ما بين رابح ورابحة... رموز تاريخية أخرى ...وكل سنة وأنتم طيبيون... !!!
ليس من الضرورى أن يكون الرجل ( عفوا أعنى هنا النوع البشرى وليس الجنس ) فيلسوفاً , أو أكاديمياً بارزاً فى تخصصه , أو ( رجل ) دين يحتل مكانة مرمومقة فى قلوب مريديه , أو إن تعلق الامر بالنساء , فليس من المهم كذلك أن تكون من السيدات الأُول , أو ممن ينتمين إلى قبيلة النساء الجميلات ـ إذا جاز التعبير ـ , وكذا الحال إن شمل الامر الاطفال فليس ضرورياً ان يكون أحدهم من الموهبين أو من الذين يتصفون بالقدرات الخارقة , أقول ليس من الضرورى أن يكون الانسان ـ بما هو إنسان ـ أن ينتمى لأى من هؤلاء أو أولئك حتى يكون مصدراً للحكمة , او ملهماً لابناء جيله , او حتى للاجيال اللاحقة ويدخل من ثم التاريخ من أوسع أبوابه, فالحكمة كما يقولون , تخرج حتى من أفواه المجانين , وإن كنتَ قد فسرت الجنون بالعبقرية , فنقول لك : فهى ليست حصرياً على العقلاء .
يزخر السجل التاريخى للمجتع الانسانى , بإسماء الكثيرين من النساء والرجال والاطفال الذين كانت لهم بصماتهم فى هذا المنحى أو ذاك , ففى القرن السابع الميلادى وفى الربع الاخير منه , وإبان الفتوحات الاسلامية العربية , يممت صوب المغرب الافريقى (العربى حالياً ) قوافل عسكرية ودعوية بغرض نشر الاسلام وتعريب قبائل البربر وغيرها من القبائل التى تتوطن فى تلك الانحاء , لم تواجه تلك الحملات صعوبات فى بعض المناطق , لكنها قد واجهت صعوبات عديدة فى مناطق اخرى , ومن بين تلك المواجهات التى قابلت الفاتحين المقاومة الشرسة التى قادتها إمراة كاهنة تتزعم إحدى المجموعات الزناتية البربرية , إستطاعت تلك المرأة أن تلهم شعبها وتحركه ضد (الهيمنة الجديدة ) , وصمدت فى ميادين القتال لأكثر من عام , حتى تمكن أحد القادة العرب من القضاء عليها , ويسمى حسان بن النعمان الغسانى ,
عُرفت تلك الكاهنة الداهية , فى كتب التاريخ , بإسم داهيا بنت واهيا .
راجع : معالم تاريخ المغرب والاندلس صفحة : 45
رابحة الكنانية , مناضلة سودانية , تنتمى لاحدى جهات السودان التى لا يعرفها الكثيرون من أبنائه ويجهلها حتى الحكام والساسة , لعبت تلك الثائرة دورا غير مجرى التاريخ , فلو لاها لربما كنا لا نعرف اليوم آل المهدى ( حفظهم الله ) , قطعت تلك المناضلة , المسافة بين فاشودة ( منطقة ملكال ) , وجبل قدير ( منطقة جبال النوبة ) عدواً , فى يوم كامل , حتى تفطرت قدميها وتلطخت بالدماء , لتكشف عن مؤامرة وشيكة كان قد دبرها الغاشم أيمن بك راشد بالقضاء على المهدى ( عليه السلام ) . كنتُ أتوقع أن يخصص أبرز احفاده , واحداً من قصوره أو إحدى ضياعه , جامعة أو حتى مدرسة تحمل أسم تلك الثائرة .
راجع : الموسوعة الحرة , ويكيبيديا , رابحة الكنانية
رابح : ـ
كما ان التاريخ قد خلد رابحة , فهو أيضاً قد خلد رابح , لكن من هو رابح ؟؟؟ !!! فهذا هوالسؤال الذى ربما حير( ساداتنا وكبرائنا ) , ناهيك عن التلامذة الصغار من أمثالنا , فى نهاية القرن التاسع عشر إنفصل أحد الجنود عن قائده ,أو قل هرب أحد الرقيق من سيده , وألتحم أو قل لحق أو لجأ سياسياً , الى دولة الفور , والتى كانت تحت إمرة سلطانها الاسطورى على دينار , ذلك الرجل يدعى رابح , سودانى المولد والنشأة , يحمل كل ملامح السودانى الاصيل , وكان أحد الجنود الاقوياء أو قل القادة , الذين هم تحت إمرة الزبير بك باشا , اؤلئك الجنود الذين يستخدمتهم فى تحقيق أهدافه ( الاقتصادية ) , تمرد ذلك القائد ولجأ إلى سلطان الفور , ونظم صفوفه , ثم توكل على الحى الذى لايموت وأبحرغرباً 0 بين قوسين ( اليوم دار فور تبحر شرقاً ) , بدأت رحلة رابح كما تذكر الروايات , إنطلاقتها من دار فور شرقاً متجاوزة الحدود الدولية , لعدد من السلطنات والممالك , فى إتجاه الغرب .
وفى خلال مسيرته القارية , خاض رابح عدد من الحروب , خرج منها منتصراً فى أغلب الاحوال أو بإتفاقيات ومعاهدات من شأنها أن تعزز موقفه العسكرى من حيث الدعم اللوجستى والمعنوى لتحقيق أهدافه , وسنرى بعد قليل ما هى أهداف وطموحات ذلك القائد الشجاع , إجتازت حملته كل من مملكة الوادى وحاضرتها مدينة أبشى ( داخل حدود شاد حاليا ) , ثم مملكة أو سلطنة الباقرمى و عاصمتها فورت لامى ( إنحمينا , العاصمة الشادية الان ) , وربما كان هنالك عدد من الممالك والسلطنات ولكن التى ذكرناها تعد هى الابرز والاقوى فى ذلك الوقت .
عبر الرجل نهر شارى ( وهو النهر الرئيسى الذى ينتهى فى الحدود الشادية , الكمرونية , النيجرية , والنيجيرية ليكون بحيرة شاد ذات التصريف الداخلى ) لتمر حملته عبر قطاع من الجنوب الكمرونى متوغلة فى الشمال الشرقى لنيجيريا حيث مملكة الكانيم , وهنا وجد صاحبنا ضالته , خاض رابح معارك ضارية مع أمراء كانم إنتهت بإنتصاره عليهم وإنتزاع ملكهم , وفى ذلك الوقت كانت عاصمتهم يروة ( مايدوغرى حالياً وهى الان عاصمة ولاية برنو إحدى ولايات الاتحاد النيجيرى وإتخذت إسمها من القبيلة ذات الارث التاريخى فى المنطقة وهم البرنو فخذ من الكانيم ) , نقل رابح مركز القرار لدولته الوليدة , من العاصمة السابقة يروة إلى مدينة صغيرة تدعى دكوا ( بكسر الدال ) وهى ضاحية صغيرة أقرب للحدود الكميرونية , استفاد رابح كثيرا من خبرته السابقة كقائد فى صفوف جيش الزبير باشا , فى الحفاظ على ملكه فى مواجهة الانجليزالذين كانوا يسيطرون على نيجيريا فى ذلك الوقت وعاصمتهم لاغوس , فى أقصى الغرب , هذا من جهة ومن جهة اخرى إستطاع ان يحصن ملكه ضد اى هجمات مرتدة يمكن ان يقوم بها اصحاب الارض .
أحدث رابح الكثير من مظاهر التغييرفى الحياة الاجتماعية لسكان تلك المنطقة ( واغلبهم من البرنو ) , تجسدت فى نشر الاسلام والتعريف باصول الفقه الاسلامى فضلا عن نشر اللغة العربية والحث على تعلمها , شيد لنفسه قصرا يأويه بمواصفات تعتبر طفرة بمقاييس ذلك الزمان , إستخدم الحمام الزاجل فى نقل الرسائل , عمل على تمييز البرنو عن العرب وذلك ان قام بإبتداع الشلوخ لقبيلة البرنو ( هذه المعلومة تتناقلها الاسطورة الشعبية لسكان تلك المنطقة حيث أننى عشت معهم لما يقارب السنتين ) , صمدت دولة رابح لسبع سنوات عجاف , حتى إستطاع الانجليز من القضاء عليه بمعاونة الفرنسيين , الذين كانوا يسيطرون على كل من الكميرون وتشاد , قتل بصورة تجلت فيها كل مظاهر الشجاعة والبطولة , دفن حيث قتل, وذلك فى شبه الجزيرة التى يلتقى عندها نهرى اللوغون وشارى غرب إنجمينا , وهو ملتقى شديد الشبه بمنطقة المقرن فى الخرطوم . وكان ذلك فى عام 1907 م .
آثاره :ـ
يحتفظ مركز الآداب والثقافة التابع للدولة , بولاية برنو بالكثير من الاثار التى تخص رابح سواء اكانت ممتلكات شخصية له أو أخرى , من بين تلك الاثار المركب التى إستخدمها لعبور نهر شارى .
إتخذت وزارة الثقافة من قصره الذى كان يسكن فيه ( بدكوة ) متحفاَ تابع للدولة .
يُدرس تاريخ رابح وحروبه فى منهج التاريخ للشهادة الثانوية لطلاب غرب إفريقيا .
*مصادر الدراسة :
* مقرر مادة التاريخ للشهادة الثانوية لطلاب غرب إفريقيا .(باللغة الانجليزية )
* (Across Wadi , Sir Philip Brucklehurst , The Geographical Journal ,Vol. LIX No. 4 , April 1922 )
* (Amana Online )
* زيارات ميدانية لكل من مقبرة رابح , و المركزالثافى للفنون والاداب , بولاية برنو , والوقوف على بعض من الاثار , بالاضافة لما تلقيته من شرح من قبل الموظفين المسؤولين عن المركز.
* إفادات وروايات بعض الاهالى الذين قابلتهم بتلك المنطقة ( مايدوغرى ـ عاصمة ولاية برنو بنجيريا )
كتبت عنه ( Amana Online ) , بما يفيد [ان دخول المستعمر وإسقاطهم له , كان بمثابة , الرحمة , لاسرة الكانيمى , وذلك لانه إستعادت لهم ملكهم الضائع [
و الان نطرح سؤالاً , لماذا نحن بصدد تسليط الضوء على صفحة قد طواها النسيان ؟؟؟ .. أو سؤال آ خر : ما أهمية كل ذلك بالنسبة لنا نحن أبناء اليوم , برفاة تحللت بفعل الزمن , وأمتصت بقاياها طبقات الارض..؟؟؟ أو يمكن أن يقول لك أحدهم ( الناس فى شنو والحسانية , فى شنو .. ؟؟؟ كل تلك الاسئلة ممكنة , وربما كانت مشروعة , وهى كذلك , حيث ان تنوع الاسئلة وإختلاف الرأى , لايفضيان إلا إلى غرس مولود سليم ومعافى , فى رحم هذى الام الولود , التى تدعى الامة السودانية . وبصيغة أخرى إن الشعوب فى سيرورتها لاتبنى حضارتها فى فراغ , أو بضربات الحظ وحسن الطالع , كتب جمال عبد الناصر حسين , (الرئيس الاسبق لمصر ) , ما يلى : عن كفاح الشعوب :
(( ... وقصص كفاح الشعوب ليس فيها فجوة يملؤها الهباء, وكذلك ليس فيها مفاجآت تقفز إلى الوجود , دون مقدمات , إن كفاح أى شعب , جيلا بعد جيل , بناءً , يرتفع حجراً فوق حجر , وكما ان كل حجرفى البناء يتخذ من الحجر الذى تحته قاعدة يرتكز عليها , كذلك الاحداث فى قصص كفاح الشعوب ... ))
المرجع : فلسفة الثورة : جمال عبد الناصر , صفحة 1 ...
إذاً فليس هناك حدثاً قومياً فى حياة الامة يجب ان يمر هكذا دون توثيق , او انه غير ذى اهمية , لانه بتراكم تلك الاحداث تتشكل الهوية , التى قال عنها الشيخ الوقور : الاستاذ عبد الباسط عبد الماجد , فى لقاء له على قناة النيل الازرق , فى برنامج مساء جديد : (( إن الهوية لا تعنى تلك العبارة البسيطة أو البطاقة التى نحملها , إنما الهوية هى صبغة تتشكل عبر تراكم ثقافى خلال سنوات طويلة )) نعتذر للاستاذ إذا لم نوفق فى نقل كلماته ( تقفى الحافر للحافر كما يقولون ) , ولكننا مؤكد لم نخرج من السياق المعنوى للتفسير.
ونفس الاتجاه المؤدى للمفهوم البنيوى للثقافة والتوثيق ودورهما فى التغيير الاجتماعى نورد الافادة التالية للدكتور : محمود أمين العالم , حيث يقول :
(( ... لابد وان يكن للمثقف العضوى , دور فى التغيير , لأن للثقافة سلطة مهمة , هى سلطة الوعى التى بإستطاعتها قيادة الحركة الاجتماعية .))
المرجع : العولمة وتحديات المستقبل , دكتور : محمود أمين العالم
وقبل ان نغادر محطة رابح , لابد لنا من ان ننوه بأن ما قمنا به من مجهود , يظل قيد الدراسة والتمحيص , من قبل أصحاب الاختصاص الشرفاء المبدعين فى هذا المجال , وذلك لأن المحاولة قد جاءت من هاوٍ غيور يحمل بين حنباته بعض من طموح قد أرق مضجعه .
وإشارة اخرى , لاصحاب الاقلام الحرة الشريفة و المبدعين , بأن ( مادة رابح أى مايكتب من كتب عنه وعن حروبه , ويباع فى السوق العالمى , تدر ملايين الدولارات لاؤلئك المثقفين شمال المتوسط ...!! ؟؟؟ ) .
وأمر آخر وهو أن هنالك صلة وطيدة بين الوثائق التاريخية لكل من سلطنة الفور ومملكة كانم , الامر الذى يمكن ان يكشف خبايا كثيرة وراء ما يجرى اليوم فى دار فور ... !!!
محطة قبل أخيرة : الشاعر احمد فؤاد نجم المولود عام 1929 م , لم يك فى بداية حياته , أكثر من , كواء , وعامل إنشاءات ,وبناءٍ , وحرفٍ أخرى بسيطة , ولكن من ذا الذى ( فى عالم اليوم , أو فى خلال النصف قرن الماضى ) يعرف وزراء الثقافة العرب , أكثر من معرفته للشاعر نجم ... ؟؟؟ !!!
كتب شاعرنا العديد من القصائد التى تغنت بها الاجيال , كان للشعب السودانى نصيب مستخلصٌ منها ومصطفى , لكننا نترككم مع إحدى روائعه البسيطة فى مبناها , والمعبرة فى معناها , كسراً للجمود والرتابة وملل التاريخ وجدال الاستثقاف فإلى القصيدة :
سيدى الريس :
فى عيد ميلادك الكام و ( ستين ) ..
كل سنة وأنت طيب وإحنا مش طيبين ...
كل سنة وانت حاكم وإحنا محكومين ...
وإحنا مظلومين ....
وإحنا متهانين ...
ويا ترى .. يا حبيب الملايين ..
فاكرنا ؟؟ ولاخلاص إحنا منسيين.... ؟؟
إنتهى المقطع من القصيدة ... ولكننا للصالح العام قمنا بتغيير ( سبعين ) إلى ( ستين ) , والعشرة طبعاً ما بيناتنا نحنا السودانيين ... !!!
المحطة الاخيرة : نيكولا ميكافيللى , المولود فى النصف الثانى من القرن الخامس عشر الميلادى , كان موظفاً بسيطاً فى حكومة فلورنسا تلك المدينة الايطالية , فيما بعد وحتى كتابة هذه السطور, لم يكن هناك أحد فى العالم من المثقفين والحكام وحتى تلامذة المدارس مرحلة الاساس , لايعرف ميكافيللى .
ولكن حتى ميكافيللى نفسه لم يكن يتصور أن التاريخ سيسطحبه هكذا , بأكثر من القدر الذى كان به فى زمانه . حينما الف كتاب الامير والذى اشتهر بالمبدأ المعروف للجميع الغاية تبرر الوسيلة , كان هدفه من ذاك الكتاب هو ان يقدمه لاحد الامراء لاجل الحصول على وظيفة يقتات منها وذلك بعد ان فقد وظيفته الاولى للصالح العام , وبعبارة يرددها الرفاق , يمكن القول أن الرجل كان إنتهازياً واعياً أو متسلقاً .
تكمن أهمية المُولّف فى أنه غدا مصدر إلهام للكثيرين من قادة العالم ومن اشهرهم موسلينى الذى يقال أنه إتخذه موضوعاً لرسالة الدكتوراة .
حكى لى أحد أصدقائى الشاديين , حينما كنت بأم جمينا , أنه حينما أُطيح بحسين هبرى وفرّ إلى الكميرون وجد تحت وسادته نسخة من كتاب الامير ومسدس ... !!!
حــــاج على /
الســـــعودية Wednesday, August 27, 2008
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة