فرنسا وسقوط القيم الأوربية 1 – 2 !!؟
الأربعاء 27 / 8 /2008 م آدم خاطر
أوربا المعاصرة بجماع دولها المتمثلة فى الاتحاد الأوربى ومؤسساته هى نتاج نضال وحراك سياسى وثقافى كيفما اختلف الناس حولها ، تمخضت عنه مجموعة الدول الاوربية كل واحدة منها تحمل خصائصها وميزاتها التى تتفرد بها عن شقيقاتها . هذا التكتل بجواره وحدوده المترامية ومصالحه المتشابكة تجمعه قيم وروابط ولغات وثقافات وأعراف تراضوا عليها لتكون هى السلوك الضابط لتعاملاتهم وتحقيق الغايات التى من أجلها بنى اتحادهم ، تعكس حضارة وثقافة تليدة مهما نالت منها تصرفات بعض دول أوربا وقادتها . تربط بينهم اتفاقيات سياسية واقتصادية وحلف عسكرى يحفظ توازن القوى ويمنع الاعتداءات ويناصر بعضهم الآخر ضد اى عدوان أجنبى . ثمة تاريخ و قوالب وأنماط من التعاملات والتبادلات جمعتهم بالشعوب الأخرى فى العالم ، ومصالح واستراتيجيات ومخططات يعود عهدها الى أيام الاستعمار والاجندات الخارجية . كم وافر من القواعد والوجود العسكرى والمنظمات والكنائس ومراكز الاستخبار هى بعض مخلفات البلاد الاوربية فى مستعمراتها بافريقيا . هذا من حيث الاطار النظرى لا من واقع الممارسة السياسية والتعاطى مع الدول ذات السيادة والاستقلال من واقع الخلفيات التى أوجدت العديد من البلدان الاوربية كمستعمرين ، ومكنتهم من غصب الارادة الافريقية واستغلال النفوذ وموارد افريقيا بابشع انماط الاستغلال والهيمنة . فرنسا احدى دول هذه المنظومة أو على رأسها ، وهى قائدة النهضة الاوربية الحديثة ، ومبادىء الديمقراطية والحريات والحكم الرشيد وحقوق الانسان وقيم المساواة الانسانية ! ترى ما الذى تبدل فى عقلية الساسة الفرنسيين فى منتصف تسعينيات العقد الماضى بين عشية وضحاها . فتقرير لجنة التحقيق الوطنية فى رواندا بشأن تورط فرنسا فى المجازر هناك عام 1994 م أثار ردود فعل غاضبة وتصد الصحف ونشرات الأخبار والفضائيات واسعة الانتشار . هذا التقرير أحدث قلقا شديدا على المستوى الرسمى خاصة الاتهامات المباشرة حول تورط كبار المسئولين والعسكريين الفرنسيين فى المجازر ، وقيادة حملاتها بدوافع وأهداف منظمة ومقصودة .
التقرير الرواندى أشار بجلاء الى أن فرنسا ( الحاكمة ) قامت بتدريب واعداد مليشيات الهوتو الذين أطلقوا الشرارة الأولى للمجزرة ، وقد أفاد الشهود من المليشيات المسلحة من الهوتو أن فرنسا ( الدولة ) قامت بافهامهم بأن العدو الأول لهم هم التوتسى لذا ينبغى العمل على سحقهم وتصفيتهم من الوجود . كما قامت هذه ( الدولة الرائدة ) بتدريب أشخاص استخدموا فى ارتكاب جرائم القتل والتنكيل والسحل ، وفرنسا ظلت منخرطة فى تهيئة هذه الاعمال الاجرامية منذ عام 1992 م وفق برنامج تنفيذى دفاعى – مدنى لتدريبهم على الاساليب المختلفة للقتل . و أن ضبطا من المخابرات والبوليس الفرنسى أشرفوا على وضع صور السياسين التوتسى الاساسيين المستهدفين خلال وقبل المجزرة ، كما قام العسكريون الفرنسيون قبل الجزرة بمراقبة وضبط الهويات فى منافذ الطرق مما سهل اصطياد المجموعات المستهدفة من التوتسى والهوتو . التقرير الرواندى أشار بوضوح أن السفير الفرنسى بكيغالى وقتها ( مارلود ) قدم كل المساعدات للعقيد الفرنسى ( ثيونسيلا باقوزورا ) الذى يعتبر العقل المدبر للمجزرة . بل ويضيف التقرير بأن الفرنسيين امتنعوا عن مساعدة وحماية المدنيين أثناء المجزرة . وكانت المشاهد المقززة محل تهكم الجنود الفرنسيين وهم يرون أمرأة حامل تبقر بطنها بواسطة المتمردين الهوتو !؟ . التقرير يشير كذلك الى أن الفرنسيين قاموا بحملات اجلاء انتقائية كما شوهدت كميات كبيرة من الأسلحة الفرنسية قبل وبعد المجزرة . وعن عمليات الاغتصاب أفاد الشهود بأنهم أجبروا بواسطة الفرنسيين لاحضار النساء والفتيات من التوتسى واستباحتهن فى الوقت الذى كانت تهدف فيه عملية السلام الفرنسية المعروفة ( بالترايكوزا ) بتفويض من الأمم المتحدة لحماية المدنيين ! وهذا هو السلام الحقيقى بالمفهوم والعقلية الفرنسية الاوربية ! .
هذا التقرير الذى نورد جزءا من فقراته نشر بصحيفة اللوموند الفرنسية واسعة الانتشار ، وهى طالبت الحكومة الفرنسية بالرد العاجل على الاتهامات الرواندية نقطة بنقطة مهما كانت الشكوك حول ما تضمنه تقرير اللجنة الوطنية الرواندية والدفوعات والشهود الذين ارتكزت اليهم ، وما رمى اليه التقرير من توقيت و أبعاد . ومضت الصحيفة قائلة بأن التقرير تحدث عن وقائع محددة وهو مدعم بالوثائق الدالة على ما أورد خاصة علاقة فرنسا بالمجرمين والدعم المالى والعتاد ونقل الاسلحة والذخائر . وقد أحدث هذا التقرير بالفعل موجة غضب واسعة وتحركات عديدة من منظمات المجتمع المدنى والمنظمات غير الحكومية والناشطين فى مجالات حقوق الانسان داخل فرنسا وفى كافة العواصم الأوربية ، كما يتوقع أن تقوم المؤسسات التشريعية باعادة فتح التحقيق حول مدى تورط فرنسا فى مجزرة رواندا . تجدر الاشارة هنا الى أن الرئيس الفرنسى ساركوزى اعترف لأول مرة منذ عام 1994 م بارتكاب فرنسا لأخطاء فى هذه المجزرة وذلك فى قمة لشبونا فى ديسمبر 2007م خلال لقائه بنظيره الرواندى على هامش القمة . هذه بعض النماذج لمخلفات الاستعمار الاوربى فى اقليمنا وحقيقة الدوافع والمنطلقات التى ينطلق منها عبر الفتن والمؤامرات داخل النسيج المجتمعى الواحد على نحو ما قامت به فرنسا من اسهام مباشر فى المجزرة الرواندية التى راح ضحيتها عشرات الآلاف بل المئات من الارواح البريئة دون أن يندى لها جبين . حصاد فرنسا فى كل الحزام الفرانكفونى بامتدادته العربية والافريقية هو استلاب للعقول ونهب للثروات والموارد دون رقيب أو محاسبة ولكن التاريخ يظل يذكر هذه الفظائع لادعياء الحضارة والنهضة . السبق الفرنسى فى الابادة والقتل شهدته أرض الغرب وتونس وموريتانيا وليس آخرا أرض الجزائر بمليون شهيد عبر ثورتها للتحرر والانعتاق . وهو أيضا مجرب فى الحماية الفرنسية للانظمة فى منطقتنا كما يفعل قائد الحامية العسكرية فى انجمينا أو بانقى وغيرها من مناطق تواجدهم . لان ما تقوم به هذه الحاميات العسكرية هو بمثابة الحاكم العسكرى الفعلى لهذه البلدان أسوة بما كان عليه بيمر حديثا فى العراق . لم يخلف الاستعمار لفرنسى فى أرضنا الافريقية والعربية غير الانموزج المقيت للصلف وأيام النازية والفاشية الجديدة ، وفرنسا تتمشدق بريادة الحداثة والمعاصرة وهى ضالعة حتى الثمالة فيما تروجه من ابادة وتطهير عرقى يظل ملازما لتاريخها وحكامها وأحزابها ، وتبقى يدهاأبدا ملطخة بالدم الافريقى والعربى من عقود خلت . ما فعلته فرنسا فى رواندا وغيرها من مستعمراتها هذا هو جوهر وغاية الوجود الاوربى فى بلداننا ، فالغرب كله ملة واحدة فى حنقه وجبروته على الدول النامية بعد أن عاث فى أرضها الفساد وسلبها بأسلحة الاستعمار والفتك كل خيراتها ، وحتى تلك التى خرج منها مكرها أو تركها بعد أن افقدها كل مقومات البقاء . ولنا عودة باذنه لنتأمل فى واقع التعاطى الفرنسى مع السودان فى مقال آخر .
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة