رمضان..وبابا نويل
البراق النذير الوراق
مع مقدم شهر رمضان الكريم، تترى الإستعدادات داخل المؤسسات الإعلامية التلفزيونية والإذاعية، لتقديم برامج يحتدم التنافس من خلالها لجذب الجمهور(المسلم والصائم خصوصاً)، الذى يرى فى التلفزيون، إضافة للعبادات المعتادة، الخِل الوفى، والرادع القوى، للرغبات الشهوانية الطبيعية، من ماء وجنس ولقمة تسد الرَّمْق، ضمن الصوم الإختيارى الذى يأتى جزائه فقط، من عند رب العالمين.
وفى تحركات دائبة للفوز بإعلان، أو دعاية تجارية، أو رعاية لبرنامج ما، تتيح تلك المؤسسات المجال لبعض شركات الإتصال(وفق فقه الضرورة والتراضى فى البيع) لتتلاعب بأحلام الجماهير، من خلال طرح المسابقات والجوائز الرمضانية المبهرة، والباهظة الثمن، ولا تتوانى تلك المؤسسات الإعلامية ومن خلفها الشركات، من أخذ جنيهات معدودات من جيب مواطن بسيط، لزيادة الأرباح وفق إتفاق مسبق مع القناة التلفزيونية أو الإذاعية المحددة، ويتم أخذ تلك الجنيهات عبر إتصال هاتفى أو رسالة نصية، ومن خلال فرز (عشوائى)، يتم إعلان فوز أحد المواطنين أو المواطنات بجائزة، وهذا يحدث تقريباً فى كل الدول العربية على الأقل، ولكن، كل تلك العملية ليست مهمة فى حد ذاتها، فالمهم فى النهاية، أن يخرج ذلك الجنيه من هذا المواطن او المواطنة. وفى حالات أخرى وطيلة ايام العام، تخصصت بعض القنوات الفضائية العربية فى طرح أسئلة ساذجة، بواسطة فتاة متغنجة، تتراقص وتتراشق، لتشجع أحدهم على الإتصال، وفقاً لآمال عراض يرسمها المتصل، ممنياً نفسه بالفوز والثراء السريع، ولاندرى بالضبط الآلية التى يسيطر بها أخصائيي الهمبتة الإعلامية على عقول المتصلين، لتأتى إجاباتهم دائما"خاطئة"، ولكن البرنامج المَعنىِّ يستمر لساعات ونماذج الأسئلة تأتى فى أصعب حالاتها من شاكلة "دولة عربية تتكون من خمسة حُروف، وتُقرأُ من اليمين والشمال بنفس الشكل "، فيجيب المتصل الذكى بأن..لبنان.
فى رمضان الماضى تحركت العديد من شركات الإتصال، عبر القنوات الفضائية السودانية وفى تنافس محموم، لتقدم للجمهور جوائز تنوعت فى الشكل والقيمة، فمرة موبايل حديث، وأخرى سيارة فارهة، ومرة قطع ذهبية، ورابعة فيلا فى حىٍّ فاخر، والهدف المعلوم من تلك التحركات هو زيادة عدد المشتركين، وبالتالى زيادة الأرباح، فتلك الشركات لاتقدم تلك الجوائز من جيوبها الخاصة و(علشان خاطر عيون المشتركين) إنما هى نتاج لتراكم الأموال من جيوب مواطنين آخرين، يدخل جُلّها فى حساب هذه الشركة أو تلك، والفُتَات يخرج فى شكل سيارة أنيقة، أو فيلا فاخرة.
بعد شهور من ذلك التنافس الحامى، صحى علماؤنا الإسلاميين فجأة، فأصدروا فتوى بعدم شرعية تلك الجوائز، ودخولها فى شبهة الربا، فسارع الوزير الى إلغاء تلك الجوائز إمتثالاً لتلك الفتوى، لكن، لا سيادة الوزير ولا فضيلة الشيوخ، وضحوا لنا من وجهة نظر فقهية ودينية، مصير الجوائز التى أصبحت فعلاً، جزءاً من أموال حاصديها، ولم يوضحوا لنا كذلك، كيف يمكن لهذه الشركات، التكفير عن ما أغترفته من ذنوب فى الشهر الفضيل، والشهور التى تلته، كما أنهم لم يعلمونا كمواطنين صالحين، عن السبب الذى جعلهم يصمتون طيلة هذه المدة عن معاصى ترتكب جهاراً، وفى شهر كريم يُحبُّه الرسول والعباد المسلمين.
نحن لا نغمط هذه الشركات حقها فى البحث عن وسائل مبتكرة لزيادة عدد مشتركيها، ولا يسيئنا أن تحاول هذه الشركات الظهور للرأى العام بمظهر الملاك الطاهر، أو، بابا نويل، ولكن هل اللعب بأحلام المشتركين هو الوسيلة المثلى ضمن وسائل أخرى عديدة للتكسب، أبسطها تخفيض التعريفة، والتعامل بحساب الثوانى بدلاً عن الدقائق، وسرعة الإستجابة لأى إستفسار عبر خدمات المشتركين، وأخيراً، إذا كانت فتوى دينية، أوقفت تلك المسابقات عبر السيد الوزير(وفى ظنى ذلك إنتصار للأخلاق مبدئياً)، فهل يُنتَظر من تلك الشركات التكفير عن تلك الإساءات، ولو بدعم برامج هادفة يستفيد منها المتلقى، ويُقدّمُ من خلالها الإعلان الدعائى بشكل يحترم المُشاهدَ والمُستمعِ، ويُحافظ على ما تبقى من كرامته المهددة بالإهدار على الدوام، ويومياً، على طرقات بلاده الغنية بالنفط والموارد الطبيعية، عبر آلية رأسالمال الطفيلى؟.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة