الأفندي والخروج عن النص!
فتحي الضّـو
faldaw@hotmail.com
في اواخر نوفمبر من العام 2000 وجهت لي القناة الفضائية اللبنانيةLBC دعوة لزيارة بيروت وذلك بعد إنتهاء الحرب الاثيوبية الاريترية الأخيرة، وقد كنت أُراسلها من اسمرا خلال العامين اللذين إستغرقتهما الحرب. وقد نعمت على هامش تلك الزيارة – بعد طول غياب - بلقاء صديقي الدكتور مصطفي خوجلي المقيم آنذاك في العاصمة اللبنانية، وذات يوم سألني إن كنت أرغب في حضور ندوة يقيمها مركز دراسات الوحدة العربية ويتحدث فيها الدكتور عبد الوهاب الأفندي، فأبديت حماساً شديداً في حين إعتذر هو لأسباب خاصة به، وعندما دخلت القاعة كان الدكتور الأفندي يجلس على المنصة وبدأ الحديث على خلفية لوحة تحمل عنوان الندوة (السودان: إلى أين؟) وكان حضورها في الغالب الأعم (شُوّاماً) وهو المصطلح الذي يعمم شعبياً على اللبنانيين والسوريين معاً، في حين أن السودانيين لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين، وقد كانت ندوة جيدة لأن الأفندي تحدث فيها بشفافية حول فشل تجربة الجبهة الاسلامية في السُلطة، وتوصل في نفس الوقت إلى حتمية الديمقراطية كخيار لا بديل له في حكم بلد متعدد الأعراق والثقافات والأديان، بيد أنه عندما خلُص من حديثه هذا وفُتِح الباب للأسئلة والتعقيبات شعرت أن تلك اللوحة التي رسمها ينقصها شيء أساسي، فطلبت فرصة للحديث وكانت الأخيرة وذكرت اسمي وهويتي الصحفية.
قلت في فاتحة حديثي ان عنوان الندوة كلاسيكياً، ظل السودانيون في الداخل والخارج منذ عشية الاستقلال العام 1956 يؤمون عشرات إن لم يكن مئات الندوات تحت نفس العنوان مما يعني أن هناك أزمة حقيقية، ولكن هذه الأزمة تجلت في أسطع معانيها في العام 1989 يوم أن استولت الجبهة الاسلامية على السُلطة بإنقلاب عسكري، وقلت أن الدكتور الذي يجلس أمامنا الآن ويُحاضرنا كان احد سدنة ذلك النظام، وقد خدم مشروعه الثيوقراطي بهمة وإخلاص عندما كان يشغل منصب المستشار الاعلامي في سفارة السودان ببريطانيا، وقد إجتهد كثيراً آنذاك في تجميل صورة قبيحة، وأضفت أنه ترك ذلك النظام لادراكه أن المركب أصبحت غارقة وأن النظام قاب قوسين أو أدني من السقوط (أشهد أنني كنت متفائلاً أكثر من اللازم، لكن ذلك على أية حال ما كنا نردده منذ الشهور الأولى من عمره) وختمت بمطالبة الأفندي بنقد ذاتي حتي تكتمل هذه الصورة!
شكرني الرجل على ملاحظاتي وعقب عليها بإختصار وقال لي إن موقفه هذا ليس بجديد، فقد سبق ووضّحه بصورة شاملة في العام 1994 في كتاب صدر له آنذاك وتضمن إنتقادات للنظام، وأضاف أنه ظلّ يكتُب حول هذا الموضوع وهذه القضية بصورة راتبة في صحيفة القدس العربي التي تصدر في لندن، وفي الختام قال لي مستنكراً أو متسائلاً – لا أدري - إنني ربما لم اكن متابعاً لمجريات هذه الوقائع، ومن جانبي تفاديت السجال ولم أشاء التعقيب لأنني قصدت فقط ولشيء في نفس يعقوب التأكيد على أن فاقد الشىء لا يُعطيه، وذلك بتثبيت معلومة اعتقد أنها كانت غائبة عن معظم حضور الندوة، مع قناعتي انها ليست بجديده على الدكتور الأفندي فمن المؤكد أنه سمعها مراراً وقرأها تكراراً، مثلما أن ما قاله لي في حيثيات رد الاتهام عن نفسه ليس بجديد علىّ، ولربّما أنه لا يعلم أنني بحكم المهنة أو إنحيازاً لمبادئي الخاصة، كنت وما زلت أتابع دبيب النمل في القضايا الوطنية المختلفة، ولي مواقف أعتز بها رغم أنها أرهقتني عُسْراً، وغالب الظن غير المأثوم أنه يعلم أن إجابته تلك لم ترو غليلي، بإعتبار أن نقد النظام غير النقد الذاتي الذي قصدته، والذي لم يكن قد ورد أصلاً في متن أو حواشي كتابه أو حتى المقالات المذكورة، وبعد الندوة تصافحنا وذكرت له أنني قادم من أسمرا ولست مقيماً في بيروت، ثم مضى كل منَّا في سبيله!
واصلت الاهتمام بمقالات الدكتور الأفندي والتي لا يستطيع أن ينكر أحد ثرائها وتنوعها، ولكن بنفس الروح التي تقمصتني في تلك الندوة أشعر دائماً ببرودة تسرى بين سطورها وخاصة تلك التي تُعرِي أفعال وممارسات النظام، وبنظرية (طول الجرح يُغري بالتناسي) ظننت أن الأفندي أصبح غير عابىء لمسألة النقد الذاتي تلك (لست لأنني قائلها فلم أكن مخترعها أصلاً) ولكن كمفهوم أخلاقي لا تستقيم المبادىء بدونه، ولا يمكن لأي كائن كان أن يدعي صلاحاً وهو لم يتطهر بعد من رجس عشعش في دواخله، فإن كان هو على قناعة كاملة أن النظام كان فاسداً فلا بُدّ وأن ينال حظه من القسمة طالما أنه كان جزءاً منه بغض النظر عن حجم ذلك الجزء أو موقعه، فمن الخطل القول أخطأ النظام واصاب الأفندي، وهذه بديهيات وطالما هي كذلك يساورني كثير شك في أن الأفندي أخذته العزّة بالاثم في مواقفه السابقة، فهو لا يريد أن يفعل ذلك خشية أن يعتقد البعض أنه يتزلف قربي معارضي النظام في الوقت الذي يرى فيه أنه نسيج نفسه وحده، ولذلك في ضوء تغييب منهج النقد الطبيعي بات البعض يعتقد أن الأفندي وآخرين فارقوا النظام مثله... يمكن أن يعودوا مرة أخري للتزود من حياضه!
قبل فترة وجيزة تخلخلت بعض هذه المُسلمات في أجندة المراقبين، وذلك عندما بدأت تظهر للأفندي مقالات أشبه بالسيرة الذاتية، ظلّ يسرد خلالها وقائع خطيرة وأخري غاية في الأهمية سبق وأن عايشها أثناء الفترة التي كان فيها مستشاراً إعلامياً، ولا ينقص من قدرها انها تركزت حول أناس اصبح بعضهم خارج دائرة السلطة، في حين لامست برفق ولين أناس ما زالوا في قلب مركز القرار، إذ وردت سيرتهم بالتورية حيناً وصيغ المبني للمجهول في احايين أخر، ومع ذلك لا جُناح ولا تثريب عليه طالما أنه إختط طريقاً نؤمن فيه بثقافة أهل السودان الشعبية التي تقول أن (العافية درجات). لهذا لم يكن غريباً أن يلتمس البعض فيها – وأنا منهم - ذاك الدفء المفقود، لا لشىء إلا لأن الأفندي (إنتقد ذاته) إنتقاداً صريحاً في بعضها، وآخر تلميحاً حينما نعي عجزه وضعفه وقلة حيلته في المنظومة، وثالثاً تكريساً عندما اعترف بتهميش البعض له للحئول دون بلوغ مراده في التقصي عن حقائق، ومن عجبٍ أن معظم تلك الكتابات تمحورت حول ممارسات (الأجهزة) الأمنية المتعددة، وبحسبه أنها – ولا شىء غيرها - أودت بالنظام إلى موارد التهلكة!
أياً كانت طبيعة النقد الذاتي المذكور فقد تحفزنا نحن رغبة منا في تأسيس حوار عقلاني إلى فتح هذه الصفحة مع الدكتور الأفندي، لا سيما وأن له مقالات تنادي ضمناً بهذا الحوار وقد تزامن نشرها ما أُسميه بمقالات (الحقيقة والمصارحة) هذه وقد تحدث في تلك عن دور المثقف والسلطة، وكنت قد إرتأيت زمناً معلوماً سأدخره من وقتي للبدء في هذا الحوار، لكن ما عجل به الآن مطالعتي مقالاً غريباً له رأيت فيه وكأنه إرتد فيه إلى سيرته الأولي، وإن لم يكن فقد نسف مجهوداً ضخماً كان أشبه بحملة علاقات عامة نعلم أنه اجتهد فيها زمناً طويلاً بغية إزالة صورة كئيبة إلتصقت بتاريخه – صدقاً أو افتراءاً – واصبحت الآن لا تتناسب مطلقاً مع وضعيته الحاليه كمثقف ومفكر اسلامي يطرح نفسه في هذا الحقل!
المقال الذي نتحدث عنه نُشر في موقع (سودانيز اون لاين) رداً على مقال في نفس الموقع للعميد محمد أحمد الريَّح، أما مقالي هذا فيؤمن بأنه لكل أمريء يومئذ شىء يغنيه، فهو لا يدافع عن العميد الريَّح بقدر ما يقر مثل ومباديء واخلاق، وكلنا يعلم أن العميد الريَّح احد أشهر ضحايا الانقاذ في طبعتها الأولى، ويحمد له أنه وثَّق لعمليات التعذيب التي حدثت له بجرأة لا تعرفها الثقافة السودانية، ولأن هذه جرائم لا تسقط بالتقادم يحمد له أيضاً أنه ظلّ مثابراً كلما وجد سانحة أو منبراً أثار قضيته وطالب بالقصاص دون أن يوهن له عزم، ولعل هذا ما نقوله بالضبط في ثقافتنا الشعبية (سِيّد الرايَحَة فَتَش خَشَم البقرة) ومن هذا المنطلق كنت أتصور أن يرد عليه الأفندي ببساطة يدرأ بها الشبهات عن نفسه، ويُقدِر في نفس الوقت الظروف النفسية والبدنية التي يعاني منها العميد جراء التعذيب الذي حاق به، لا سيما، وأن الأفندي نفسه حكي بمرارة في مقال آخر له قصة يبدو أنها وضعت بصماتها في نفسه وكانت عن إعتقال أخ زوجته، ولأنه لا يعرف الألم إلا من يعايشه كان المتوقع أن يستشعر الأفندي معاناة العميد الريَّح، إلى جانب أن الرد العقلاني كان كفيل بجعل الأفندي يبدو متصالحاً مع نفسه وهو يسرد على القراء ممارسات تلك الأجهزة، والحقيقة هذا عين ما فعله الاستاذ أحمد كمال الدين الموجهة له الرسالة أيضاً، فقد قام بالرد على الجزء الذي يخصه في وقت سابق ونشر في موقع (سودانيل) وضّح فيه ما يعتقده أنه كافياً لنفي الاتهام عنه، وهنا يؤخذ على العميد الريَّح نشر رسالته دون الاشارة لرد كمال الدين كما يقتضي العرف الصحفي، أو حذفه من الرسالة والاكتفاء بالجزء الذي يخص الأفندي طالما أن الأخير حتى وقتذاك لم يفعل الشىء نفسه. وفيما يلي أطرح الملاحظات التالية على رسالة الأفندي والتي أري أنها تجاوزت رحاب الموجهة له الرسالة:
أولاً: إبتدر الأفندي رسالته للعميد الريَّح بمقدمة غريبة «نبهني بعض كرام الإخوة إلى تعليق لك نشر على موقع ”سودانيزأونلاين“ في وقت سابق من الشهر الحالي يفيض بالقذف والإسفاف في حق شخصي غير الضعيف، ثم تبلغ بك الصفاقة أن تطالبني بالاعتذار بعد كيل كل هذه الشتائم. وحتى لو كانت دعواك في حقي صحيحة –وهي بالقطع ليست كذلك- فإنني ما كنت لأقبل الاعتذار ”رجالة ساكت كده“، ولطلبت منك أن ”تطالعني“. فكيف تتهمني بالنفاق والاسفاف والكذب وتفتري في حقي الأكاذيب ثم تطالبني بالاعتذر؟ فلدي نقائص كثيرة ليس من بينها بحمد الله النفاق، لأنني أرجو أن أكون ممن لا يخشون إلا الله تعالى. ولو كنت أرضى الدنية في ديني أو دنياي لكان لي شأن آخر» هذه الفاظ يقشعر لها البدن لغة ومضموناً، وإذا صدرت عن مثقف مستنير فما بال الذين لم يفتح الله عليهم بتعليم أكاديمي أو تثقيف ذاتي، صحيح أنها ثقافة التنظيم الذي كان ينتمي له الأفندي، لكن للأمانة لم يقل لي أي من أصدقائنا المشتركين أنه إغترف من معين ثقافة (السيخ والملتوف والمطاوي) كما أنني لم أقرأ له إسفافاً لغوياً من قبل، مثلما يفعل الآن الذين علمهم الشيخ الرماية، فما باله ينكص على عقبيه!
