الحكومة و رمضان و الحاجة علوية بحر
هاشم بانقا الريح*
hbrayah@yahoo.com
أعلم أنكم جميعاً تعرفون الحكومة وشهر رمضان المعظم ، لكن لا أنا ولا أنتم تعرفون الحاجة علوية بحر.
في جولة استطلاعية لها بأسواق ولاية الخرطوم نشرته في عددها الصادر بتاريخ 27 أغسطس 2008م، قالت صحيفة "السوداني" إن هناك ارتفاعاً كبيراً في أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية اللازمة لمائدة شهر رمضان المعظم مع ضعف في القوة الشرائية. و شكا المواطنون الذين حاورتهم الصحيفة من غلاء الأسعار و ضعف حركة الشراء و عدم توفر السيولة. و شمل الغلاء معظم، بل جميع، السلع اليومية الأساسية و الضرورية التي لا غنى لأي بيت و أسرة عنها لاسيما خلال شهر رمضان مثل اللحوم و زيوت الطعام و الليمون و الويكة و الكركدي و التمر و غيرها.
قد يقول قائل و ما الجديد في الأمر خاصة و أن ظاهرة غلاء المواد الغذائية ظاهرة عالمية اجتاحت كل أنحاء العالم و جأر الناس في كل بقاع الدنيا بالشكوى منها، بل و خرجت المظاهرات تطالب بوضع حد لهذا الغلاء الذي يشهده العالم؟
هذا صحيح ولا جدال عليه، و لكننا هنا لا نتحدث عن غلاء في أسعار مواد مستوردة و لا مواد الحصول عليها ضرب من الرفاهية خُصّ به قوم دون آخرون. إننا أيها السادة نتحدث عن ارتفاع أسعار سلع استهلاكية ضرورية، توفرها و الحصول عليها – و هي جميعها محلية المنشأ – أمرٌ ينبغي أن يكون متاحاً لكل طبقات المجتمع في كل الأوقات، و أن لا يكون شهر رمضان المبارك موسماً لاستشراء الغلاء، و يتحوّل من شهر رحمة إلى شهر جشع!!
و عودة إلى الاستطلاع الذي قامت به الصحيفة، و هو موضوع هذا المقال، فقد اتفق جميع الذين تحدثت معهم الصحيفة على الزيادة الكبيرة في أسعار السلع الضرورية المرتبطة بالشهر المبارك، و أن هذه الزيادة تسبب هماً و قلقاً لذوي الدخل المحدود، و أضافوا أنها – أي الزيادة في أسعار السلع الاستهلاكية الضرورية – ستكون لها آثارًا سلبية على المجتمع.
كلام جميل .. أليس كذلك؟ لكن ماذا قالت الحاجة علوية بحر التي قلت في أول هذا المقال أنني و أنتم لا نعرفها؟ الحاجة علوية بحر – أيها القارئ العزيز – كانت ضمن المواطنين الذي استطلعت آراؤهم صحيفة "السوداني" في عددها المشار إليها آنفاً، و قد لاحظتُ أن ما قالته الحاجة علوية بحر يلامس الحقيقة و يضع اليد على الجرح و هو صرخة في أذن الحكومة علّها تستجيب.
طالبت الحاجة علوية بحر الحكومة بالتدخل لخفض الأسعار و التخفيف عن المواطن خاصة و أن شهر رمضان الفضيل شهر رحمة و طلبت من الحكومة "بالالتفات للمواطن و ترك البذخ في الصرف و أن تتق الله فيه – أي في المواطن-."
من حق هذه الفئة الضعيفة غير القادرة على توفير المتطلبات الضرورية اليومية أن تجد الرعاية و الدعم و الاهتمام من الدولة. فامتلاء الأسواق و المحلات بالمستلزمات المختلفة و تنوعها مصحوباً بعدم قدرة هذه الفئة على شرائها، لاشك يولّد نوعاً من الآثار السلبية الاجتماعية، و شهر رمضان فرصة للبدء في القضاء على الأسباب و العوامل التي تؤدي إلى هذه الآثار، و ليس موسماً لتفاقم هذه الأسباب و العوامل.
ماذا لو أعلنت الدولة إيقاف كل أنواع وأشكال الاحتفالات التي تُصرف فيها الأموال، و توجيه مخصصات هذه المناسبات لدعم الأُسر الفقيرة التي هي في حاجة للقمة العيش، و ليكن شهر رمضان بداية التجربة.
أذكر أنه قبل عدة سنوات كتب أحدهم أن مستشفى الأطفال بالخرطوم يحتاج إلى بضعة ملايين من الجنيهات (بالقديم طبعاً) من أجل تأمين بعض المستلزمات الضرورية، و أن وزارة المالية لم تقم بتوفير المبلغ. وقال إنه لو صمتت "موبايلات" مسئولي ولاية الخرطوم لمدة ثلاثة أيام فقط لأمكن توفير هذا المبلغ الذي يحتاجه المستشفى .. فتأمّلوا.
و أنا هنا لا أُطالب بأن تصمت "موبايلات" المسئولين طيلة شهر رمضان المبارك- و ليتها فعلت- و لكن فقط إيقاف الاحتفالات... أن نتق الله في المال العام، فمن لا يجد قوته بعد أن يقضي نهاره صائماً لابد أن يرفع يديه للسماء.
قال الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه في أول خطبة خطبها حين ولِي الخلافة: "إن الله قد كلفني أن أصرف عنه الدعاء"
قال الفقيه الدمشقي العز بن عبد السلام رحمه الله في تعليق على كلام الفاروق: (ومعنى صرف الدعاء عن الله أن ينصف المظلومين من الظالمين، ولا يُحوجهم أن يسألوا الله، وكذلك أن يدفع حاجات الناس وضروراتهم بحيث لا يحوجهم أن يطلبوا ذلك من رب العالمين، فما أفصح هذه الكلمة، وما أجمعها لمعظم الحقوق). انتهى.
· مترجم و كاتب صحفي يعمل بالمملكة العربية السعودية
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة