صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
أعلن معنا
بيانات صحفية
 
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
البوم صور
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
ابحث

مقالات و تحليلات English Page Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55


سير .. سير.. يا البشير ... ولكن الى أين؟ الجزء الثانى د. الواثق كمير
Aug 29, 2008, 19:48

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع

طلقة فى الظلام

 

الجزء الثانى

 

سير .. سير.. يا البشير ... ولكن الى أين؟

 

د. الواثق كمير

kameir@yahoo.com

 

 

كيف سيرضى الرئيس المناصرين ... ويرد على الناقمين؟

 

تشخيص الأزمة: السودان "محسود" و"مقصود"!

 

إذن، خطورة هذا التفكير لا تكمن فى استعداء الآخرين أو التحرش بهم، بل فى النتائج الوخيمة التى تترتب عليه والتى قد ترتد على أصحابه أنفسهم. وإن سمحوا لى فلنجادلهم فى الأمر بتبيان مواضع الضعف فى هذا الخطاب ومواقع الخلل فى تشخيصه للأزمة ووصفه للعلاج، إضافة الى ضيق أفقه السياسى.

أولا: ينظر أصحاب هذا التوجه للأزمة بطريقة مبسطة ويرددون حججا لا يستقيم منطقها، ولا تقنع أحدا إلا من قلت حيلته. فالبنسبة لهم: 1) السودان "محسود"، بسبب مساحته الشاسعة وموارده الكثيرة، و"مقصود" ومستهدف" من الغرب، وبعض دول الجوار، في مسعاهم لتمزيق وحدته ونهب ثرواته عن طريق زعزعة استقراره وتقويض أمنه، 2) السوداني كشخصية تميز على المواطن الأفريقي وكذلك العربي نسبة لانعكاس أفضل الصفات العربية في شخصيته، 3) أبواب المشاركة السياسية مشرعة على مصراعيها بدليل أن هناك 27 حزبا وتنظيما سياسيا في الساحة مشاركة في الحكم، 4) الطفرة الاقتصادية التي تحققت لم تتم على يد أي حكومة وطنية منذ الاستقلال، وبدون أن تتلقى الحكومة أي دعم من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أو الاتحاد الأوربي، 5) الحركة الشعبية، كشريك في الحكم غير متعاونة، فأسرار الحكومة أصبحت ليست في مأمن إذ يجرى تسريبها للقوى المعادية من قبل مسؤولى الحركة المشاركين فى الحكومة. كما أن كل قيادات الحركة يلتقون بالرئيس الأمريكى عند زيارتهم للولايات المتحدة، و6) الشعب بكل قطاعاته يقف خلف الرئيس وجميع السودانيين مستعدين للتضحية بأرواحهم من أجل الرئيس والوطن.

لم أصدق أن يأتى مثل هذا الكلام المذهل من قيادى كبير بالمؤتمر الوطنى، وموفد الحزب لدولة عربية بخصوص الأزمة مع المحكمة الجنائية الدولية، وهو يخاطب مجموعة من الجالية السودانية، جلهم من المهنيين ذوى المؤهلات العليا والشهادات فوق الجامعية! رددت فى نفسى "ده كلام العدو"! كما تقول "حبوباتنا". ولكنى استدركت فربما قصد أن يتوسل اليهم بلغة "أولاد البلد"، وليس "ابناء وبنات الوطن"، أو أنه لا يعتد بطبيعة جمهوره ويعتقد بشدة فى مقولة "القلم ما بزيل بلم!".

 

الحل فى الحرب!

 

ثانيا: لا يقدم هذا المنهج بدائل جادة ومقنعة لتجاوز الأزمة ويقوم فقط على التعبئة والحشد مما يترتب عليه تبعات خطيرة تهدد السلام والاستقرار بحجة ان "أوكامبو أظلم" فهو البادئ، بل ويقدح فى مصداقية مروجيه على المستويين السياسى-التكتيكى والاستراتيجى، على حد سواء:

I.            يطعن هذا التوجه فى الشراكة بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطنى ويعيب اتفاقية السلام الشامل، التى شهد عليها العالم أجمع، والتى تقوم عليها الترتيبات الدستورية الراهنة، وذلك بتأزيم العلاقة بين الشريكين كلما أحرزا تقدما فى احد الملفات العالقة. حقا، "فضعفاء المؤتمر الوطنى" يتحدثون عن "عقلانية لا تختلف كثيراً عن العقلانية التي ينادي بها أصدقاء «أوكامبو» في السودان، أولئك الذين مهدوا له الطريق، وفرشوا له المنابر ورداً وهم يطلقون صيحة البداية :(السودان دولة فاشلة، وفاسدة، وخاسرة)، وبالتالي لابد أن تكتمل مشاهد دراما الفشل في استوديوهات «لاهاي» بإعلان طلب القبض على رئيس جمهورية السودان." (الهندى عز الدين، آخر لحظة، 19 يوليو 2008).

فإن سمينا أصحاب هذا الرأى "أقوياء المؤتمر الوطنى"، فإن موقفهم هذا يتسق تماما، إن لم يتطابق مع رأى (الطيب مصطفى أو) منبر السلام العادل من قضية الانتقال نحو الديمقراطية والتعددية السياسية، من جهة، وبالتالى من اتفاقية السلام الشامل والحركة الشعبية، من جهة أخرى. فالسلام بالنسبة "للحركة الشعبية لم يكن خيارا استراتيجيا، بل كان تكتيكا "اجراميا" للتآمر مع قوى الاستكبار المتربصة، ضد شريكها فى الحكم، لتحقيق هدفها الثابت لتغيير الأوضاع و"اعادة هيكلة الدولة وفق برنامج يهدف الى إخراج السودان من محيطه العربى والإسلامى، وإقامة نظام علمانى ديمقراطى عبر ما ظل يعرف بمشروع السودان الجديد، الذى فصل ليخدم مصالح تلك القوى". (بيان منبر السلام العادل فى 14 يوليو 2008) وهكذا، ببساطة وكأنما السودان الجديد مصنعا للتعليب أو للكرتون وليس بمشروع للتغيير يصنعه السودانيون بأنفسهم! وتآمر الحركة مع أى جهة كانت ضد رئيس الجمهورية يعد بمثابة تآمر الحركة ضد نفسها، فهى بذلك تعرض المكاسب الى حققتها شعوب الجنوب والمناطق المهمشة الأخرى، إضافة الى مستحقات التحول الديمقراطى، للخطر والضياع. وللمفارقة، فهذا هو نفس المنبر الذى كلما اشتد توجيه الانتقاد لخطابه العنصرى الصارخ وأسلوبه الجارح ودعوته المبطنه، والصريحة فى أحيان كثيرة، للعودة الى الحرب، أدار له المؤتمر الوطنى (رسميا) ظهره وتبرأ منه! ولكن، الآن انكشف المستور، ف"ضعفاء" المؤتمر الوطنى هم الذين يتنكرون للمنبر!

من نصدق؟ فقد وصف نائب رئيس المؤتمر الوطنى ونائب رئيس الجمهورية موقف الحركة الشعبية من الأزمة الراهنة بالموقف "الوطني والمتفهم بان التساهل في التعامل مع هذه القضية سيكون اول المتضررين منه ابناء جنوب السودان الذين سيدفعون ثمن المضي قدما في هذا الاجراء"، وذلك فى مؤتمره الصحفى بتاريخ 14 يوليو 2008. كما أن وزير الخارجية يقوم بمسئولياته فى مواجهة الأزمة وعلى اتصال منتظم مع رئيس الجمهورية. ولمن لا يعلم، فوزارة الخارجية من نصيب الحركة الشعبية فى حكومة الوحدة الوطنية. وما قاله نائب رئيس المؤتمر الوطنى هو عين الحقيقة، فالحركة لمن يقرأ جيدا هى على الاطلاق أكثر القوى السياسية حرصا على بقاء السيد الرئيس، وبدون الحاجة للمزايدة. فالجنوب بذل كل غال ونفيس للوصول الى سلام عادل تجسد فى اتفاقية السلام الشامل والتى مهرها الرئيس بتوقيعه، فهو الضامن لها. أفلم يكن للرئيس السابق جعفر نميرى شعبية ملحوظة فى الجنوب ووسط الجنوبيين؟ فقد رددوا اسمه واحتفوا به كقائد قومى عقب اتفاقية أديس أبابا، التى تتضاءل أمام اتفاقية السلام الشامل من ناحية ما حققته من مكتسبات للجنوب. فلنتخيل حجم التأييد للسيد الرئيس وسط الجنوبيين الذين ينظرون إليه كضامن أول لإكمال عملية تنفيذ الاتفاقية حتى يتمكنوا من الاستفادة الحقيقية من انجار السلام.

فالجنوب إذن، له مصلحة سياسية وإستراتيجية فى بقاء الرئيس فى السلطة. ففى وقت يشيد به الدانى والقاصى بالاصطفاف الوطنى خلف الرئيس، ما هى المصلحة وراء التحرش بمناصرى الرئيس واستعداء مواطنيه فى الجنوب، ومناطق النزاع الأخرى، وكأن الرئيس ليس برئيس كل السودانيين، شماليين كانوا أم جنوبيين؟ وحتى ولو كان القصد هو الحث على الانفصال، فلا داع لغرس الفتن وقرع الطبول بين شريكى الحكم، فأمر الانفصال تعالجه الترتيبات الدستورية القائمة عن طريق الاستفتاء على حق تقرير المصير. لنأخذ نفسا عميقا ولنصبر قليلا، فالوقت لا يسمح! وليدرك الذين يكرهون الحركة الشعبية ويبغضون رسالتها، إن الحركة الشعبية تملك الأدوات التى تجعلها أكثر المناصرين للرئيس فعالية وتأثيرا فى سبيل تجاوز الأزمة. وهذه ليست بدعاية، بل هذه هى حقائق الواقع!  

 

II.   مثل هذا التشكيك فى الموقف الوطنى للحركة الشعبية والتبخيس لدورها القومى يضع العصى فى دواليب الالتفاف الوطنى الذى خلقته مذكرة إدعاء المحكمة الجنائية الدولية، ويقدح فى مصداقية اللجنة العليا لإدارة الأزمة والتى أوكلت رئاستها الى رئيس الحركة الشعبية. فان كانت الحركة الشعبية ترى فى التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية والمجتمع الدولى ككل هو الخيار الأسلم والأفضل سياسيا لمعالجة الأزمة، لا يعنى، بأى حال من الأحوال، ترشيح زعيمها لانتخابات رئاسة الجمهورية ضلوعا فى التخابر مع الدول المتربصة بالسودان، أو لا يطعن فى الشراكة، كما يظن البعض، ويجعلها "أغرب شراكة فى العالم، شريك يأخذ نصيبه كاملا من السلطة والثروة، ويتآمر على الشريك الذى أتى به من الغابات وسوح المعارك إلى مقاعد السلطة الوثيرة ومالها الوفير وسياراتها الفارهة ومنازلها الفخمة". (كمال بخيت، الرأى العام، 31 يوليو 2008) وذلك وكأنما مواصفات المشاركة فى السلطة لا تنطبق على, وامتيازاتها لا تستحقها إلا فئة بعينها من السودانيين. إن مثل هذا التخليط يجعل الناس فى حيرة من أمرهم. فان كانت الحركة متهمة بالتآمر مع الأعداء، فكيف يكون رئيسها على قمة الجهة المنوط بها معالجة الأزمة؟ كما أن ذم الحركة الشعبية ووصمها بالخيانة يشكك أيضا فى مبادرة أهل السودان الرامية الى اشراك كافة القوى السياسية فى حل النزاع بدارفور. فمن لا يأتمن شريكه فى الحكم، قطعا لن يثق فى أى من الآخرين.

III.  يترتب على هذا الموقف زعزعة ثقة المواطن العادى فى حكومته، خصوصا المناصرين لرئيس دولتهم والذين ليس لهم فى المؤتمر الوطنى ناقة ولا جمل، إنما يدفعهم الشعور بالمهانة والغيرة الوطنية للتضامن مع رئيس البلاد. وهؤلاء كثر ولا يطمحون فى أكثر من قطف ثمار السلام والعيش بأمان وتوفير الحياة الكريمة لإسرهم وعيالهم. وهم من الذكاء لالتقاط أن ما يروج له أصحاب الصوت العالى واستعدائهم لأى مناصر للرئيس ممن لا يحبذ إرتداء الجلباب الناصع البياض ووضع العمامة على الرأس والتوشح بالشال (مندوكورو أبو عمتين!) والإتكاءة على عصا، بمنطق "ديل لا مننا ولا معانا"، ليس له إلا معنى واحد فقط هو أن أصحاب هذا المنهج لا يؤرقهم استقرار السودان، ناهيك عن وحدته، بقدر ما تهمهم المحافظة على السلطة والنفوذ، وما تعلقهم بالرئيس إلا للبقاء فى مواقعهم والاحتفاظ بمناصبهم، وهم بذلك يحشرون الكل فى نفق مظلم لا أمل فى الخروج منه سالمين ولا نهاية له غير الدمار والخراب! وتجارب أفريقيا فى هذا "المضمار" لا تضاهى!

IV. إن أصحاب هذا التوجه العدائي قانعون فقط بمناصرة أحزاب حكومة "البرنامج الوطني"، شمالية وجنوبية، ، التى سبقت اتفاقية السلام الشامل، وقام المؤتمر الوطنى بتوفيق أوضاعها وإدخالها حكومة "الوحدة الوطنية" ضمن نسبة ال20% التى خصصتها الاتفاقية للأحزاب الشمالية والجنوبية الأخرى التى لم تكن طرفا فى الاتفاق. إن وقوف هذه الأحزاب فى خندق واحد مع المؤتمر الوطنى موقف طبيعى لا يثير الدهشة أو الجدل، إذ أن البرنامج الوطنى للحكومة هو فى حقيقته برنامج المؤتمر الوطنى الذى أضحى "وطنيا" فقط بعد ضم هذه الأحزاب الى الحكومة ببرنامجها القائم، ولم يكن محصلة لتوافق فى الاستراتيجيات والسياسات بينها وبين المؤتمر الوطنى. ولم يلحظ المراقب كيانات تنظيمية فاعلة وأجهزة نشطة لهذه الأحزاب أو سياسات كلية وقطاعية معلنة، او حتى حوارات ونقاشات حول هذه السياسات. وبالكاد يستطيع الملاحظ أن يميز أو يضع فاصلا بين هذا الحزب وذاك، من جهة، أو بينها وبين المؤتمر الوطنى، من جهة أخرى. وقد أطلق على هذه الأحزاب العديد من الأسماء مثل "الصغيرة" "الفكة" "المنشقة"، ولكننى أميل لوصفها بالأحزاب "الشبكة"، فهى فى الحقيقة "مجموعات" مصالح"، شمالية كانت أم جنوبية، وتاريخها قصير بعمر السياسة السودانية، وتعتمد على "شبكة" من علاقات الاقتصادية والاجتماعية، وتعيش على إرث تاريخى لقياداتها السياسية أو الطائفية، أو على استحقاقات سابقة تتصل باتفاقيات السلام "من الداخل".

 

وكل هذه الكيانات تلتقى وتشترك فى أنها تعتمد فى وجودوها على المؤتمر الوطنى وتستمد نفوذها منه، بل وتأخذ من حصته فى السلطة بحسب اتفاقية السلام الشامل، فهى معه ومنه! فمساندتها ووقوفها مع الرئيس فى هذه الأزمة ينسجم تماما مع موقعها فى السلطة وتوقعاتها السياسية المشروعة التى تستمدها أساسا من هذا الوضع، وليس من قاعدة اجتماعية بعينها كمصدر للنفوذ. وكما "سألنى"صديق بخبث: كيف يا ترى وافقت هذه الأحزاب على مادة فى مسودة قانون الانتخابات تشترط حصول المرشح لرئاسة الجمهورية على 15000 من المزكين، موزعين على كل الولايات، لقبول ترشيحه رسميا! ولذا جاءت تصريحات كل قياداتها منددة ومستنكرة للإدعاء ضد الرئيس، بينما تبنت موقفا "خاطف لونين" بين "أقوياء" و"ضعفاء" المؤتمر الوطنى، وإن اشتط بعضها و"بالغ" وأضحى "ملكيا أكثر من الملك". فقد هدد السيد بونا ملوال، زعيم المنبر الديمقراطى لجنوب السودان، بطرد قوات اليوناميد من السودان فى حالة رفض المحكمة الجنائية الدولية شطب الاتهام ضد الرئيس، مما سبب حرجا شديدا لوزارة الخارجية ووزيرها الذى يعمل مباشرة مع رئيس الجمهورية، والذى بدوره سبق وأن طمأن الأمم المتحدة والمجتمع الدولى فى هذا الشأن. وللمفارقة، أن تصريح بونا وجد استجابة لدى بعض المناصرين الحريصين الذين يعتبرون أن ما قاله هو "حديث مسئول فى محله، وصدر من رجل له خبرته السياسية فى المحافل الدولية، ورجل أدار إعلام نظام نميرى سنوات طويلة وفى أحلك الفترات وخرج النظام منتصرا". (كمال بخيت، الرأى العام، 13 يوليو 2008) وكأنما الكاتب أراد أن يقول إن بونا يدافع عن النظام والرئيس، بينما دينق الور يتآمر مع بريطانيا وفرنسا لإسقاط النظام، وكأن الرئيس لا يعلم ما فى جعبة وزير خارجيته الذى يطلعه بنتائج زياراته الخارجية! هل هذه وصاية أم وشاية؟     

V.   منهج "أقوياء" المؤتمر الوطنى فى ادارة الأزمة له أيضا انعكاسات سالبة على الصعيدين الإقليمى والدولى. فتصعيد الموقف، ولو خطابيا، والتشكيك فى الجميع، يرسل اشارات خاطئة للمتضامنين مع الرئيس فى الخارج. فلا يعقل أن نطالب المتضامنين مع الرئيس فى باقى أنحاء العالم بأن تتطابق مواقفهم من مساندة الرئيس مع ما يدعو له أصحاب هذا المنهج، والذين يعلنون فى نفس الوقت عداءهم السافر للمجتمع الدولى ومؤسساته، ووصم مناصرى الرئيس من الأجانب بالتآمر والتربص، وإن غلفوا نواياهم الخبيثة بكلمات متعاطفة. فمثلا، فى رد نقيب المحامين السودانيين على سؤال مقدم برنامج "حصاد اليوم" بقناة الجزيرة حول دور الجامعة العربية فى أزمة ادعاء المحكمة الجنائية الدولية، أجاب النقيب بحدة وغضب بأنه لا يؤمل كثيرا على الجامعة العربية فهى ضعيفة وأن تصريحات أمينها العام أيضا جاءت ضعيفة ولا ترقى لمستوى الحدث. (الجزيرة-حصاد اليوم-15 يوليو 2008)

 

إن دعوة مجلس الأمن لتجميد إجراءات المحكمة لمدة عام قابل للتجديد لا تروق لأصحاب هذا المنهج "فعمرو موسى، الذى كنا نحسبه حريصا على وحدة السودان وعلى رمزه، هو عراب التأجيل وأن موقفه منعزل عن موقف بلده مصر .. لكن الحديث واضح. يبدو عمرو موسى دخل فى "كمين" أمريكا وحلفائها ويريد أن يصل الى الحل بأقصر الطرق، وهو الحل الذى تريده أمريكا وحلفاؤها". (كمال بخيت، الرأى العام، 31 يوليو 2008) وفات على هؤلاء أن عمر موسى كأمين عام للجامعة العربية، لا تترك له قيود منصبه مجالا للتعبير عن موقفه الخاص المفعم بحب السودان وأهله، والمقترحات التى قدمها هى ما توافقت عليه الدول العربية، والتى لابد وان ندرك بأن مواقفها من التعامل مع الأزمة لا تتطابق، بل هناك بعض الدول تحث السودان على التعاون الجاد مع المحكمة الجنائية الدولية. فعمرو موسى بحكم منصبه لا يجوز له أن يطلق التصريحات على عواهنها، بل مهمته هى تنفيذ مقررات مجلس الجامعة. هكذا تعمل المنظمات! ثم ما الذى نجنيه من استعداء الأمين العام للجامعة العربية أو من اتخاذ موقف عدائى ضد الجامعة أو أى منظمة اقليمية أو دولية تسعى للتضامن مع الرئيس؟ هل ستغير هذه التصريحات العدائية شيئا على أرض الواقع؟ وفوق كل هذا، رحب السيد الرئيس بموقف الجامعة العربية الداعم له وعبر عن رضاه فى أكثر من مناسبة عن مساندة الجامعة له وللسودان.  

VI.  وعلى المستوى الاستراتيجى، فان ما يروج له "أقوياء" المؤتمر الوطنى هو ادخال البلاد فى، وجرها إلى حرب لا يستطيع أحد أن يتكهن بطبيعتها أو مداها هذه المرة، ولو أن كلنا يدرك جيدا معنى واحد للحرب: ألا وهو الخراب والدمار. هذا هو الحل الوحيد الذى يتبع منطقيا تشخيصهم للحالة. فمنبر السلام العادل يدعو رئيس الجمهورية "لاتخاذ الإجراءات وإصدار القرارات الكفيلة بحفظ سيادة وهيبة الدولة ويشمل ذلك اعلان حالة الطوارئ والاستنفار العام ودعوة الأمة بكافة فصائلها للانخراط فى معركة الكرامة دفاعا عن الوجود والهوية، بما فى ذلك استنفار المجاهدين لإعادة أمجاد "الميل 40" وصيف العبور". (بيان منبر السلام العادل، الإنتباهة، 15 يوليو 2008) 

ومثل هذا الطرح يثير أسئلة كثيرة تحتاج لإجابات صريحة.

1.  ضد من، أو بين من، ستكون هذه الحرب؟ فحرب الجنوب الأولى، والحرب الثانية التى امتدت لتشمل جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، والحرب الحالية فى دارفور، هى فى أصلها نزاعات بين الحكومات المركزية فى الخرطوم وحركات مسلحة فى هذه المناطق المهمشة حول التقسيم العادل للثروة والمشاركة فى السلطة، فى سياق اعادة لهيكلة السلطة فى المركز، من جهة، وبين المركز والأقاليم، من جهة أخرى. وتتلخص مطالب هذه الحركات فى ازالة التهميش والظلم الواقع على مناطقهم بإتاحة قدر من اللامركزية تمكنهم من إدارة شؤونهم بنفسهم والمشاركة الفاعلة فى مؤسسات الدولة الاتحادية، فى اطار عملية اعادة بناء دولة المواطنة السودانية. وقد أرست اتفاقية السلام الشامل قواعد هذه العملية ووفرت أنموذجا لمعالجة النزاع فى شرق السودان وفى دارفور، كما حددت آليات الانتقال السلمى للسلطة عن طريق ألانتخابات. ولم تلجأ هذه الحركات للعمل المسلح إلا لفشلها فى تحقيق هذه المطالب العادلة سلميا فى اطار الترتيبات الدستورية والنظام السياسى للدولة السودانية المستقلة فى 1956، والتى هى أساس لأزمة الوطنية. وما كل هذه التوترات والنزاعات المسلحة والحروب إلا نتاجا ومظهرا لهذه الأزمة.

 

2.  من يدعو لحرب جديدة، هل يريدها بين حكومة الوحدة الوطنية، المسؤولة عن تحقيق السلام الشامل، وبين الحركات المسلحة فى دارفور؟ أم هل أرادوا لها أن تكون حربا بين الشريكين، من جهة، وبين المؤتمر الوطنى والحركات المسلحة فى دارفور، من جهة أخرى؟ وهذا القصد مرجح، فالحرب لا تشن إلا على من يحمل السلاح، كما أن الشريك الآخر لا يمكن أن يشارك فى القتال ضد هذه الحركات فى دارفور. ويتم التعبير عن هذا القصد بغموض لا يخلو من تناقض فى القول، فهم يريدون "الانقاذ الأولى" ولكنهم يريدونها "بكل ما حققته الانقاذ الثانية من انجازات فى مجال الحريات والانفتاح والتقدم الاقتصادى والعلمى والاجتماعى. لكن لو كان هنالك من تعارض بين الاثنين فنريد (الأولى) وياروح ما بعدك روح! نريد عودة الدفاع الشعبى ليس فقط لمجرد العودة بل ليتحول الى (جيش احتياط) بكل ما فى الكلمة من معنى وأن تكون مهمته (مع الشرطة والأمن) حماية المدن بما فيها من بشر وأرواح وممتلكات." (عبد الرحمن الزومة، السودانى، 17 يوليو 2008) وبدون تعريف دقيق للعدو (الأعداء)، أو حتى للحكومة، يعتبر الداعون للحرب بأن "العبء الأكبر يقع على عاتق الحكومة فى أن تمد أياديها بيضاء الى جميع مكونات المجتمع الشمالى" (بيان منبر السلام العادل، الإنتباهة، 15 يوليو 2008) فأى حكومة يقصد البيان؟ هل هى حكومة الوحدة الوطنية، القائمة على الشراكة بين المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية؟ أم هى حكومة ظل نجهل أمرها؟ وما هو وأين هذا العدو؟ وما هو هذا "المجتمع الشمالى"، والذى لا بد وأن تستنجد به "الحكومة" فى حربها "ضد الحكومة"؟ وهل يشمل هذا المجتمع دارفور وكردفان وجنوب النيل الأزرق؟

 

3.  أم هل هى حرب ضد الجميع والعالم أجمع؟ ولم لا؟ فهناك من يريد أن يبنى "جيشاً عصرياً محترفاً بأجهزته المتطورة وأسلحته (الفتاكة)، نعم الفتاكة ولنسعى لامتلاك (الطاقة النووية). هل سمعتمونى؟ نعم النووية! اما أن نعيش أقوياء أعزاء أو لنفسح المجال لمن يريدون أن يعيشوا كذلك. لنبنى (درعاَ صاروخية) تحمى سماوات بلادنا. و لتكن مهمة ذلك الجيش حماية البلاد أرضاً وحدوداً بحيث لا يدع فرصة لـ (ذبابة) أعزكم الله أن تطير (بدون إذن) فوق كبكابية أو محمد قول أو حلفا أو نمولى". (عبد الرحمن الزومة، السودانى، 17 يوليو 2008) يبدو أن الكاتب من مدمنى مشاهدة خليط من "حرب النجوم" و  ."Spacetoon"وإلا فأين يقود مثل هذا المنطق وأين تأخذنا مثل هذه الحرب الكونية؟

 

4.    ثم ما هى دوافع وأغراض هذه الحرب الموجهة نحو أعداء كثيرين لم يتم تعريفهم بدقة؟ بمعنى آخر، ما هى الأهداف أو المصالح التى تستدعى اللجوء للحرب ولا يمكن تحقيقها فى اطار الترتيبات الدستورية القائمة؟  فهل تهدف الحرب الى رفع غبن وإزالة مظالم وقعت بسبب اتفاقية مجحفة من ناحية تقسيم السلطة والثروة، أى تحقيق مكاسب أكثر ودرء مطالب واستحقاقات متوقعة لما بعد اتفاقية سلام دارفور؟ هذا حديث تعوزه المصداقية ولا يصدقه إلا أصحابه وقلة من الآخرين. فهكذا ببساطة نبتدع "دورة خبيثة" لعملية البناء الوطنى من طراز جديد: حرب-اتفاقية سلام-حرب من أجل الهيمنة المطلقة على السلطة المركزية والثروة حتى نقضى على الدولة السودانية ذاتها. هل هذا معقول؟ وهل هذا مصيرنا؟ لا شك، ستكون هذه هى النتيجة الحتمية لمن يريدون، ولنا جميعا، "الاحتفاظ بالكيكة وأكلها فى آن واحد"، وكأنهم فى ذلك يسترشدون بكلمات الأغنية الشعبية التى يقول مطلعها "العندى أنا ما بديه .. وحق الناس بقالع فيه!".أليس من الأفضل أن نتأثر بآيات الكتاب المقدس التى كان يرددها كثيرا الزعيم الراحل د. جون قرنق فى مخاطبته لخصومه ومناصريه، على حد سواء، ودعوته لهم للمشاركة فى الحكم "لا تضطرب قلوبكم. أنتم تؤمنون بالله فآمنوا بى. فى بيت أبى منازل كثيرة، وإلا فانى كنت قد قلت لكم أنا أمضى لأعد  لكم مكانا"، فالسودان فيه متسع من المكان للجميع، وللمؤتمر الوطنى غرف عديدة وصالات فاخرة! فبدلا عن الحرص (الفات حده) على السلطة والثروة، دعونا نتأمل التداعيات المأساوية المترتبة على نقض اتفاقية السلام الشامل، فسينهار بيت الأب ومنازله الكثيرة!            

5.    وفوق ذلك كله، هل تخدم الحرب، أو التهويش والتلويح بها، أهداف "أقوياء" المؤتمر الوطنى؟ صحيح أن "الإنقاذ الأولى"، كما يحلو للبعض تسميتها، شهدت انجازات اقتصادية، على رأسها استخراج النفط وتصديره و تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلى، بينما كانت الحرب فى الجنوب مستعرة، ولكن هل "تسلم الجرة" هذه المرة؟ ثم هل نستديم الحرب أم السلام؟ إن الداعين للحرب يغفلون عن أربع عوامل أساسية تجعل من وصولهم لأهدافهم عن طريقها أمرا مستحيلا، كما سترتد عليهم عواقبها الوخيمة.

أولا: تغيرت الظروف الموضوعية المحيطة بنا إقليميا وعالميا وتبدلت موازين القوى الداخلية فى أعقاب توقيع اتفاقية السلام الشامل. فمع بدايات الألفية الثالثة بدأ المجتمع الدولى فى إنفاذ توجهات صارمة لإنهاء الحروب وإطفاء بؤر التوترات المسلحة، خاصة فى أفريقيا. فقد بذل شركاء الإيقاد جهدا هائلا وأنفقوا أموالا طائلة لإنجاح اتفاقية السلام الشامل، كما عقد مجلس الأمن جلسة خاصة فى نيروبى لحث طرفى النزاع على المضى قدما فى المفاوضات والوصول الى تسوية. وبنفس القدر، ثابر المجتمع الدولى على ايجاد حل سلمى للأزمة فى دارفور مما أفضى الى اتفاقية أبوجا، بغض النظر عن اخفاقها فى الحصول على توقيع كل الفصائل المقاتلة أو التعثر فى تنفيذها. ونفس الدول التى سعت بشدة لوقف حرب دائرة لن تكون مكتوفة الأيدى إن كان الوضع ينذر بحرب جديدة، وحينها سنتحمل نحن المسئولية عن حرب صنعناها بأيدينا.

ثانيا: ربما ظن "اقوياء" المؤتمر الوطنى أن الحرب القادمة ستكون كسابقاتها، كحرب الجنوب فى نسختيها الأولى والثانية، شبه تقليدية وبين خصمين معروفين، كما أن مسرحها سيظل بعيدا عن مركز السلطة، أى أنها ستنحصر فى المناطق المنتجة للثروات بحيث يكتوى بنيرانها ويتعرض لويلاتها السكان المحليين، بينما يتمتع الآخرون بعائدات هذه الثروات وينعموا بالسلام والأمن. فعلى العكس تماما، ستكون العاصمة هذه المرة هى المسرح للعمليات مما يشكل علامة فارقة فى تاريخ الحروب الأهلية وتطورها فى السودان. إن استنفاذ اتفاقيات السلام لأغراضها وفضها من جانب واحد، فى سياق تراكم العهود المنقوضة، وفى ضوء الترتيبات الدستورية الانتقالية وإجراءات الانتقال السلمى للسلطة، سينقل الصراع حول السلطة مباشرة الى المركز، مما ينذر بحرب أهلية متعددة الأطراف.  

ثالثا: بحساب الربح والخسارة، فان الذين لا يبصرون حلا للأزمة إلا بالحرب سيكونون أول من يلسعهم لهيبها، وأكبر الخاسرين، 1) فما المصلحة فى تدمير الإنجازات الاقتصادية التى تحققت فى عهد "الإنقاذ"، والتى لا ينكرها أحد إلا مكابر، والتى ستظل مصدرا لتباهى جميع السودانيين، خاصة المستفيدين منها مباشرة، خدمة كانت أم سلعة؟ ولماذا ننقض غزل ما نسجته أيدينا؟ ومن جهة أخرى، كيف سيتم تمويل آلة الحرب هذه المرة؟ 2) ولا ننسى انجاز وقف الحرب وتحقيق السلام، وإن لم تكتمل خطواته، فهل نتبع خطا الرئيس السابق نميرى ونهدم صرح شامخ شيدناه بأنفسنا، بل وندفع ثمنا أكثر ونحصد خسارة أفدح؟ و 3) الداعون للحرب يستأثرون بثمار الثروة والسلطة، أكثر من غيرهم، فبانت فى تميز ملبسهم وأكلهم وشربهم وارتسمت النعمة على وجوههم. وهم أسياد "المجمر والمحمر" و"الهمر"، وأصحاب العربات والعمارات والشركات و"البسافروا الأمارات". لاشك أن خسارتهم ستكون أكبر بكل المقاييس!        

رابعا: كيف ستتم التعبئة، وحشد المؤيدين لهذه الحرب؟ وما هى الشعارات التى يتوقع أن يستجيب لها الناس ويلتفوا حولها؟ هل نحن موعودون باستعادة مشروع "التوجه الحضارى" و"إعادة صياغة المجتمع السودانى" تحت رايات "الجهاد"، بعد أن خفت صوتها وأفل نجمها وأصبح "الكفار" شركاء أصيلين فى الحكم؟ وهل تصلح هذه الشعارات للحرب المستعرة فى دارفور، التى قامت فيها مملكة وحضارة اسلامية لا يخلو سفر تاريخى من ذكرها وتمجيدها؟ وما دور القوى السياسية الأخرى، بل وكل مكونات المجتمع المدنى، وجميع شرائح الشعب السودانى "الغلبان"" والتى تتناقض مصالحها تماما مع العودة للحرب؟ هل سيرجع بنا "أقوياء" المؤتمر الوطنى الى عهد "الانقاذ" الأول واللجوء الى الترهيب، بعد أن فشل الترغيب، و"الإرهاب" وفرض التعبئة على المعارضين والحشد قسرا وبالإكراه؟ حقا، فقد سبق أن أشرت إلى دعوة "منبر السلام العادل" للسيد رئيس الجمهورية الى إعلان حالة الطوارئ والاستنفار العام! لكن، هل عاد هذا الأسلوب جائزا من المنظور السياسى، والسياسة هى "فن الممكن"؟

خامسا: وأتمنى أن لا يكون الداعون للحرب قد اعتمدوا على قراءة خاطئة لمشهد التضامن والمساندة التى حظى بها الرئيس، والتفاف الناس حوله واصطفافهم خلفه. فعامة الناس ليست لهم وجهة نظر ايديولوجية سياسية معينة، لا هم بمنتسبين ولا بمؤيدين للمؤتمر الوطنى، بل شعورهم بالامتهان والاستهانة برئيسهم  هى التى دفعتهم للوقوف معه، لا لأن يقودهم آخرون لحرب يعرفون معناها وعواقبها جيدا! فهم ليسوا بداعمين لأى توجه يدعو للحرب ولا بمستعدين لها، بل يطمحون فى أن يتدارك الرئيس الأمر ولا يعود بهم للحرب ويعبر بهم نحو واقع أفضل. كما أن هناك عدد كبير من المثقفين السودانيين من ذوى الميول الليبرالية وإن كانوا غير مشتغلين بالسياسة، أعرف بعضهم شخصيا، وإن كانوا لا يكنون حبا للمؤتمر الوطنى، لكنهم يقفون مع الرئيس ويتضامنون معه بصفته رمزا للسيادة، من ناحية، واستهجانا لازدواجية المعايير والشعور بالمهانة والغيرة على الوطن و"الحقارة"!، من ناحية أخرى. ولكن، كل هؤلاء يرفضون بحسم مجرد التفكير فى العودة للحرب، بل إنهم يتطلعون الى أن يعالج الرئيس الأمر بدون أن يعرض مهمته الأساسية للفشل والمتمثلة فى إكمال مرحلة الانتقال سلميا، إما بتحقيق الوحدة الطوعية أو بقبول نتيجة الاستفتاء على حق تقرير المصير، إن رغب الجنوبيون فى الانفصال. إذن، ما الحاجة للحرب؟ من سيقف خلف "أقوياء" المؤتمر الوطنى فى دعوتهم لها؟    

6.    إن تقديم الحرب كحل للأزمة لا ينفصل عن "همس" يدور، ولو بالصوت العالى، حول تكهنات بانقلاب على السلطة، والذى بدوره يثير أسئلة هامة، بقدر ما يثير الشكوك! ما هى طبيعة الانقلاب؟ هل هو انقلاب "قصر" أم انقلاب "أبيض"، كما تكهن على الحاج؟ (سودانايل، 9 أغسطس 2008) ومن الجهة التى تعد له؟ فتاريخ الانقلابات فى السودان يشهد بالأدلة القاطعة على أن كل محاولات الانقلاب العسكرى الناجحة والفاشلة، على حد سواء، اشتركت فى التدبير لها، ولو بطرق مختلفة، أو وجدت دعما من تنظيم سياسى. وهل ما زال هناك تنظيم سياسى فاعل داخل القوات المسلحة له القدرة على استلام السلطة، كما يتمتع بدعم وغطاء سياسى؟ أم سيكون انقلاب "الإنقاذ 3"، كما يروق للبعض اطلاق "الإنقاذ2" على الفترة الانتقالية؟ أى انقلاب على الرئيس؟ ثم من هم قادة هذا الانقلاب، وماذا سيقولون فى بيانهم الأول بشأن اتفاقية السلام الشامل والترتيبات الدستورية القائمة عليها؟ وما هى الدول، إقليميا وعالميا، التى يأملون فى مباركتها للانقلاب؟ وإن كان هناك من يجد عزاءا فى الانقلاب الأخير فى موريتانيا، فتجربة "الحلقة المفرغة"، انقلاب-تعددية سياسية-انقلاب، فى موريتانيا ما زالت "طفلا يحبو"، كما أنه لا يوجد فى ذلك البلد جيشان وقوات مشتركة، وقوات للأمم المتحدة "أصلية" وقوات "هجين"، وقوات عديدة أخرى لم تلق بأسلحتها بعد، وجهاز أمن وطنى يشترك فى قيادته الشريك الآخر فى الحكم. ولينظر المتعشمون خيرا فى حدوث انقلاب كيف باتت قيادات الانقلاب فى موريتانيا، والرئيس الذى نصب نفسه، فى عزلة اقليمية، بعد تجميد عضوية موريتانيا فى الاتحاد الأفريقى، و أروبية ودولية، وليستشرفوا المستقبل المظلم الذى ينتظر هذه الدولة وهى فى طور التكوين.         

قصدت بهذا الاشارة الى خيار الانقلاب كحل مطروح للأزمة أن ألفت النظر إلى تداعياته الخطيرة على عملية الانتقال السلمى للسلطة، ولكن لا أقطع بأنه لن يحدث انقلاب، فبلغة الاحتمالات، فإن احتمال الانقلاب وارد، ولكنه ضعيف. وكما قال الزعيم الراحل د. جون فرنق "عشان بعدين لو حصل انقلاب، ما تقولوا أنا أديتكم تحليل مضلل!". وعلى أى حال، فأنا أعتقد بان أى محاولة انقلابية ستشعل فتيل الصراع المسلح على سلطة الدولة فى المركز والذى قد يتطور الى حرب أهلية شاملة، إلا بالطبع إن شاء القدر وأسعدنا الحظ بانقلاب، ليس "بأبيض" فحسب، بل "بطاهر" و"شريف"!  

 

خلف الرئيس .. وليس مع المؤتمر الوطنى

 

 هذا هو ملخص حديث المناصرة الحزبية فى مواجهة الأزمة التى خلقها إدعاء المحكمة الجنائية الدولية فى حق رئيس الجمهورية. فهناك تيار متعدد الأطراف فى المؤتمر الوطنى لا يؤمن، ولا يرضى بأن يكون هناك من يقف خلف الرئيس ولكن ليس، بالضرورة، أن يتفق مع توجهات المؤتمر الوطنى، ويعتقد أن مجرد التفكير فى ذلك، ناهيك عن البوح به، جريمة ووصمة عار، ليس فى حقهم فحسب، بل فى حق الوطن. ولكننا مستعدون لمحاورة ومجادلة أصحاب هذا الطرح حتى لا ننساق الى حرب لا يرغب فيها ولن يسلم منها أحد، وحتى نكمل مشروع البناء الوطنى عن طريق التنافس الانتخابى وعملية الانتقال السلمى للسلطة.

 

فهل جموع التضامن الشعبى التى احتشدت، وهتفت بالصوت العالى "سير .. سير يا البشير" قصدت أن يسير الرئيس فى هذا الاتجاه؟ وأن يكافئ هؤلاء المناصرين على حساب بقية المتضامنين من القوى السياسية الأخرى وكيانات المجتمع المدنى، ومن المنظمات الاقليمية المختلفة والتنظيمات الشعبية والفئوية، ومن دول كثيرة فى العالم، وشخصيات لها نفوذ دولية ومحسوبة على الغرب ودول "الاستكبار"؟ إن خيار المواجهة العنيفة، مع القوى التى تناصر الرئيس فى الداخل والخارج، كحل للأزمة سيقود للحرب فى نهاية المطاف. وسيحدث هذا النهج شروخا فى الاصطفاف الوطنى غير المسبوق خلف الرئيس وفى مظلة التضامن الخارجى معه، مما يضيف بدوره رصيدا مجانيا للناقمين على الرئيس. كما سيخلق إتباع هذا الخيار شقوقا فى داخل الحزب الحاكم نفسه، فى الوقت الذى تحتاج فيه معالجة الأزمة إلى حزب موحد وشريك متماسك لإنجاز مهام الانتقال المعقدة.

 

فالشريك الآخر فى الحكم قد أعلن تضامنه الكامل، ويقود رئيس الحركة الشعبية اللجنة العليا لإدارة الأزمة. وبالمناسبة، فقد قال مالك عقار، نائب رئيس الحركة الشعبية للسيد الرئيس عند مخاطبته جماهير ولاية النيل الأزرق بمناسبة الاحتفال بوضع حجر الأساس لمشروع تعلية خزان الروصيرص فى أغسطس 2008 "إن الاستهداف موجود ولكن أقول إن مذكرة اوكامبو هى "بلبصة" ساكت". وزاد مؤكداً وقوفه خلف رئيس الجمهورية "وإنت السيد الرئيس، زول كبير وبالتالي لا تلتفت "للبلبصات".  كلنا خلفك من أجل التنمية وسر ونحن وراك". فهل سيسير مالك عقار خلف الرئيس إن مضى فى هذا الطريق؟ ومن سيكون "البلباص" فى هذه الحالة؟ إن كل المناصرين الآخرين يدعمون بقاء الرئيس فى منصبه ليكمل مهام التحول والانتقال التى انطوت عليها اتفاقية السلام الشامل، ويساندون مبادرته "أهل السودان" ودعوته لإشراك حتى الناقمين عليه من الحاملين السلاح لحل النزاع فى دارفور، حرصا على الوطن.

 

إذن، كيف سيرضى الرئيس كل هؤلاء المناصرين، داخليا وخارجيا، بينما يكسب ود الناقمين عليه؟ هذا سيكون موضوع الجزء الثانى من هذه "الطلقة" فى الظلام، التى أرجو أن تصيب هدفها!!

 

تونس-القاهرة

أغسطس 2008

 


© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

مقالات و تحليلات
  • تشارلز تيلور يكتب من لاهاي هاشم بانقا الريح*
  • تنامي ظاهرة اغتصاب الاطفال ...! بقلم / ايـليـــا أرومــي كــوكــو
  • مؤتمر تمويل التنمية/د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم
  • بين مكي بلايل والعنصرية والحركة الشعبية /الطيب مصطفى
  • قالوا "تحت تحت" الميرغنى ماااااا "داير الوحدة"/عبد العزيز سليمان
  • الصراع الخفي بين إدارة السدود والمؤتمر الوطني (4-12) بقلم: محمد العامري
  • قواعد القانون الدولى المتعلق بحصانات رؤساء وقادة الدول/حماد وادى سند الكرتى
  • هل يصبح السيد مو ابراهيم حريرى السودان بقلم: المهندس /مطفى مكى
  • حسن ساتي و سيناريو الموت.. بقلم - ايـليـا أرومـي كـوكـو
  • الجدوي من تعديل حدود اقليم دارفور لصالح الشمالية/محمد ادم فاشر
  • صلاح قوش , اختراقات سياسية ودبلوماسية !!؟؟/حـــــــــاج علي
  • أبكيك حسن ساتي وأبكيك/جمال عنقرة
  • نظامنا التعليمي: الإستثمار في العقول أم في رأس المال؟!/مجتبى عرمان
  • صندوق إعادة بناء وتنمية شرق السودان .. إنعدام للشفافية وغياب للمحاسبة /محمد عبد الله سيد أحمد
  • )3 مفكرة القاهرة (/مصطفى عبد العزيز البطل
  • صاحب الإنتباهة ينفث حار أنفاسه علي باقان: الصادق حمدين
  • جامعة الخرطوم على موعد مع التاريخ/سليمان الأمين
  • ما المطلوب لإنجاح المبادرة القطرية !؟/ آدم خاطر
  • الجزء الخامس: لرواية للماضي ضحايا/ الأستاذ/ يعقوب آدم عبدالشافع
  • مبارك حسين والصادق الصديق الحلقة الأولى (1-3) /ثروت قاسم
  • ماذا كسبت دارفور من هذه الحرب اللعينة !!/آدم الهلباوى
  • الأجيال في السودان تصالح و وئام أم صراع و صدام؟؟؟ 1/2/الفاضل إحيمر/ أوتاوا
  • النمـرة غـلط !!/عبدالله علقم
  • العودة وحقها ومنظمة التحرير الفلسطينية بقلم نقولا ناصر*
  • المختصر الى الزواج المرتقب بين حركتى العدل والمساواة والحركة الشعبية لتحرير السودان /ادم على/هولندا
  • سوداني او امريكي؟ (1): واشنطن: محمد علي صالح
  • بحث في ظاهـرة الوقوقـة!/فيصل على سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر
  • سقوط المارد إلى الهاوية : الأزمة مستمرة : عزيز العرباوي-كاتب مغربي
  • قمة العشرين وترعة أبو عشرين ومقابر أخرى وسُخرية معاذ..!!/حـــــــــــاج علي
  • لهفي على جنوب السودان..!! مكي المغربي
  • تعليق على مقالات الدكتور امين حامد زين العابدين عن مشكلة ابيي/جبريل حسن احمد
  • طلاب دارفور... /خالد تارس
  • سوق المقل أ شهر أسواق الشايقية بقلم : محمدعثمان محمد.
  • الجزء الخامس لرواية: للماضي ضحايا الأستاذ/ يعقوب آدم عبدالشافع
  • صاحب الإنتباهة ينفث حار أنفاسه علي باقان أموم/ الصادق حمدين
  • رحم الله أمناء الأمة/محجوب التجاني
  • قصة قصيرة " قتل في الضاحية الغربية" بقلم: بقادى الحاج أحمد
  • وما أدراك ما الهرمجدون ؟! !/توفيق عبدا لرحيم منصور
  • الرائحة الكريهة للإستراتيجي بائتة وليست جديدة !!! /الأمين أوهاج – بورتسودان
  • المتسللون عبر الحدود والقادمون من الكهوف وتجار القوت ماشأنهم بطوكر /الامين أوهاج