ثانياً: من المفارقات إصرار الأفندي على مخاطبة كل المعارضة في شخص العميد المُخاطب في حين أن العميد لم يدع في مقاله أنه يتحدث بإسمها، أي المعارضة، والتي يمكن أن تكون التجمع الوطني الديمقراطي (المقبور) أو أي من (الطبقات الصامتة) حتى وإن لم تنضو تحت لواء تنظيم معين، وعليه نرى أن الأفندي إستعدى أطرافاً وهي في قمة صمتها النبيل، ولعمري هذه عدوانية غير مبررة وإن لم تكن كذلك فهي محض حماقة، فالحكمة أن يقلل المرء دائرة اعدائه!
ثالثاً: عجبت أن يقول الأفندي «ليس لدي ما أعتذر عنه لك أو لغيرك من معارضي النظام» والغريب أنه لا يريد أن يفعل ذلك لأنه حسب زعمه «أن تسعين في المائة ممن كانوا ينازلوننا في السابق –ومنهم بعض أصدقائنا المشتركين- هم الآن في أحضان النظام وثانياً لآنهم كانوا حتى في تلك الأيام مرتمين في أحضان أنظمة قمعية دكتاتورية معروفة سجلها في المجال الحقوقي أسوأ بكثير من سجل الحكومة السودانية. وثالثاً، إذا كان المعارضون وهم خارج السلطة من أمثالك يمارسون مثل هذا العنف اللفظي والافتراء الجزافي، فماذا كنتم تفعلون لو حكمتم» هبْ أن ذلك كان حقيقة فهل يمنح الأفندي مبرراً في عدم الاعتذار؟ والذي نعتقد أن المرء يوجهه في الأساس لنفسه قبل الآخرين، ولا نريد أن نعيد ما ذكرناه في صدر هذا المقال عن الفريضة الغائبة حول ثقافة النقد الذاتي، ولربما إن كرَّ البصر مرتين فقد يكتشف أن الأمر أكثر من الخمس سنوات التي قضاها في كنف النظام، وبخاصة ادركنا نحن معشر السودانيين أن هذا التنظيم هو أقرب للماسونية، ما بطن فيه أضعاف ما ظهر الآن، وعليه دون أدني مكابرة نعتقد أن لديه ما يعتذر عنه، ولو فعل فهو لن يصغر في عين ناظريه وقد يبلغ الجبال طولاً!
رابعاً: كبا جواد الأفندي كبوة أسقطته من علٍ فهو يقول «لقد كنا والمعارضة في منازلة مفتوحة، هي في حالتي كانت مقارعة بالحجة. ومطالبتي بالاعتذار عما حققناه من نجاح في تفنيد دعاوى المعارضين هو أشبه بمطالبة الفريق الفائز بالاعتذار للفريق المهزوم بعد نهاية المباراة» لقد ناقض نفسه ورب الكعبة تناقضاً مريعاً، فإذا كان ما (حققوه) نجاحاً فما الداعي لانتقاده الآن؟ وكيف تكون الانتهاكات إفتراءاً حينما تحدثت عنها المعارضة يومذاك وتاج عزٍّ حينما يتحدث عنها هو اليوم؟ أوليست الحجة التي كانت تقولها المعارضة يومذاك هي نفس الحجة التي يقولها هو الآن؟ وهل مُرتكبها يعتبر فريقاً فائزاً؟ بل هل هي مباراة في الأصل والتشبية؟
خامساً: بإسقاطات العقل الباطن كما يقول علماء النفس يكتشف القارىء أن الأفندي أكثر وأسرف من ذكر الضمير المستتر في الاقرار دوماً بأنه كان هاديه وراضيه وحَكَمِه في تلك الفترة، وهو ما يمكن اعتباره بمعايير النفسانيين أنفسهم تعبير عن (عقدة ذنب) لم تجد طريقها لتعبر صراحة عن نفسها بالطرق المألوفة، مع أنه لا يضيره شيئاً طالما أن كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون!
إن الانقاذ – يا سادتي - كانت في طبعتها الأولي حقبة أدخل الجماعة فيها ضمائرهم – بشكل جمعي - في (ثلاجات) أّمَّا السلطة فكانت كأم الكبائر...الشيخ صانعها والتلاميذ حاملوها والابرياء شاربوها! والآن نقول ها قد جاءت الفكرة وطارت السكرة...!
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة