ممثل مزيف لتيار مفقود...!! 1/2
محمد علي خوجلي
بعد اطلاعي على مقال تاج السر عثمان بجريدة الصحافة المحترمة (2008/8/2) ظننت ان خطأ قد حدث في اسم الكاتب حتى وجدت المقال في مواقع أخرى... وسبب الظن انني لم اعرف عن الكاتب طرح افكار واضحة في أية مسألة. واذا طرح فكرة تأتي دائماً والغموض يكتنف جوانبها وقد تكون قابلة للتفسير بالشئ وضده معاً..
الاعلان الخامس
ثم تأكدت أن ما نشره تاج السر في 2008/8/2 هو اعلان في صورة مقال، ولكل شئ سبب .. وللاعلان أسبابه وللاعتياد على عدم تجزئة الوقائع فانني لن افصل بين اعلان تاج السر (واطلق عليه عبر هذا التعقيب: اعلان بابو) والاعلانات السابقة منذ اعلان يوسف حسين 2001. والاعلانات اسلوب حديث غير معروف في نظم الحزب الشيوعي السوداني قبل حقبة الانقاذ. وهي:-
1- اعلان يوسف حسين بصحيفتي الدستور والخرطوم، تبشيراً بالحزب الجديد والنظرية الجديدة وتغيير اسم الحزب.. إلى آخر الاعلان.
2- اعلان لجنة حزبية اوردت فيه النسب المئوية للمؤيدين لتغيير اسم الحزب بأكثر من 85% من العينة، كما ذكرت بعض الأسماء المقترحة ومنها الشيوعي أو الاشتراكي الاسلامي(!).
3- اعلان عطبرة والذي جاء في صورة بيان انتقد الاتجاهات اليمينية التصفوية معيداً جذورها الى نقل مركز الحزب من عطبرة حيث نشأ الحزب منذ 1943 إلى الخرطوم. وقالوا في عطبرة ان البيان مدسوس، واتهم المؤتمر الوطني شفاهة، ولم يرد للبيان ذكر في العاصمة القومية(!)
4- البيان رقم (1) للجنة التمهيدية لمقاومة تصفية الحزب الشيوعي (جريدة الصحافة 2004/3/25)، كان الاعلان الرابع، والذي وضع داخل مظاريف ووزع على قيادات بينهم متفرغون حزبيون، وسُلم لهم في البيوت خلال فترة زمنية واحدة، غطت كل اطراف العاصمة القومية، وقد اتهم كاتب هذا المقال وآخرون من (بقايا الشيوعيين) كما يطلق عليهم بعض (دعاة التصفية باسم التجديد) ثم سحب الاتهام الشفوي وقالوا ان البيان مدسوس.
لماذا نهتم بالموضوع؟
أثار اهتمامي ما جاء في نهاية اعلان بابو: ان جوهر تصريحات الشفيع هو الافكار اليمينية التصفوية التي تستهدف تخلي الحزب عن الماركسية. وكان السؤال هل الاعلان مقصود منه محاولة قطع الطريق أمام التيار الثوري المنتشر بين قواعد الحزب، والذي لا يوجد له ممثلون في اللجنة المركزية التي لم تنتخبها القواعد حتى تعبر عنها؟
وهذا الاعلان يذكر بالمحاولة اليائسة للتيار اليميني في الحزب السوفيتي السابق واجهزته لقطع الطريق أمام التيارات الديمقراطية داخل الحزب بتدبير الانقلاب العسكري المعروف، فقطع عنق الحزب وأعناق بعض المتآمرين الذين كانوا يدافعون عن مصالحهم ومزايا سلطة الدولة ومزايا التفرغ الحزبي باسم الشعب والاشتراكية والطبقة العاملة.
وفي السودان ظل شيوعيون خارج الحزب - قسرا - وشيوعيون (حقا) خارج البلاد يقتنصون كل سانحة لكشف حقيقة التيار اليميني وممارساته. فقواعد الحزب والقيادات الوسيطة تدرك نتائج كشف الحقيقة وما قد يحيق بها فتلوذ بالصمت العميق..
ويستهدى هؤلاء في حملة الكشف العلنية بما توصل إليه المؤتمر التداولي 1970
ü ان تقوية صفوف الحزب والدفاع عن استقلاله يكون بكشف وتعرية افكار البرجوازية الصغيرة لأن وحدة الحزب لن تتحقق إلا بالصراع الفكري.
ü ان الوعي أهم وأصعب أشكال مقاومة تصفية الحزب الشيوعي. وان المعركة الفاصلة تحددها وتحسمها بالدرجة الاولى عضوية الحزب.
نظرية التصفية
الأفكار اليمينية التصفوية ليست من «الشتائم» و«لا خالية من المعاني» وكانت هي لب الصراع الفكري الذي دار، ولآخر مرة في الحزب، في المؤتمر التداولي 1970. وتصفية الحزب عن طريق قيادات من الحزب توصل إليها المؤتمر والذي أوجزها فيما يلي:-
1- طورت البرجوازية أفكارها حول تصفية الحزب الشيوعي من اعدامه بالقوانين إلى قتله بافراغ الحزب وامتصاص ثوريته.
2- الصراع داخل الحزب هو انعكاس للصراع الذي يحدث في المجتمع وان حسم لصالح البرجوازية فان ذلك يعني ذهاب الحزب وتلاشيه كطليعة للطبقة العاملة.
3- نضال الحزب الشيوعي مع القوى الأخرى يستحيل أن يعني التحلل من الافكار الماركسية.
4- استراتيجية الحزب هي انجاز الثورة الوطنية الديمقراطية لا الاشتراكية. والتحالف الطبقي وأي تحالفات سياسية تأخذ مكانها المقدم من النشاط ولكن هذه التحالفات لا تعنى فرض ايديولوجية واحدة، ولا تعنى التخلي عن الفكر الماركسي.
موقع اللجنة المركزية من نظرية التصفية
اللجنة المركزية غير المنتخبة وضعت نفسها في قلب نظرية التصفية بالوثائق والممارسة وتصريحات معظم قادتها لا الشفيع وحده بالآتي:
1- افراغ الحزب وامتصاص ثوريته يتمثل في مشروع الدستور وعشرات التصريحات المصاحبة ومنها تصريح يوسف حسين (ان حزبنا لن يكون طليعة لأي فئة وسيكون حزبا كأي حزب سياسي سوداني آخر..) مثلما اقر مشروع التقرير للمؤتمر الخامس بأنه من آثار المركزية المطلقة تحول التنظيمات الديمقراطية (منارات الثورة) كما عبر المؤتمر الرابع و(خط الدفاع الأول) كما عبر المؤتمر التداولي الى واجهات للحزب.
2/ اقرار مشرع التقرير للمؤتمر الخامس بسيادة مناهج المركزية يعني وقف ادارة الصراع الداخلي بنظم الحزب.. وان الحزب (الآن) تحت سيطرة البرجوازية الصغيرة فكراً وممارسة.
3/ نفي مشروع الدستور وخلافه لمبدأ ان يكون الحزب هو الحزب الطبقة العاملة.
4/ وكما اطلق الخاتم عدلان (النهضة الوطنية الشاملة) على مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية فإن اللجنة المركزية اكتفت (بالنهضة الوطنية الديمقراطية) وألغت مفردتي (مرحلة) و(ثورة)..
5/ الغاء مبدأ الديمقراطية المركزية كمبدأ لتنظيم الحزب.
6/ ثم التحلل من الأفكار الماركسية في العمل المشترك مع القوى الأخرى (جده الإطاري والقاهرة في المحور الإقتصادي، واختراق مبدأ السيادة الوطنية بالموافقة الصريحة على التدخل الدولي..) إلى آخر..
مربط الفرس:
ان مربط الفرس هو انه لا خلاف بين افكار الشفيع والخاتم وبابو واللجنة المركزية. وأفكار الشفيع خضر واضحة واوجزها عندما كتب (من الماركسية الى الحقيقة...؟!) وهو يعتقد:
1/ ان المنهج الجدلي هو ما اثبتت التجربة صحته من اطروحاته الماركسية وصار جزءا من العلم اما بقية اطروحات الماركسية فلابد من اعادة النظر فيها تماشيا مع متغيرات ومستجدات العصر..
2/ لا مكان للمرجعيات والأفكار الجاهزة (واعتقد المقصود هو الماركسية).
3/ وبدلا من الاكلشيه السابق الذي يصف الحزب بحزب الطبقة العاملة، غم ضعف تواجد هذه الطبقة بين صفوفه، يصبح من الضروري وفق منهج اعادة النظر ان يستند الحزب في تكوينه على الجماهير العاملة والثوريين من كل الطبقات والفئات الاجتماعية الذين قبلوا برنامجه ودستوره (استبعد مشروع الدستور الماركسية قبل الانضمام لعضوية الحزب وكذلك الآخرون).
مساهمة تاج السر عثمان بابو في المناقشة العامة (تقويم نقدي لتجربة الحزب حتى 1989م) لم تتجاوز اعادة ترتيب الوقائع ثم التوقف دون سبر للاغوار او ابداء وجهة نظر (ولا حياد في الصراع الفكري) وكلاهما الشفيع وبابو اجازا مشروع الدستور وخلافه من موقعهما في اللجنة المركزية (قراراتها بالاجماع).
اما الخاتم عدلان فافكاره معلومة ولا تبتعد عن رؤية اللجنة المركزية، كما كتب في (وآن أوان التغيير)، وقال الخاتم في ندوة جامعة الخرطوم.
(هم وردوا البئر التي وردتها قبل اثنتي عشرة سنة، وعليهم هم أن يعترفوا بذلك وأن يقولوا ان هذه الأفكار التي يرددونها الآن قالها شخص آخر قبل ذلك باثني عشر عاما، وانهم يكتشفون العجلة اذ انني قد قلت ذلك قبل فترة طويلة..) وقال الخاتم ذلك تعليقا على ما تضمنه مشروع الدستور من الغاء الماركسية كمرشد للعمل والغاء مبدأ الديمقراطية المركزية وتوسيع برنامج الحزب بديلا للايديولوجية.
موقع التيار المفقود من الماركسية:
كتب عبدالخالق المؤتمر الرابع 1967م
(عبر النضال.. جذب البرنامج السياسي للحزب الشيوعي السوداني وقدراته على النضال.. طلائع متعددة من بين جماهير الشعب الى صفوف الحزب.. وكان من المهم ان تتحول هذه العناصر الى عناصر (شيوعية حقا)، لاتقتنع فقط بالبرنامج السياسي للحزب بل يجري تكوينها الفكري على اساس الماركسية، وهذه القضية لم تجد الاهتمام الكافي خلال النشاط العملي للحزب.
وان من الآثار السالبة على حياة الحزب الداخلية ضعف التكوين الفكري الماركسي. وان ظاهرة تساقط عدد من كادر الحزب وفي قطاع قيادي مهم مثل اللجنة المركزية يجد تفسيرا له في هذا الواقع ايضا مع العوامل الاخرى. ان قدرة الحزب على رفع لواء الماركسية في داخله ووحدة تفكيره لا على اساس البرنامج السياسي وحسب بل على الاساس الايديولوجي ستظل مهمة اساسية باستمرار اذ كان الهدف تقديم حزب قادر على قيادة الجماهير)..
علاقة اساليب الهيمنة الامبريالية بنظرية التصفية:
نظرية التصفية هي جوهر اساليب الهيمنة الامبريالية ومنها:
ü استخدام اساليب تخريب الاحزاب السياسية الوطنية من الداخل ولا يهم ان تكون احزابا شيوعية، يكفي ان تكون وطنية معادية للامبريالية.
ü تجميد حركة الاحزاب السياسية لعزلها عن عضويتها وعن الجماهير.
ü ذلك التجميد ينتج عنه تسريع سير قيادات الأحزاب محل التخريب نحو اليمين.
ü تطويق الرأسمالية الوطنية المنتجة وتصفيتها واحلال رأسمالية طفيلية مكانها.
فإذا كان الأمر كذلك، فما هي الاسباب الدافعة للإعلان الخامس الذي مهره السر بابو بتوقيعه؟!
ونواصل.
///////////////////
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة