تاملات في الشأن السوداني
جمال عنقرة
ملامح من تاريخ دار فور
يظن كثيرون أن دارفور السودانية التي عمت شهرتها الآفاق بعد أن شهدت اضطرابات واسعة منذ أوائل هذا القرن العشرين، يظن هؤلاء أنها كانت خافية ولم تظهر إلا بعد أن علا صوت بعض بنيها وحملوا السلاح يطالب بعضهم بالعدل والمساواة، ويطالب آخرون بالتحرير. ولكن الثابت أن دارفور ظلت دوماً هي الأعلي صوتاً بين بقاع السودان كلها، وتلك حقيقة لو أدركها الذين بيدهم الأمر لما وصل الحال فيها لما وصل إليه اليوم، ولما صارت بوابة تتسلل منها الفتن وتقود إلي المهالك.
فهذا الجزء من السودان الذي يقع في أقصي غرب البلاد كان سابقاً في الاستقرار، وفي إرساء دعائم الحكم، وهو الأثري أدباً في الحكم والأمثال، ونساء دارفور أحسن من يجدن فن طهى الطعام وتقديمه.ودارفور هي التي كانت لها مساهمة واضحة في رفع ذكر السودان خارجياً.
فخصوبة أرض دارفور وتنوع المناخ فيها جعل أكثر اهلها الأوائل يشتغلون بالزراعة، ومعلوم أن الزراعة تربط الإنسان بالأرض، والإنسان المرتبط بالأرض يتمسك بها ويجيد فن التعامل معها، ويتواصل الناس بعضهم مع بعض. فتبع ذلك علاقات راسخة بين المواطنين هي التي أرست قواعد الحكم في تلك المنطقة. ولقد استلهم الإقليم قواعد حكمه من طبيعة أهله. واهل دارفور يمتازون بأنهم جميعاً من أهل دين واحد هو الدين الإسلامي، وفي الإسلام كلهم علي المذهب المالكي، وفي المذهب المالكي يكادون يتفقون علي التصوف وفق الطريقة التجانية. هذا التكوين جعل المنطقة جاذبة لمواطني دول الجوار التي تتفق معهم في أغلب عناصر التكوين. ولقد شجع هذه الهجرة اهتمام حكام دارفور بالإسلام وخدمته، لا سيما في عهد حاكمهم الأشهر السلطان علي دينار وهو من أكثر الذين أشهروا السودان خارجياً. ففي مصر أنشأ رواقاً لطلاب السودان الدارسين في الأزهر الشريف، وكان يرسل سنوياً كسوة الكعبة الشريفة، وحفر آباراً لسقيا الحجيج هي آبار علي المعروفة بالقرب من مدينة الرسول صلي الله عليه وسلم المنورة. والأشهر من ذلك موقفه في الحرب العالمية الأولي إذ خالف موقف الحكومة المركزية للسودان ووقف حيث تقف تركيا ممثلة الخلافة الإسلامية. ولم يكتف بالموقف السياسي فقط وإنما أرسل الزاد والعتاد للإستانة لدعم جيوش الدولة الإسلامية، وكان هذا هو السبب الذي جعل بريطانيا تدعم السلطة الإستعمارية المركزية في السودان للقضاء علي حكم السلطان علي دينار في العام 1916م . ومعلوم أن دارفور ظلت خارج دائرة الإحتلال، فلم تسقط مع الدولة المهدية وإنما حافظت علي استقلالها لستة عشر عاماً كاملين.
ومن أمثلة دارفور المشهورة (حكم للساق ولا مال للخناق) وهو مثل يعني ببساطة أن قليلاً من الحكم أفضل من كثير من المال. ولهذا نجد أن أهل دارفور يعتبرون من أوائل السودانيين الذين طالبوا بقسمة عادلة في السلطة. أما من أمثلتهم في قسمة الثروة المثل الذي يقول (دبيب في خشمه جرادة لا يعض) والدبيب هو الثعبان، ومعروفة شراسة الثعابين لا سيما تلك الأنواع الموجودة في دارفور، والجرادة هي من الحشرات التي تقتات عليها الثعابين. ودلالة المثل أن الإنسان مهما كانت شراسته لا يؤذى إذا كان قد وجد ما يكفيه، ولعل السياسيين السودانيين لم يستوعبوا هذا المثل ويعطوا أهل دارفور بعض حقوقه المشروعة حتي (لا يعضون).
فللسعي الجاد نحو حل مشكلة دافور التي أصبحت الآن مشكلة السودان كله بما اكتسبت من أبعاد إقليمية ودولية، وتدخلت فيها قوي طامعة كثيرة، حتي صار السودان اليوم بين المطرقة والسندان لا بد من استيعاب التكوين الدافوري وثقافة اهل هذه المنطقة حتي يكون الحل منطقياً ومقبولاً.
جريدة الأخبار المصرية الثلاثاء 2/9/2008م
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة