتة قيلت في عهد الانقاذ!
بيد أنني أطلب من شِيّلا في خاتمة مقالي هذا طلبين هما غاية في البساطة، الأول عملاً بالقاعدة التي تقول ما جدوى أن يخسر المرء نفسه ويكسب العالم، أساله بصدق أن يضع ارشيفه الشخصي بين يديه ويبدأ في التهامه حرفاً حرفاً، وتحديداً منذ أن وطأت الانقاذ السلطة بليل وحتى مغادرته الاتحادي في وضح النهار، وليحكي بعد ذلك للناس عن شعوره الحقيقي؟ وواقع الأمر كنت أود أن أكافئه مغبة هذه المهمة الثقيلة على ذوي الضمائر الحيّة وأقوم بها نيابة عنه، ولكن بمجرد أن شرعت فيها شعرت بشيء بدأ يتحرك في امعائي ويدعوني لأن اقذف به بعيداً! أما الأمر الثاني فأقول له دعنا نحن جميعاً، ودعك من جماهير الاتحادي، والمؤتمر الوطني وغيرهم، فقط قل لنا بربك الذي خلقك فسواك فعدلك، كيف أقنعت ابنك (عمّار) بخطوتك تلك، خاصة أنه شاب يافع حمدنا له بدء خطواته في مضمار الصحافة بعيداً عن جلباب أبيه الطائفي؟
عزيزي شِيّلا تذكر دوماً... ما أروع أن تبتسم في وقت تكون فيه دموعك على وشك الانهمار!
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة